الرباط ـ “القدس العربي” ـ من محمود معروف: اختارت النخبة السياسية المغربية ادريس بن زكري، الناشط الحقوقي الذي رحل الاحد، شخصية عام 2004 في استطلاع رأي اجرته اسبوعية مغربية.
واسباب الاختيار كانت متعددة، لكن السبب الرئيسي الذي جعل بن زكري شخصية العام ان الرجل، بصفته رئيسا للجنة الانصاف والمصالحة اختتم تلك السنة بجلسات علنية تبث مباشرة علي شاشة التلفزيون الرسمي وامواج الاذاعة يتحدث فيها ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي عاشتها البلاد فيما يعرف بسنوات الرصاص وهي السنوات الممتدة ما بين 1956 و1999. والاحد، في احدي مصحات مدينة الرباط اختتم ادريس بن زكري بعد مرض عضال ادخله المستشفي في باريس للمرة الاولي في 2006، حياته الحافلة بالنضال مع ومن اجل الفقراء والسجن ثم النشاط الحقوقي في هيئات مستقلة قبل ان يتولي رئاسة هيئات رسمية تتولي تصفية ملفات الانتهاكات وطي صفحة الماضي الاليم.
العاهل المغربي الملك محمد السادس في برقية تعزية لاسرة بن زكري قال ان وفاته خسارة كبيرة، ليس بالنسبة لأسرتكم فحسب، ولكن بالنسبة للمغرب ككل، وللمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان خاصة وقال أن الفقيد عمل بكل تفان ونزاهة ووفاء للثوابت الوطنية والمبادئ الكونية السامية علي نصرة القضايا العادلة لحقوق الإنسان.
وقال إن فقيد الوطن الكبير سيظل خالدا في ذاكرة جلالتنا، بإسهامه الرائد في العمل التاريخي والفاعل علي رأس هيئة الإنصاف والمصالحة، التي كانت لبنة أساسية في تحقيق الانتقال الديمقراطي الذي نقوده. كما سيظل علي مر الأزمان، رمزا حيا للالتزام والشجاعة ونكران الذات، الالتزام بالقضايا العدالة والمصالح العليا للوطن والمواطنين والتزام بالتضحية من أجل ترسيخ حقوق وواجبات المواطنة الكاملة وشجاعة في المواكبة الإيجابية للتحولات التي يعرفها المغرب، والإسهام الفاعل فيها، من مختلف المواقع والجبهات والمنتديات والمؤسسات، التي تقلد مسؤوليتها، بحكمة وتبصر وشجاعة.
ولد ادريس بنزكري سنة 1950 بقرية آيت واحي بإقليم الخميسات القريب من الرباط واختار مع بدايات وعيه السياسي جبهة الي الامام الماركسية المتشددة سبيلا للتعبير عن انتمائه الي الفقراء والمقهورين والنضال الي جانبهم وهو ما ادي الي ملاحقته ورفاقه واعتقاله 1974 والحكم عليه بتهمة التآمر علي امن البلاد ومحالات تغيير النظام بالسجن لمدة 30 عاما. وحصل خلال اعتقاله علي دبلوم الدراسات المعمقة في اللسانيات والآداب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة بالرباط سنة 1983، ثم علي دبلوم للدراسات المعمقة في اللسانيات من جامعة إيكس ـ مرسيليا بفرنسا سنة 1987 وبعد خروجه من السجن بداية التسعينات نال شهادة الماجستير في القانون الدولي، تخصص القانون الدولي وحقوق الإنسان، من جامعة إسيكس بإنكلترا 1997. في السجن كان النقاش بين الرفاق الجبهويين او القاعديين يسفر عن بروز تيارات تصبح فيما بعد احزابا او منظمات لكن بن زكري بعد خروجه من السجن اختار النضال الحقوقي وعمل في عدد من جمعيات المجتمع المدني حيث تولي منصب نائب رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ومدير للفضاء الجمعوي واسس مع مجموعة من رفاقه السابقين المنتدي المغربي للانصاف والمصالحة الذي تمحور اهتمامه حول حقوق المعتقلين السياسيين السابقين ايمانا بأن طي صفحة الماضي لا يكون اذا لم ينل هؤلاء حقوقهم وتعويضهم وجبر الضرر المعنوي والمادي الذي تعرضوا له نتيجة الانتهاكات.
ومع مغرب محمد السادس نهاية التسعينات واختيار طي صفحة الماضي بكل الامه سبيلا لعهد جديد، ونتاج اتصالات ونقاشات مكثفة مع ضحايا ينتمون كلهم الي اطياف اليسار المغربي الراديكالي نقل ادريس بن زكري نشاطه الحقوقي من المنظمات غير الحكومية الي المجلس الاستشاري الملكي لحقوق الانسان واختاره الملك محمد السادس 2003 رئيسا للجنة الانصاف والمصالحة تتولي اعتماد مقاربة تأخذ بعين الاعتبار حقوق ضحايا الانتهاكات وايضا ان ما عهد محمد السادس ليس انقلابا علي عهد والده الحسن الثاني. ولم تكن مهمة بن زكري سهلة فهو ايضا يعرف الضوابط الموضوعة دون ان يخون تاريخه ورفاقه، وطي صفحة الماضي، رهينا، حسب الضحايا والعهد الجديد اضافة الي التعويض وجبر الضرر، بقراءة الصفحة لصيانة الذاكرة الوطنية وعدم تكرار الانتهاكات وتحقيق المصالحة المجتمعية الشاملة. والتجارب في العالم عديدة ان كان في امريكا اللاتينية او جنوب افريقيا ووجد بن زكري نفسه في مواجهة مع رفاقه السابقين اولا حول تحديد الفترة الزمنية للقراءة ورفضهم قصرها علي 1956 الي 1999 والمطالبة بتمديدها الي العهد الجديد وما عرفه من انتهاكات لحقوق الانسان وثانيا حول المسؤولين عن الانتهاكات والجلادين حيث اصروا علي الكشف عن هؤلاء ومتابعتهم قضائيا. كان المتلقون يشاهدون مع صور ضحايا الانتهاكات او عائلاتهم علي شاشة التلفزيون، صورة ادريس بن زكري ليس فقط كأحد الجالسين علي المنصة بصفته رئيس الهيئة بل ايضا بصفته احد الضحايا الذين تركت سنوات السجن علي جسده اثارا واضحة.
وعلي مدي عام كامل انجزت هيئة الانصاف والمصالحة جلسات الاستماع للضحايا والكشف عن مصير مخطوفين ومختفين وتعويض الضحايا وانعكاسات الانتهاكات علي المناطق والاقاليم واثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية. لكن ما سجل عليها عجزها عن الوصول الي مصير قادة وناشطين مختفين وابرزهم الزعيم المهدي بن بركة مؤسس اليسار المغربي الحديث الذي اختطفته في باريس سنة 1965 اجهزة المخابرات المغربية بالتعاون مع المخابرات الامريكية والاسرائيلية وعملاء المخابرات الفرنسية وكذلك الحسين المانوزي الذي اختطفته المخابرات المغربية من تونس في 1973 وغاب اثره بالرباط فيما بعد. تقديرا لما انجزه بن زكري عينه الملك محمد السادس منتصف 2005 رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان لمواصلة مهمة هيئة الإنصاف والمصالحة وهو المنصب الذي ظل يشغله إلي حين وفاته التي سبقها بساعات بالتوقيع علي اتفاقية للتغطية الصحية للمعتقلين السياسيين السابقين.
المصادر الرسمية المغربية وصفت بن زكري برجل ذو مسار استثنائي، من معارض يؤطره حماسه الإيديولوجي، الي شريك للدولة في صياغة آفاق مغايرة لحقوق الإنسان في المغرب تقطع مع زمن الخروقات والانتهاكات الجسيمة.
في لحظة الانتقال حافظ هذا المناضل البسيط القادم من البادية المغربية علي ذات الشرارة النضالية التي ظلت توجه اختياراته كما احتفظ بهويته الأولي التي تعايشت فيها بشكل ملفت خصال التواضع في أنفة، والجرأة في صمت، والحيوية في هدوء.
ومع تعدد واختلاف مقاربات ملف حقوق الانسان والقطائع التي وصمت تاريخه، فقد تشبث الراحل بنزكري بالتزامه وحكمته وتعففه عن الأضواء.
وللفقيد ادريس بن زكري الذي سيواري جثمانه الثري اليوم الثلاثاء بمسقط رأسه مجموعة من الأبحاث والدراسات في مجالات مختلفة من بينها، مهام وأنشطة هيئة الأمم المتحدة في إطار مجموعة العمل حول الاختفاء القسري، و مسلسل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية والتطورات التي شهدها القانون الدولي الجنائي.