الانتخابات الجزائرية: الأرباح والخسائر

حجم الخط
0

د. محي الدين عميمور

كان المجلس التأسيسي الذي أنشئ في 1962 ورأسه المرحوم عباس فرحات أول تظاهرة تشريعية في الجزائر المستقلة، وقدم فيه أحمد بن بله برنامجه كرئيس للحكومة.

وعرف المجلس شدا وجذبا بين تيارين أتصور أن خلفية أولهما كانت تري أن استقلال الجزائر هو نهاية المطاف ويري الآخرون أنه مجرد بداية لبناء الدولة، وانتصرت هذه النظرة، وبعد اعتماد الدستور في 1963 أقيم أول مجلس وطني وضم 138 عضوا لمدة أربع سنوات ورأسه الحاج بن علا.

ولكن الظروف الداخلية واتجاه الرئيس الأسبق أحمد بن بله إلي تكوين ميليشيات عسكرية لخلق توازن مع القوات المُسلحة بقيادة العقيد هواري بو مدين كانت النقطة التي فاض بها إناء التناقضات بين الزعيمين، وهكذا انتزع الجيش السلطة في 19 حزيران/يونيو بقيادة وزير الدفاع الذي قام بتكوين مجلس للثورة تولي رئاسته مع رئاسة مجلس الوزراء.

والغريب أن وثيقة العهدات البرلمانية التي أصدرتها وزارة الاتصال الجزائرية مؤخرا تقول بأن حركة 19 حزيران/يونيو جمدت الدستور، في حين أنه كان قد جُمّد قبل ذلك طبقا للمادة 58 إثر حرب الرمال التي اندلعت في 1963 علي الحدود الغربية عندما هاجمت قوات مغربية الجزائر، وأدت إلي إعلان حالة الطوارئ، وظل الأمر كذلك حتي انتهت تداعيات الحرب.

وكان أطرف ما في الأمر والذي يُبين حرص الرئيس الجديد علي مشروعية الأداء هو طلبه من المجلس الوطني أن يعهد بصلاحياته لمجلس الثورة، وهو ما تم بالفعل، وظلت البلاد نحو عشر سنوات بدون مجلس وطني، حيث رأي الرئيس هواري بو مدين تغيير أسلوب بناء المجالس المنتخبة لتبدأ من القاعدة، ولتكون العملية كلها تدريبا لمواطن لم يعرف الديمقراطية طوال الحكم الاستعماري علي ممارسة هذا الأسلوب العصري في إدارة شؤون البلاد، وذلك بعد حل أهم المشاكل الاجتماعية التي كانت تعرقل حركة المجتمع نحو المشاركة السياسية السليمة، وهي أساسا مشاكل الجهل والبطالة والمرض.

وهكذا عرفت الجزائر الانتخابات البلدية في 1967 ثم انتخابات الولايات (المحافظات أو الأقاليم التي ارتفعت من 16 إلي 31) في 1967، ثم أقر الميثاق الوطني في 1976 بعد مناقشة جماهيرية واسعة تلتها مناقشات حول الدستور المُنبثق منه، والذي أقر في 1977، وهنا أقيم البرلمان الجزائري من غرفة واحدة تحت اسم المجلس الشعبي الوطني، وكان أول رؤسائه المناضل الكبير رابح بيطاط، رحمه الله.

وقام المجلس الوطني بعمله التشريعي بشكل متميز إذ ضم كفاءات متميزة، وكان ضمانا للانتقال السلمي للسلطة إثر وفاة الرئيس هواري بو مدين في 1978، ثم جُدد المجلس في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد في 1982 (وكانت نسبة المُشاركة 71.74 في المئة) ثم في 1987 (حيث بلغت نسبة المُشاركة 87.29 في المئة، ويلاحظ هنا أن الجيش وقوات الأمن كانت تصوت في صناديق خاصة كان يُمكن أن تؤثر صعودا علي نسبة المشاركة، وهو ما ألغي بعد ذلك). وكانت الانتخابات التشريعية التعددية الأولي في 1991 بداية الانزلاق نحو المأساة الدموية التي عرفتها البلاد، ولم يكن السبب هو فتح الباب أمام أحزاب دينية، كما هو رائج نتيجة لعدم دراسة الأوضاع، وإنما نتيجة لأن قانون الانتخاب المُصادق عليه من المجلس الوطني اعتمد نظام الأغلبية الذي يعطي الفائز الأول المقدرة علي اكتساح كل من يأتي بعده، بدلا من نظام النسبية الذي يُوزع مقاعد المجلس طبقا لعدد الأصوات المحصلة.

وهكذا حصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ علي نحو 188 مقعدا في الدور الأول لقاء نحو 3 ملايين صوت في حين لم تحصل جبهة التحرير، ولقاء نحو نصف عدد الأصوات، إلا علي عُشر عدد المقاعد، أي 18 مقعدا.

ويجب أن نلاحظ هنا امتناع نحو 40 في المائة من الناخبين عن التصويت.

واعتقدت بعض قيادات الجبهة الإسلامية أن الدنيا دانت لها فاندفعت نحو تصرفات أخذت طابعا انقلابيا ومستفزا يريد تغيير كل الأوضاع، كتسمية رئيس الجمهورية مسمار جحا (أي المطلوب خلعه) ورفع شعار لا عمل ولا تدريس حتي يتنحي الرئيس، وكتسيير فئات من الشباب الذي يهرول بالخطوات السريعة ويرتدي ملابس مرقطة كملابس الكوماندو ويطلق صرخاته، وكان أخطر ما رُفع من شعارات ما كتب علي لافتات كبيرة عبر شوارع المدن وهو: لا ميثاق ولا دستور ـ قال الله وقال الرسول، بجانب تصريحات أخري أطلقتها بعض القيادات وهي تهدد بالويل والثبور لكل الخصوم، وهكذا ساد الذعر وخرج حسين آيت أحمد (هو نفسُه) علي رأس مظاهرة كبيرة رافضة النتائج ورافعة شعار: لا لدولة بوليسية ولا لدولة دينية.

وكان ردّ الفعل علي ما ارتكب من حماقات إيقاف الدور الثاني وهو ما اعتبر في حينه عملا انقلابيا مضادا (Contre coup)، وبدأت سلسلة انزلاقات، التي بدأت بمأساة المحتشدات التي كانت أكبر أخطاء المرحلة وكان العنف والعنف المضاد، ودانت الدنيا لاتجاهات الاستئصال.

ومن المؤسف أن وثيقة العهدات البرلمانية التي أصدرتها وزارة الاتصال أهملت تماما كل إشارة لهذه المرحلة، بحيث بدا الأمر كتعبير عن عقدة سياسية، لم يكن لها ما يبررها في منطق الدولة الحريصة علي سلامة مؤسساتها. ثم بدأت الأمور في الاتجاه نحو التهدئة بهدنة الجيش الإسلامي ثم قانون الرحمة (الرئيس زروال) الذي صحح نظرته قانون الوئام المدني (عبد العزيز بو تفليقة) واستكمله في العام الأسبق بميثاق السلم والمصالحة.

وكان هدف تعديل الدستور في 1996 والذي أقام غرفة ثانية للبرلمان، عرقلة أي احتمال لقيام حزب يملك أغلبية مطلقة في المجلس الوطني الشعبي، الذي أجريت انتخاباته في 2002 بنسبة مشاركة لم تصل إلي أربعين في المئة. وقبل أن أدخل في تفاصيل الانتخابات الأخيرة أسجل بأن المقولة التي تتغني بأن بلدانا كثيرة، في الشرق والغرب، لم تعط نتائج خيرا من هذه النتيجة، تدخل في إطار التبرير الساذج رغم أنها صحيحة ولم تفسد انتخابات بلدان كثيرة في الشرق والغرب، ربما لأنني كنت آمل في نسبة مشاركة تقترب من نسبة مشاركة الشعب في الاستفتاء علي ميثاق السلم والمصالحة كانت نحو 85 في المئة، وتمهد لمشاركة شعبية أكثر في العمل السياسي.

ولعلي أقول هنا أيضا أن دعوة السيد حسين آيت أحمد لمقاطعة الانتخابات لم يكن لها تأثير خاص لسبب بسيط لمن يعرفون أوضاع الجزائر، حيث أن حزبه حصل في عنفوان قوته في مطلع التسعينيات علي نحو 500 ألف صوت من وعاء انتخابي تجاوز العشرة ملايين، وشعبنا اليوم، وبعد تجاربه المريرة التي عرف فيها من يقف معه ومن يزايد عليه ومن يتاجر باسمه لا يمكن أن يعطي بالا لنداءات سياسي، هو زعيم تاريخي بلا منازع، لكنه اقترب من أرذل العمر وهو يرأس حزبه منذ أكثر من أربعين سنة ويقوده بواسطة الفاكس والتليفون من جنيف حيث يعيش طوال شهور السنة.

والأمر نفسه ينطبق علي نداءات بعض قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي حلت بحكم قضائي، والتي كانت تعرف، كما كان يعرف، بأن الإقبال علي الانتخابات سيكون هزيلا، فأرادت أن تسجل وجودها علي الساحة التي ارتفعت فيها أصوات قادة آخرين يرفضون المقاطعة، وجلهم من الذين حملوا السلاح ضد السلطة وحاربوها بدون هوادة ولكنهم استجابوا لإرادة السلم والمصالحة وتفهموا بعض المُضايقات التي أصابتهم كما تقبلوا وضعية التضييق المرحلي علي نشاط بعضهم.

وهكذا طاشت نداءات شيوخ يتحملون أمام التاريخ جانبا كبيرا من مسؤولية الأحداث الدموية في الجزائر بالتصرفات الانقلابية التي قاموا بها في بداية التسعينيات وقاد فعلهم إلي رد فعل لا يقل عنفا.

وكان من أطرف نداءات المقاطعة تلك التي صدرت عن رئيس حزب فرّ منه أنصاره حاملين معهم اسم الحزب ورصيده القانوني، وهكذا نشر إعلان تلو إعلان بدون توقيعات اسمية، وراح يندد في كل فرصة تسنح له بالذين سرقوا رداءه الحزبي وتركوه عاريا سياسيا، وكان الملحوظ هنا أيضا أن نداءاته نشرت في الصحافة الجزائرية ولم يكن لها من أثر إلا ابتسامات السخرية. والتحليل الموضوعي لضعف نسبة الإقبال علي صناديق الانتخاب يجب أن يكون مادة لدراسة جادة تقوم بها السلطات المعنية في الجزائر حتي يتم تدارك الأمر بما يسمح لجل المواطنين بالمشاركة في العملية الديمقراطية.

وأتصور أن التشخيص الأول لما حدث هو أن الطبقة السياسية الجزائرية أثبتت فشلها في استنفار مجموع المواطنين، برغم أنها تضم شخصيات لها وزنها السياسي والاجتماعي، لكن هذا لم يتحول إلي وجود حزبي هرمي التكوين يستند إلي قواعد شعبية واضحة الانتماء، ترتبط بقيادات تحمل عناصر مشروع مجتمع تدعو له ولا تمارس نشاطها بالمساومات وشراء الولاءات.

والحزب، أي حزب، هو تنظيم هيكلي يعكس واقعا سياسيا ونظرة اقتصادية ومفهوما اجتماعيا، ويعبر عن إرادة شريحة من الجماهير، وهذه صورة غير متوفرة في كثير من التشكيلات الحزبية، خصوصا منها تلك التشكيلات الطفيلية التي أنشئت يوما ما بهدف تفتيت الساحة السياسية وحرمان الأحزاب الكبري من أحلام التغييرات التي قد لا تنسجم مع دستور البلاد.

وباستثناء جبهة التحرير الوطني، التي تغيرت قياداتها أربع مرات في أقل من عشرين سنة، كانت معظم القيادات الحزبية ملتصقة بكراسي الرئاسة منذ إنشاء الحزب نفسه.

وإذا عدنا للانتخابات الأخيرة فإننا نجد أن من أهم العناصر التي فتتت في عزم المواطنين هو الأداء المحدود للمجلس النيابي السابق، الذي لم يُقدم صورة متميزة عن نشاط برلماني يجسد صورة السلطة التشريعية، ولمجرد أنه كان ممزقا بين واقع البلاد والتزامات القيادة الحزبية، التي كانت هي نفسها تعيش تناقضات كثيرة بحكم التطورات التي عاشتها في السنوات الماضية.

ويأتي هنا عامل مرتبط بذلك وهو الأداء الرديء للمرشحين، خصوصا الذين ينتمون لما يُسمّي بالأحزاب المجهرية، والذي كان تافها وسطحيا ولم ينجح في استنفار المواطنين، الذين تابعوا في نفس الأسبوع مجريات الانتخابات الفرنسية وأعجبوا بالمستوي العالي للحوارات السياسية، وفرضت المقارنة نفسها ليصل المواطن عندنا إلي إدانة للكثيرين ممن يتعاطون السياسة عندنا بل وأحيانا إلي اعتبارهم مرتزقة موسميين.

وهكذا فضل المواطنون راحة المنزل علي عبء مراكز انتخابات لا يرجي منها شيء، ولا أعتقد أن الجانب الأمني كان له أثر في ذلك الإحجام لأن المواطن أدرك بأن التفجيرات الأخيرة كانت أساسا فرقعة إعلامية.

وأتصور أن هناك من كان يريد هذه النتيجة.

غير أن هناك أكثر من جانب إيجابي برز في هذه الانتخابات، وأولها الحرية المطلقة التي تمتع بها المُرشح والمنتخِب علي حد سواء، فليس هناك قانون يُحتم علي المواطن المشاركة في الانتخابات، ولم تعرف الجزائر شاحنات تنقل المواطنين، بالترغيب أو بالترهيب، إلي مراكز الانتخاب.

وتميزت الانتخابات بشفافية كبيرة بفضل وجود مراقبين للأحزاب داخل مراكز التصويت، ومتابعتهم عملية إعداد التقرير النهائي عن سير العملية، هذا بالإضافة إلي الحرية التي تمتعت بها لجنة مراقبة الانتخابات والتي رفعت تقارير إدانة لرئيس الجمهورية أشار لها وزير الداخلية في تصريح علني، وتم قمع كل محاولة للإخلال بنزاهة الانتخابات بسرعة مع تدوين المخالفات في محضر الانتخابات واحتمال رفع بعضها للعدالة. ويبقي جانب إيجابي آخر هو بداية اضمحلال الأحزاب الطفيلية التي لم تحقق نتائج تذكر، ليبقي علي الساحة عدد محدود من الأحزاب ذات الرصيد الانتخابي الهام.

والواقع أن تفوق جبهة التحرير الوطني، ومع تقدير الجهود التي بذلها أمينها العام وبعض الإطارات، لم يكن نتيجة لأداء انتخابي متميز لجلّ المُشاركين، ولكنه تعبير يُسجل في خانة المواقف الثابتة للشعب الجزائري تجاه الجبهة، خصوصا في مرحلة اختارت فيها فرنسا رئيسا يمينيا نقل عنه تمجيده لمرحلة الاستعمار.

ہ وزير سابق وكاتب من الجزائر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية