عائد نبعة
أذكر أني قرأت يوماً ما عن مخرجة لبنانية قامت بتصوير فيلمها الأول من فوهة بندقية، جاء الفيلم الذي يتحدث عن مدينة بيروت وأحداثها الدامية خلال الحرب الأهلية في إحدي عشرة دقيقة، وتميز بمشاهده البصرية الناضجة وشكله الجديد لمحاكاة الواقع الدامي آنذاك، الأمر الذي دفعني إلي تذكر تاريخ السينما وبداياتها وجول ماري وهو عالم فرنسي كان همه الفسيولوجيا والتشريح، نال درجة الدكتوراه في موضوع وهبه كل حياته وهو حركة الحيوان، أي أن السينما لم تكن هدفا من أهدافه أو حتي اهتماماً من اهتماماته، لكنه أسهم بدفع عجلة السينما من حيث لا يدري فقد توصل إلي اختراع جهاز أطلق عليه البندقية المصورة (بكسر الواو)، يضع البندقية علي كتفه علي طريقة أهل الصيد مستعيضاً عن الطلقات بمجموعة من الشرائح الزجاجية ملصقة علي عجلة دوارة، يثبت العدسة في ماسورة البندقية، فإذا أراد أن يلتقط صورة شيء ما وجه البندقية نحوه وضغط علي الزناد، كان لبندقيته هذه دور كبير في اختراع آلة التصوير فيما بعد، أما بفضل بندقية المخرجة اللبنانية فكانت الخسارة الأكبر فقد توجهت بعد ذلك إلي إخراج الفيديو كليب مسهمة ربما من حيث لا تدري في التشويه البصري السائد وبدفع عجلة اللامعني واللا مضمون. رجوعاً إلي تاريخ السينما فلقد مر هذا الفن بمراحل عصيبة جداً فالفنان جورج ميلييس كان ذكيا جدا، هوي السينما بعد سنوات طويلة من العمل المسرحي ورسم الكاريكاتير وهو أول من وضع قصة وسيناريو وأول من صنع فيلما روائيا وأول سينمائي حقيقي مخرجا ومؤلفا فهو أول من حرك الكاميرا السينمائية بعد أن كانت تتجمد علي حاملها وأول من حقق الحيل السينمائية والإضاءة الصناعية. صنع نحو خمسمئة فيلم متفاوتة الأطوال في بعضها غرابة في الشكل والمضمون مثل قصر الشيطان ونزهة في القمر، وعرض عليه الكثير من الأثرياء ملايين الفرنكات مقابل العمل لحسابهم فأبي وعاش بقية حياته فقيرا منسيا بعد أن دخل رأس المال ميدان السينما وحولها إلي صناعة رأسمالية همها تحقيق الربح مهما كانت الأثمان، وغدا ميلييس علما من أعلام السينما الذي لم يتاجر بها لأجل الربح والثروة، لكنه آمن بدورها الفني والثقافي وما لها من دور في رفع ذائقة الجمهور وتطويره، فتجد النظرة الأمريكية مختلفة في هذا الجانب فبعد أن تحولت بندقية جول ماري إلي كاميرا تتحسس الضوء وتساهم في بناء المشهد الجمالي والفني قامت السينما الأمريكية بإرجاعها إلي بندقية لتصطاد العنصر الثالث من عناصر العرض وهو الجمهور، فأينما تعرض الأفلام الامريكية تجد إقبالاً علي شراء السيارات الأمريكية والخردل والجوارب القطنية البيضاء والملابس والأحذية الرياضية الفخمة وسجائر المارلبورو البيضاء والحمراء فالسينما حسب النظرة الأمريكية تجارة رابحة فهي تسوق المشهد الأمريكي بكل عناصره، في المستوي الأول أمريكا البطل أمريكا الديمقراطية والمنقذ المحب لشعبه وفي المستوي الثاني الملايين التي يحصدها شباك التذاكر، وليست السينما فقط هي الوسيلة الوحيدة في رفع القيمة الشرائية لمنتجاتها فالسينما ممنوعة ومحرمة في المملكة العربية السعودية ولكن السيارات والبضائع الأمريكية متوفرة بنسبة عالية وهذه حالة خاصة برأي الكثيرين لأن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم هنا بنادق من نوع آخر لتسويق بضاعتها.
لم يكن المخرج الأمريكي دافيد جريفث الذي يعد أبا للسينما الأمريكية يدري ماذا سيحل بالمشهد السينمائي من بعده، فبعد فيلمه الدرامي الطويل مولد أمة والذي أبتكر فيه الحركة البانورامية الضخمة ويعد من أهم الأفلام العالمية وأخرجه بعد عشرين عاماً من نشأة السينما فقط وحاول من خلاله تأسيس مشهدية سينمائية ذات قيمة عالية شكلاً ومضموناً، ولم يكن المال هدفاً من أهدافه بل كان هاجسه الوحيد هو السينما، فعندما سيتوقف رأس المال الذي لا يتحدث لغة السينما من العبث بالمشهد السينمائي وينتهي مفهوم شباك التذاكر ستعود العلاقة الطبيعية بين السينما والجمهور كعلاقته بالفنون الأخري وسيتطور مفهوم النقد والناقد السينمائي الذي يصفه جان متري مؤلف قاموس السينما أنه يساهم في الحقيقة بالكتابات والمقالات لا في إفهام السينما للجمهور العريض فحسب بل في خلق وعي أعمق بها عند الذين يصنعونها أيضاً. مخرج فلسطيني