العبرة من انتخابات الجزائر

حجم الخط
0

محمد كريشان

إذا كان للانتخابات البرلمانية الأخيرة في الجزائر في السابع عشر من أيار (مايو) من فضل فهو بالتأكيد انتباه الجميع، بشكل درامي، لنسبة المشاركة الشعبية الضعيفة التي لم تتجاوز الــ 35%، فقد كانت الأدني علي الإطلاق منذ استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1962، حيث فضل 12 مليون ناخب البقاء في بيوتهم علي التوجه إلي صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، مما حدا بأغلب المعلقين إلي الاهتمام بهذه النقطة أكثر من اهتمامهم بمحافظة التحالف الرئاسي علي أغلبيته (تحالف حزب جبهة التحرير الوطني بزعامة رئيس الوزراء الحالي عبد العزيز بلخادم والتجمع الوطني الديمقراطي بزعامة سلفه أحمد أويحيي وحركة مجتمع السلم بزعامة أبو جرة سلطاني) أو دخول 22 حزبا سياسيا قبة البرلمان. هذا التميز الجماهيري بالغياب وصفه كثير من هؤلاء المعلقين الجزائريين المعارضين بـ الصفعة وبأنه صمت بمثابة الصرخة مؤكدين أن الشعب الذي قال من خلال العزوف عن التصويت كفي! أظهر بأنه تعب من استمرار خداعه طول الوقت بحيث تحولت مقاطعته صناديق الاقتراع إلي سلاح جديد، سلاح الغضب ضد الإدارة السيئة للبلاد والنظام الذي يغذيها بل إن جريدة المجاهد اليومية الناطقة بالفرنسية بلسان حزب جبهة التحرير نفسه لم تر بدا من الاعتراف بأن الإقبال الضعيف علي الانتخابات رسالة موجهة للفاعلين السياسيين للشروع في عملية إصلاح عميق ليس فقط لخطابهم السياسي وإنما أيضا لمسلكياتهم الإنسانية طالما اتضح للجميع الآن أن البلاد برمتها إنما هي في مأزق وفق تعبير الوطن الجزائرية. وإذا كانت السلطات الجزائرية استطاعت أن تخرج علي الناس بالنتائج التي كانوا يتوقعونها أصلا، دون أية مفاجآت، إلا أنها لم تفلح علي ما يبدو في أن تغطي هذا الغياب الجماهيري لأنه كان أوضح من أن يقع طمسه أو ترقيعه، لذا لم تجد مفرا من الإقرار به، بغض النظر عن مدي دقة نسبة المشاركة المقدمة، ففي السنوات الماضية أصبحت معرفة النسبة الحقيقية للمشاركة الشعبية في الانتخابات العربية أهم بكثير من نتائجها، بمعني أنه إذا كانت هذه النتائج غير قابلة لــــ العبث فليس أقل من الاهتمام أكثر بنسبة المشاركة لأنها باتت المعيار الحقيقي للوقوف علي مدي حماسة الناس الواقعية لمواعيد انتخابية فقدت كل المعاني المرتبطة بداهة بقدرة المواطن علي التغيير السلمي لواقعه من خلال الإدلاء بصوته في كل المواعيد الانتخابية سواء كانت محلية أو تشريعية أو رئاسية. استفتاء مصر الأخير علي التعديلات الدستورية في آذار (مارس) الماضي شهد مشاركة شعبية ضعيفة لم تتجاوز العشرة بالمئة حسب المعارضة 27% (حسب السلطات)، وكذلك الانتخابات البرلمانية الأخيرة في سورية نهاية الشهر الماضي حيث تراها المعارضة في حدود العشرة بالمئة فيما تقدم السلطات رقم 56%، وهاهي انتخابات الجزائر لا تتجاوز ثلث من يحق لهم التصويت وقد تكون أقل من ذلك حسب أوساط معارضة، علي عكس ما عرفته انتخابات الرئاسة الموريتانية في آذار (مارس) الماضي حيث شهدت الدورة الأولي نسبة مشاركة تقدر بـ 70% والدورة الثانية 67% ذلك أن الناس تبقي مستعدة، رغم مرارات الماضي، لكسر سلبيتها عندما تشعر حقا بأن لمشاركتها معني واضحا وبأن الرهانات السياسية والتنموية في البلاد حقيقية فعلا وليست مفتعلة وبأن شبح التزوير بعيد فليس أخطر في النهاية من أن يستقر في الوعي الجمعي لشعوبنا أن لا مصداقية للانتخابات وأن لا قيمة للأوراق التي يضعها الناس في الصناديق لأن ذلك ببساطة يوفر الأرضية الخصبة والملائمة لأي فكر انقلابي عنيف لا يؤمن بالتغيير الديمقراطي وليس مستعدا بدوره لأي تداول سلمي علي السلطة إن ظفر يوما أصحابه بالحكم. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية