توفيق رباحي
في العادة اتجنب بهذه الزاوية توجيه الانتقادات الشخصية للافراد، اقصد العاملين في محطات تلفزية، خصوصا الجزائرية بما انها كثيرا ما كانت عرضة لانتقاداتي، لانني ادرك انهم مغلوبون علي امرهم وان اغلبهم غير سعداء وغير مقتنعين بنوعية العمل الذي يقدمون، ويتمنون تحسينه. واؤمن بان ما ان يخرج احدهم من ذلك السجن نحو قناة في الخارج حتي يُنفض عنه غبار الرداءة ويتغيّر اداؤه نحو الافضل.
لكن هذه المرة اشذ عن التحفظ شعورا مني بان من واجب اغلب الصحافيين والمراسلين الذين غطوا الانتخابات النيابية الخميس الماضي ان يعتذروا من الشعب الجزائري علي ما مارسوا عليه من تضليل طيلة يوم الخميس، يوم الانتخابات.
بتوضيح اكثر، بلغت نسبة المشاركة في التصويت ذلك اليوم، بحسب الارقام الرسمية التي اعلنها وزير الداخلية شخصيا بعد غلق صناديق الاقتراع، 35 في المئة. لكن لو سايرنا منطق الصحافيين الذين تداولوا علي شاشة وميكروفون التلفزيون الجزائري منذ صباح الخميس، تكون النسبة قد بلغت او فاقت 100 في المئة. فقد هلل وكبّر اغلبهم، دون توقف، لخروج الجزائريين عن بكرة ابيهم لاداء واجبهم الانتخابي. اعتقدت وانا استمع اليهم، ان حتي الرضع الجزائريين صوّتوا او سيصوتون. اعتقدت ان حياة وزمن الجزائريين توقفا ذلك اليوم الا من الانتخابات.
ثم جاء سي يزيد، وزير الداخلية، العقيد المتقاعد من ادارة المخابرات في اواخر السبعينات، جاء ومعه صرّة عندما القاها امام الناس سقط رقم 35.51 في المئة ليقول لمغرّدي النهار: أفيقوا!
علي رأس جوقة التضليل، مذيعان كانا بالاستوديو الرئيسي في العاصمة. حماسهما دفعهما الي قلب القواعد العلمية فتجاوزا الصور وزايدا عليها. فاذا كانت الصورة تعادل الف كلمة، بحسب ما تعلمنا في مدارس الاعلام، فعند البطلين المذكورين كانت الكلمة تعادل الف صورة في ذلك اليوم.
سألت فبلغني ان احدهما اسمه عبد الرزاق بوكبة. قيل لي انه شاعر ومثقف، او محسوب علي المثقفين، فقلت هنيئا للجوقة علي ضمها عازفا جديدا برتبة موسيقار، فهذا حتما سيزيد في ثقافتها ونوعية ألحانها. كنت اتمني ان اري ملامح وجه المثقف والوزير يعلن، في ما يشبه الاعتراف بالفشل، تلك النسبة الهزيلة من المشاركة. كنت اتمني ان اسأله عن سر امتناع التلفزيون عن برمجة سهرة سياسية، كما جرت العادة في الانتخابات الماضية، لمناقشة كيف استجاب الجزائريون لنداء الواجب الوطني فأغاظوا الاعداء في الخارج والداخل ولقّنوهم درسا وفوّتوا عليهم فرصة للاصطياد في المياه العكرة.
كنت اتمني ان اسأله لماذا انصرف اهل التلفزيون في تلك الليلة مثل فريق كرة انهزم في مباراة حاسمة ما كاد يصدّق انها انتهت، وفضّلوا ترك الامر لليلة الموالية (لا تقولوا ان السبب هو بث مباراة نهائي ابطال العرب بين وفاق سطيف والفيصلي الاردني مسجلة، لان لا احد سيصدق). كنت سأسأله لماذا يشعر التلفزيون اصلا بالحرج في كل مناسبة سياسية غير موفقة كتلك الليلة؟
يحق للمرء ان يسأل هل فُرض علي الاغلبية الساحقة من اولئك الصحافيين والمراسلين والمذيعين قول كل ذلك الكلام المخالف للحقيقة؟ وماذا كان سيضر البلاد لو ان التلفزيون نقل الواقع كما هو: عزوف عن الانتخاب، ثم عززه، كالعادة، بمقولات ان هذا يحدث في كل دول العالم؟
ويحق له ان يسجل انه رغم تلك الملاحم (صور ثورجية، اغاني وطنية ملهبة، خطابات رئاسية) لا ينجح اصحابها الا في اقناع 35 في المئة من الجزائريين بالتوجه الي صناديق التصويت، اذا ما صدّقنا ان مشاعرهم الوطنية استجابت لنداءات جوقة التلفزيون.
افهم ان يساهم المرء في التضليل طالما انه في جو لا يصنع غير التضليل، لكن لا افهم بسهولة كيف يتطوع نحو المزيد بدل ان يحاول العكس.
لا اعتقد ان سمعة البلد كانت ستتضرر لو نقل التلفزيون وجيشه العرمرم الحقيقة، اكثر مما هي متضررة من ممارسات النظام الفاسد الذي يحكمها. حتي البعبع المتمثل في دعوات المقاطعة فقدَ اهمية مثلما فقدتها الانتخابات. اي معني لانتخابات يدعو عباسي مدني الي مقاطعتها، ويرد الارهابي (المستسلم والتائب عن ارهابه) مدني مزراق الي المشاركة بها، وتدعو جبهة القوي الاشتراكية الي مقاطعتها فيصر التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية علي المشاركة بها. من تعقيدات الوضع الجزائري انه جعل من المشاركة والمقاطعة فعلين يائسين لا فرق بينهما: لا المشاركة تقود للتغيير المأمول، ولا المقاطعة تجعل نظام الحكم يحشم و يصلي علي النبي. اذا كان نظام الحكم نجح في شيء، فهو قد نجح، مستعملا التلفزيون سلاحا اساسيا، في فرض نقاش داخل زجاجة نتج عنه يأس قاتل من ثمراته رقم 35 في المئة (علي افتراض انه غير منفوخ) الذي نطقه بعسر وزير الداخلية ليلة الخميس. هذا في الداخل. اما في الخارج، فيواصل اخطبوط الملتحين الجدد مد اذرعه نحو الفضائيات العربية والدولية مساهما، عن وعي واضح، في نشر نفس التضليل الذي يتجرعه الجزائريون من قناتهم المحلية. بدون عناء سيكتشف المرء ان هذا الاخطبوط انتشر يوم الانتخابات بالفضائيات مثلما انتشر بها عقب تفجيرات الجزائر العاصمة يوم 11 نيسان (ابريل) الماضي (راجع هذه الزاوية يوم الثلاثاء 17 الشهر الماضي). احدي القنوات التي سرح ومرح فيها الاخطبوط، قناة العربية التي يقال لنا بدون ملل انها ليبرالية وتقدمية. لكنها تركت المجال لاذرع الاخطبوط ثمنا لعملها بالجزائر توازيا مع منع الجزيرة.
ما كان هذا الكلام سيجد اهمية لو لم يكن هذا الاخطبوط شريكا في ميلاد اليأس القاتل والنقاش داخل الزجاجة، ولو لم يكن شريكا في الغش السياسي الذي يعاني منه الجزائريون.
وبما ان زعيم الملتحين الجدد وزارة الرقية والتبراح في الفضائيات عوّض وزارة الفساد التي اقترحها زميلي وصديقي خضير بوقايلة في مقال بصحيفة جزائرية الاسبوع الماضي. جنون متلفز! لن آتي بجدبد لو قلت ان ما حدث (وسيحدث) في غزة من اقتتال فلسطيني فلسطيني، عار ومخز. لم يعد الكلام يفيد. لا بد من فعل شيء لانقاذ الناس من هؤلاء المجانين. لهذا اريد ان اساهم باقتراح متواضع لعله يفيد لو بالقليل. انها حرب سلاحها الاول الفضائيات، واقتراحي انه عندما يندلع الاقتتال بين الفصائل الفلسطينية من جديد (وهو اكيد سيتجدد حالما تتوقف آلة القتل الاسرائيلية) تتفق الفضائيات العربية العاملة في القطاع علي عدم تغطيته.
لا يحتاج الامر الي تفويض من الامم المتحدة، خمس او ست قنوات زائد الحرة وتلفزيون رويترز، تكفي لهذا الواجب الانساني.
بدل التسارع والتنافس في نقل الصور وتصريحات المجانين العسكريين والسياسيين، سيكون الاتفاق علي مقاطعتها فعلا حضاريا وانسانيا ينقذ الارواح ويخدم الفلسطينيين البسطاء المذعورين.
ذلك ان المجانين يرتكبون الجريمة ثم يتسمرون امام الفضائيات منتظرين الخبر العاجل، او يوكلون من ينوب عنهم اذا ما كانوا مشغولين بمزيد من الاجرام. يعدّون للجريمة ثم يتصلون بالمراسلين التلفزيونيين للفت انتباههم الي ان امرا ما سيقع.
وسط هذا الجنون يمضي وزير الاعلام الفلسطيني مصطفي البرغوثي وقته متجولا بين الفضائيات معلنا عن اتفاق هدنة جديد. لكن المسكين لا يطفأ حريقا الا ليشعل آخر.
عند وفاة ابو عمار رحمه الله قلت بهذه الزاوية ان المسؤولين الفلسطينيين لم يعد لهم من عمل سوي التسابق نحو الفضائيات مثل عارضات الازياء. اليوم اقول ان المجانين حمَلة السلاح استولوا علي نفس الدور. وبما ان الجنون بلغ ذروته وفلت العنف من عقاله، لم يعد من سبيل سوي ان يُقاطَعوا تلفزيونيا. عندما يحدث عنف بين زبائن مطعم او ملهي ليلي يتطور الي تراشق بالكراسي والصحون والزجاجات الفارغة، وتصعب السيطرة عليه، يلجأ اصحاب المحل الي اطفاء الانوار ليعود كل واحد الي رشده ويقي الاخرين شروره. الظلام عدو الجميع والاضواء وكاميرات الفضائيات اصبحت سببا واداة رئيسية في الفتنة بغزة.
غزة تستغيث والانقاذ يبدأ من هنا.
كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]