في الابتلاء بالعنف الأعمي متجاوزاً أسبابه ونتائجه

حجم الخط
0

مطاع صفدي

ما الذي يجعل الثورة العربية المعاصرة تتهاوي أخيراً إلي حضيض العنف الغرائزي؟ سؤال يجب أن يواجهه الفكر العربي بصراحة ودون مواربة ثقافوية أو أيديولوجية. فالعنف الغرائزي لم يعد يمكن إخفاؤه تحت أية تأويلات تُطلق عليه من خارجه. إنه العنف المحض الذي لا شيء يبرره غير ذاته. وبالتالي لا جدوي من أية محاولة في اقتراف أحابيل التأويل. أوضح ما يفجأ به العنف المحض هو أنه يتابع تقديم أهواله دون أن يعبأ بأية أسماء أو أوصاف أو تعليلات تُطلق عليه. إنه العنف المتسلسل من أحداثه فحسب. كأنما لم يعد يمكن التدخل في صيرورته إلا بطريقته عينها.

قد يقال إن العنف المحض هو اللقيا الأخيرة، والمحصلة النهائية للثورة الفاشلة التي وأدت أفكارها وأبناءها قبل أن يتاح لها تحقيق أضعف أهدافها وليس أعلاها وأرقاها. لا تسقط الثورة في حممِ العنف العاري إلا عندما تتخلي عنها وعودها التاريخية، فلا يتبقي لها إلا الانتقام من لحمها وعظمها. فيصير العنف المحض هو برهانها المادي الوحيد علي وجودها مجرد وجود ضداً علي الإخفاق المتراكم في شتي حقول التغيير التي مارستها دون جدوي، لأن السقوط في مهاوي العنف المحض ليس من مسؤولية مرتكبيه فقط، بل هي عقوبة المجتمع الفاشل كله التي يُنزلها بنفسه. كل مساحات المهالك الجماعية المفتوحة في جغرافية العالمين العربي والإسلامي، ليست وقفاً علي جلاديها وضحاياها وحدهم. إنها رموز الساحات الأخري التي لم تفتح بعد.

وفي التحليل الفلسفي فإن أشد أشكال العنف هولاً هي التي تتجاوز أسبابها الموضوعية فتتوالد وقائعها من بعضها. إذ يصير العنف إلي افتعال أسبابه الخاصة به، وهي لن تكون أسباباً مفهومة بقدر ما هي تابعة لجدلية عمياء، تجعلها تدور في حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل، حيثما يغدو تبادل المهالك الجماعية مجرداً من أية إرادة واعية، خاضعاً كلياً لمنطق الثأر والثأر المضاد. وهو ليس منطقاً عقلانياً علي الإطلاق، وإن كانت له طقوسه الاعتبارية في مستوي الاجتماع القبلي. وفي هذا السياق لا بد من بروز القوة الثالثة المعوّل عليها وقفُ مسلسل الفناء المتبادل، أي ذلك الأمر الوحيد المتفاهم عليه بين شركاء الموت وخصوم الحياة. هذه القوة الثالثة تواضَعَ المفكرون علي تخصيصها بالدولة. فهي مثال القوة العليا التي ينبغي لجميع القوم أن يكونوا متساوين إزاءها في الضعف المشروع، المصطلح عليه باسم الطاعة للقانون العام. وظيفة الدولة، وسبب اختراعها الأصلي، هو حفظ الأمن للجميع. وما تعنيه هذه العبارة، قبل أن يمحو التداول السلطوي دلالتها الأولي التأسيسية، هو كسر قانون العنف التلقائي الذي يتحول إلي مسلسلات المهالك الجماعية والفردية، إن لم تردعه قوة أخري، تتفوق عليه بما لا يمتلكه أصلاً، وهي أنها وسيلة وليست غاية في ذاتها؛ وتكون غايتها متجاوزة لها من مرتبة القوة الخام، إلي جاهزية السلطة المشروعة الحائزة علي تضامن الجميع معها.

المجتمعات التي يتم تعجيزها ذاتياً أو خارجياً، عن بناء مؤسسة الدولة، ومن بينها من يملك الدولة ثم يفقدها، هذه جميعاً فإنها معرضة لضياع وحدتها السياسية، ومن ثم لانفراط عقدها الثقافي فالتكويني. إنها فاقدة للرأس الموجه، والمنظّم لكامل وظائف الجسد الواحد. تغزو الفوضي نسيجها، تمزقه شر تمزيق. وبالتالي لا يتبقي للجسد المهلهل إلا غرائزه العضوية، بمثابة خط دفاعه الأخير. لكن الغرائز، بدون العقول وتضامنها الإرادوي، تصبح حرة حاكمة بأمرها لوحدها، فالتة من كل عقال. وهكذا يجد العنف بيئته الطبيعية لينمو ويترعرع ويغدو المتحكم في قانون توزيع الناس بين مقولتي الجلاد والضحية مع إمكانية تبادل الأدوار بينهما دائماً.

ربما أُتيح للنهضة العربية الثانية أن تخطو خطواتها الأولي علي طريق مشروع لدولة مشروطة مقدماً بظروف الصراعات الأيديولوجية والسياسية المصاحبة لها. وعلي ذلك ارتبط مشروع الدولة بشخصية الحاكم الجالس علي قمتها، أكثر من قدرته علي التجاوب مع آمال الأجيال لمرحلة ما بعد الاستقلال الوطني؛ وذلك بتنمية مشروع الدولة العصرية وجعلها الإناء المستوعب لتطلعات حضارة عربية جديدة حرة وعادلة. لكن الخلل البنيوي سرعان ما وقع وتجذَّر منذ أن أصبح للحكم طبيعة السلطة الجالبة للمنافع غير المشروعة، من المال العام والجاه المفتعل والسلطان المتجبر. لم تعد الدولة تمثل مركزاً استراتيجياً أعلي لقيادة حضارة، ولا هي تبني مرتبةَ المسؤولية العامة التي لا يتبوؤها إلا نخبة عقول الأمة وأشرف رجالها، ولا هي صانعة ومصنوعة بسواعد الزعماء التاريخيين الحقيقيين. فلا يتدبّر سفينتها إلا الربان الشجاع، المتدارك لمصيرها وسط العواصف العالمية الهوجاء وأمواجها العاتية، وإزاء غزوات الغرب المتجددة ضد العالم العربي.

الدولة العربية لم تكن أبداً من نتاج مجتمعها، بقدر ما كانت من تأسيس الإدارة الاستعمارية سابقاً، قبل أن تتسلمها الفئات الحاكمة الفاسدة مع الاستقلال. ولقد ظلت طبيعة الحكم الفاسد هي المسيطرة عبر مختلف التطورات نحو الأسوأ دائماً؛ بحيث لا يمكن أن يبلغ بعض مراكزها أحدُ شرفاء الناس ـ نسبياً ومن قبيل الصدفة النادرة طبعاً ـ حتي يغرق في وعثائها إلي أذنيه. فسادُ الحكم أخلاقياً يجعله طيعاً لأخطر الانحرافات في حق المواطن والوطن. فلا بد أن يكون فاقداً لضمانة المناعة الوجدانية حتي يسهل عليه احتقار المناعة السياسية واللعب علي كل حبالها الملتوية. وهكذا عندما يتملك اليأسُ الشعوبَ من صلاح حكامها مع تراكم الأحباطات العامة في كل شأن من شؤون الناس الطبيعية، والتي تتوفر عادة للمجتمعات السوية، بينما لا تكاد هي تحقق الحدود الدنيا منها. وعندما لا يتبقي ثمة من طريقة خداع لدي هذه الطينة من الحكام، لإقناع الرأي العام بما تبقي لها من الوعود الزائفة، إلا بوسائل القمع والبطش والاضطهاد وحدها، فإن العنف المعمم يكون قد تهيأت له أسبابه الموجبة، بانتظار اللحظة المحتومة لانهيار الدولة مع اضمحلالها المتمادي نحو سلطة الفئة الجائرة، وصراعاتها مع الفئات المافيوية الأخري المنبثقة منها والمعششة في دهاليزها، أو أن هذه الدولة المنخورة قد تتساقط تحت ضربة غازٍ معتدٍ مرة واحدة.

مشروع الدولة لكل مواطنيها ينتهي إلي مجرد سلطة الفئة الجائرة وحدها. وإن المجتمع المحبط حضارياً، والمقموع سياسياً وإنسانياً، والفاقد لإمكانيات التغيير، يتمزق نسيجه البشري إلي جبهات صامتة، معبأة بالأحقاد والضغائن، باحثة عن فرائسها تحت مختلف التسميات المضادة لبعضها. دوام هذا الاحتقان المرضي يجعل العنف المقموع ينسي أسبابه الأصلية، ويتجاوز أهدافه المعلنة. يغدو هادئاً خالصاً كالبارود بانتظار الشرارة. فإذا ما انفلت من عقاله لن تأسره أية أيديولوجية (ثورية) تحاول الالتصاق به. إنه محض أهوال تتناسل من بعضها؛ وقد لا ترقي حتي إلي مستوي حرب أهلية تقسم الناس بين أفرقاء متقاتلة حول أهداف معينة. لكن انفلات المهالك الجماعية، علي الطريقة العراقية، لا تستهدف سوي (تفظيع) التعذيب والقتل للآخر. إنها الهمجية التي تسخر من كل نعوت الأهوال التي تُلقي عليها لأنها هي الأفظع دائماً. فماذا يفيد تصنيفها إلي جانب هذه الطائفة أو تلك. فلا تمييز بين الأموات والضحايا من الفريقين معاً.

أما التقاتل الفلسطيني فقد يبدأ صراعاً علي السلطة ومراكز النفوذ، لكن استمراره أو تكراره يخرجه إلي دائرة العنف المحض حيث لا رادّ لنزعاته وأهواله. يصير سيد الشارع، أي سيد النزوات والعربدات الدموية وحدها. وفي اللحظة التي تضع فيها البوشية المتهالكة استراتيجية التعويض عن خسائرها الكبري، والقائمة علي مبدأ زرع الفوضي الدموية في كل ما هو حي واعد في أرض العرب والاسلام، في اللحظة التي تقرر استراتيجية التعويض هذه ألاَّ ترحل البوشية عن هذه الأرض إلا بعد أن تحيلها قاعاً صفصفا علي رؤوس أصحابها. وتُلغَي دولةُ العراق الواحدة، وتُبيَّت خططُ التفتيت الكياني لمعظم دول المشرق والمغرب حتي العمق الإسلامي الآسيوي، فإنها لن تسمح للفلسطينيين أن يتوحدوا ويقيموا دولة الاستقلال الوطني الحقيقية التي هي أول العد العكسي لانتفاء الدولة العنصرية الأخري. رهان استراتيجية التعويض التدميرية يتلخص في قاعدة التحييد الشامل لمختلف عوامل التغيير الكامنة أو الظاهرة في هذا المجتمع العربي والإسلامي أو ذاك؛ وذلك بخلق كل الظروف السلبية لانطلاق العنف، وجعله سيد العلاقات كلها ما بين مكونات كل مجتمع علي حدة، وما بين كل دولة وأخري. ذلك لأن العنف الذي يبدأ سياسياً، ثم يتحول إلي اقتتالات شعبوية، يصير إلي تلك القوة الفريدة التي تقود أصحابها، من جلادين وضحايا معاً، ولا تنقاد بهم. وهو المبشر بعقيدة العدوان المجاني من أي جهة أتي، سواء من الداخل أو من الخارج. بل إنه هو الذي يوفر علي العدوان الخارجي أكلاف التدمير الشامل الذي يصير أفعالَ مبارياتٍ ذاتوية لأفرقاء الفتن في الداخل.

إن للعنف غواياته الشريرة التي تشد أقطاب السياسات الفاشلة أو العاجزة؛ فهي تسجل إفلاس النخب من حاكمين ومحكومين، من حمولات المبادئ والأفكار والقيم القادرة علي التدخل الحاسم في فض الإشكالات العامة المستعصية، والعمل علي فضح أفخاخ الاستثمارات الفئوية والمدسوسة التي تختفي وراءها. وما السقوط في هاويات الدم المستباح إلا إعلان التكريس العملي لثقافة الموت كأنها سلطة مطلقة. بما يؤكد أخيراً أن المجتمع الضحية شارف علي الإقرار بفقدانه لإنسانيته. الأمر الذي يسمح لعتاة مجرميه أن يطلقوا العنان لكل الفظائع المعروفة والمبتكرة، والتفنن في تسويق جاهزياتها الاجرائية المدمرة مصحوبةً بجاهزيات الدعوات المغرضة والإعلام الموتور.

ما نقوله إن الأمركة العسكرية الآيلة راهنياً، إلي جنْي أشواك خسائرها ما بين أصقاع القارة العربية الإسلامية، قد يثبت في روعها أخيراً أن الأجدي من الغزو والعدوان الخارجي هو تفعيل عدوان المجتمع المستهدف علي ذاته، بتحريك تناقضاته الداخلية الثانوية، والتي يمكن ضخّها بابتكار صراعات سياسوية كاذبة لا تتطلبها المصلحة العامة، بل تحاذرها وتتجنبها دائماً، ما دامت محكومة بالوعي والتبصر. لكن مع ندرة جنس القيادات الوطنية المتنورة، فإن أية شرارة طائشة ستلهب أكوام الآمال الشعبية المحطومة. وعندها تفقد أبرع الأدلجات أو التعليلات القدرة الفوقية علي إطفاء نيران الجحيم المتنقلة من كارثة إلي أخري.

تلك هي عقيدة استراتيجية جديدة يخلّفها تراث (البوشية) لأمثالها القادمة من بعدها. إنها العودة إلي أيديولوجيا (المؤامرة الكبري)، شرط أن تغدو المؤامرةَ الذكيةَ هذه المرة، وكما يتمناها منظروها القدامي والمحدثون الذين سنعرف أسماءهم قريباً، وإن كان لهم سابقون مجلون مشهورون في مضمار التذاكي الدبلوماسي، الهادف دائماً إلي الانقضاض علي الشعوب المستضعفة واقتناص حرياتها وثرواتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية