ليس من الممكن خوض الحرب بناء علي شعارات تضليلية
التجربة ليست آخر القول ـ رغم ما يقوله عدد من السياسيين الذين يوجهون أنظارهم نحو المنصب الأعلي في الدولة. ليس هناك أي سياسي اليوم يمكنه أن ينافس التجربة التي راكمها طاقم اولمرت ـ بيرتس في الازمات الأمنية. هما الوحيدان اللذان أدارا الحرب. هل يعني ذلك أنهما السياسيان الأكثر ملاءمة لقيادة الدولة في هذه الفترة الحاسمة؟
المسألة لا تقتصر فقط علي كون التجربة التي راكماها محصورة في مجال الفشل، وانما تبين ايضا أنهما قد نسيا كل الدروس ولم يتعلما شيئا. في الواقع هما يبدآن من جديد: يكرران أخطاء الماضي ويتعلمان علي حساب سكان سديروت. الأحداث الأخيرة في سديروت تعتبر دلالة جديدة علي قدراتهما ومزاياهما المنقوصة.
الخطأ الاول الذي تم منذ عهد شارون كان اقتلاع مستوطنات نيسانيت وايلي سيناي ودوغيت شمالي قطاع غزة. المنطقة المتروكة تحولت بسرعة كبيرة الي موقع لاطلاق الصواريخ علينا. المنطق العسكري يقول أن علينا أن نُدخل الجيش فورا الي المناطق التي تم اخلاؤها، إلا أن المسؤولين عن فك الارتباط لم يكونوا مستعدين للاعتراف بالخطأ الذي ارتكبوه. لذلك يتم اطلاق جزء من الصواريخ من تلك المنطقة حتي يومنا هذا.
لقد تمت تجربة عدة طرق واساليب في السابق: قصف مكثف للمناطق الفارغة في القطاع، الضربات الجوية الجراحية التي يقوم بها سلاح الجو للمسؤولين عن اطلاق الصواريخ، ومع ذلك استمر اطلاق الصواريخ. موافقة الجيش علي ايقاف النار قبل عدة أشهر أتاحت المجال لحماس حتي تتسلح وتتدرب، بينما واصل الجهاد الاسلامي هجماته لانه لم يكن جزءا من وقف اطلاق النار. والآن ها هي حماس تعود الي الانضمام اليه. محاولات تعزيز قوة فتح علي أمل أن يتمكن أفرادها من وضع حد لاطلاق الصواريخ، لم تتمخض عن النتائج المرجوة.
ما الذي تبقي اذا؟ نظرية الأمن المؤلفة من مرحلتين علي نهج بن غوريون التي برهنت عن نفسها في السابق. أولا، يتوجب اعطاء أولوية لحماية السكان المدنيين في اسرائيل. وثانيا، نقل الصراع الي ارض العدو. في هذه الحالة يعني الأمر سيطرة الجيش الاسرائيلي علي قطاع يبلغ 5 ـ 8 كيلومترات في شمالي القطاع. الادعاء الذي يطرحه من يعارضون هذه العملية، والقائل أننا قد كنا في القطاع سابقا، ومع ذلك كانت الصواريخ تُطلق ايضا، هذا الادعاء يتجاهل حقيقة أن أي صاروخ لم يُطلق من المنطقة التي يسيطر عليها الجيش، وأن الجيش يُفترض به أن يكون قادرا علي منع اطلاق الصواريخ من مناطقه.
من المعتقد اذا انه لا يمكن إخراج مثل هذه العملية الي حيز التنفيذ من دون اصابات وخسائر، ولكن هذه الطريقة الوحيدة لحماية سكان سديروت والنقب الغربي. اليوم أصبح الامر أشد صعوبة مما كان عليه قبل نصف سنة حيث ازدادت قوة حماس، وسيصبح الوضع أشد صعوبة بعد نصف سنة اخري.
وبالنسبة لاولئك القلقين من كيفية خروجنا من المناطق التي سيحتلها الجيش، يجدر بهم أن يتبنوا المثل القائل لكل شيء أوانه. أولا، يتوجب اعادة الأمن لسديروت، والباقي يعتمد علي سلوك الفلسطينيين.
العجز الذي تُبديه الحكومة هو تكرار دقيق لأخطاء حرب لبنان الثانية. لانها لم تفهم أن الطريقة الوحيدة لايقاف اطلاق الصواريخ قصيرة المدي تتمثل بارسال القوات البرية الي مواقع الاطلاق. كان الجليل عُرضة لاطلاق الصواريخ طوال أكثر من خمسة اسابيع وهُزموا في الحرب. ومع ذلك لم يتعلموا شيئا. حينئذ رفعوا الشعار الأحمق لن نغرق في الوحل اللبناني مرة اخري الذي طمس عقولهم، والآن أتونا بشعار لن نعود الي غزة. هذه حرب، وليس من الممكن خوض الحرب بناء علي شعارات تضليلية.
موشيه آرنسوزير دفاع سابق(هآرتس) 21/5/2007