توفيق رباحي
في لحظة ما، تمنيت لو نمنا واستيقظنا فكانت سنة 2012. السنة التي تنتهي فيها ولاية البرلمان الجزائري المنتحب الخميس الماضي، ونكون قد وفرنا علي الجزائريين جهدا ووقتا واموالا من الخزينة العامة. والاهم ارحناهم من الاوهام.
لديّ اكثر من سبب يدفعني الي هذا التشاؤم. هي نفس الاسباب التي جعلتني اعزف، مثل اكثر من 12 مليون جزائري، عن التصويت في الانتخابات النيابية التي جرت الخميس. من هذه الاسباب ان الانتخابات هذه كانت خطوة اخري نحو الحيط. ومنها ان الذين اداروا العرس الانتخابي يوم الخميس هم من سماهم رئيس الحكومة الاسبق مولود حمروش، المنتفعين، اي الذين لهم علاقة مباشرة بالمرشحين كأحزاب واجهزة وافراد. لحسن الحظ (ربما) ان كان بين هؤلاء نحو مليون شخص عبّروا عن موقفهم بورقة ملغاة، اي تصويت ابيض، رسالته: ننتخب نعم، لكن لا نمنح صوتنا لاي كان. مليون شخص هو سدس المصوّتين، وهي كمية من الاصوات لم تحصل عليها احزاب دخلت الي البرلمان. واذا خصمنا هذا المليون من ستة ملايين ناخب ادلوا باصواتهم، وخصمنا مليوني صوت تبعثروا علي 900 قائمة وعلي غير المنتمين حزبيا، ستكون النتيجة ازيد قليلا من ثلاثة ملايين ناخب، اي عدد سكان العاصمة، من مجموع 33 مليون نسمة. بلغة ابسط، مثل عرس في قرية يحضره 150 او 200 مدعو هم اصحاب واصهار واقارب اصحاب العرس، اما سكان القرية الباقون فلا شأن لهم به. لا يحق بعد هذا ان يدّعي اي حزب، بما في ذلك الفائز الاول، جبهة التحرير الوطني، انه يحظي بثقة الجزائريين. كما ان ما حصلت عليه جبهة التحرير من أصوات لا يبدو ثمرة تصويت سياسي او ايديولوجي بقدر ما هو تفاعل مع جهاز بيروقراطي منتشر في كل مكان منذ استقلال البلاد. سياسيا، ضيّعت الجزائر فرصة اخري، اذ لا شيء يُرجي من البرلمان الجديد ـ مثل القديم ـ اللهم تكريس الامر الواقع الممتد منذ 1992، وشوطه الثاني الممتد منذ 1999. ليست المشكلة في البرلمان وحده، بل في مسرح سياسي كله مغشوش لا احد يلعب فيه دوره بأمانة. وحصر قلة المشاركة بالانتخابات في ضعف الاحزاب الضعيفة وقوة الاحزاب القوية، كما تفعل السلطة، هو تغليط يسعي اصحابه لتبرئة نظام الحكم المسؤول الاول عن هذا الوضع. اعتقد ان انتخابات الخميس ستُخفظ في ذاكرة الجزائريين كأسوأ واهزل انتخابات نيابية. ليس فقط من حيث نسبة المشاركة الهزيلة، لكن من حيث انها أبقت علي القديم الرديء لكي يصبح اكثر رداءة.
من افدح عيوبها انها جرت بدون جرأة، بدون شجاعة سياسية وبدون رغبة جادة في التغيير كأنما اخفت صفقة في ادامة الانسداد السياسي الذي ابتُليت به الجزائر منذ 15 عاما.
اخطر من ذلك انها جرت في سياق غريب لا وجود له الا في الجزائر، جعل ان التصويت والمقاطعة فعلان متساويان ومتشابهان. لا الاول يحدث التغيير، ولا الثاني يؤثر سياسيا في الآلة الجهنمية التي مسحت كل شيء. هذا اخطر ما يمكن ان يصيب اي بلد.
لم تكن هناك حاجة لتزوير النتائج لان كل العملية تمت داخل الاطار الذي رسمته السلطة الفعلية. اكثر التزوير خطورة كان سيحرم هذا الحزب من كذا مقعد او يزيد ذاك الحزب كذا مقعد. كل هذا داخل البرواز الجاهز المفروض علي الجميع. وكل الاحزاب، المستفيدة من التزوير والمتضررة منه، اذا ما وقع، لا تمتلك ادوات التغيير والقدرة عليه.
تحتاج الجزائر الي التأسيس لجمهورية جديدة (الثالثة؟). يتطلب هذا عملا طويل النفس يحتاج وقتا، لكن يجب البدء فيه متي ما امكن. لكن قبل ذلك هناك جراحة عاجلة يجب اجراؤها فورا لوقف انتشار الوباء، لاخراج البلد من السراب وانقاذ ما تبقي فيها من حياء عام:
ـ يجب ان يمتلك الائتلاف الرئاسي، المكون من جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي وحركة مجتمع السلم، شجاعة حل نفسه. لقد نشأ هذا التحالف ليكون درعا في وجه من (وما) من شأنه عرقلة عمل الرئيس بوتفليقة. يجب الاقرار بأنه نجح في هذه المهمة فحوّل العمل السياسي بالبلاد الي نوع من البلادة. احد قياديي حركة الاصلاح، وفي لحظة غضب بسبب الانتكاسة الانتخابية (سقوط من 43 مقعدا الي ثلاثة)، وصف الائتلاف في برنامج بالتلفزيون الجزائري سهرة الجمعة الماضية، بأنه رولو (آلة) تدهس كل من يقف في طريقها.
شاء الثلاثي احمد اويحيي، عبد العزيز بلخادم، ابو جرة سلطاني ام ابي، بقصد او دونه، لا هدف لـ الائتلاف اليوم سوي عرقلة نمو اية بذرة لمعارضة صادقة وجادة، وخنق القليل الموجود. الكلام الاخر عن تطبيق برنامج رئيس الدولة مجرد ثرثرة سياسية لتبرير الامر الواقع. لا اعرف هل سأل احد يوما هل بوتفليقة هو الذي طلب انشاء هذا التحالف، وما رأيه فيه اليوم، وهل يحتاج له حقا؟ ـ انسجاما مع هذا المطلب، علي الرئيس بوتفليقة والمحيطين به ان يفكروا بجد في تخفيف القبضة الرئاسية علي العمل العام. من الخطأ ان تُختزل حركية بلد كامل في شخص واحد مهما قيل عن حنكته وتجربته وصرامته. الدول تديرها مؤسسات، ومنها البرلمان، وبوتفليقة احد الذين همّشوا البرلمان واعضاءه.
اذا كانوا يعتقدون ان مَن يراهم الناس في التلفزيون اكثر سيحبونهم اكثر، فهم حتما لا يعرفون الشعب الجزائري معرفة جيدا. ـ فات الوقت بالنسبة للبرلمان الجديد، لهذا ستحفظ الجزائر للنواب الجدد جميلا كبيرا لو ان بعضهم سعوا ـ مجرد سعي ـ من اجل تخفيف تبعية البرلمان الي الهيئات التنفيذية. قد لا يثمر سعيهم فورا او في الولاية الحالية، فليكن الهدف بعيد المدي. سيكون الجزائريون لهم من الشاكرين لو افلحوا في العودة الي مستوي عمل اخر برلماني في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد (1987 ـ 1992). لا اعتقد ان هذا مستحيل وفي نفس الوقت كثير علي الجزائر. ـ لا شيء مطلوبا من الاحزاب الصغري سوي ان تتوقف عن بيع الاوهام هي الاخري. فاذا كان ثلاثي الائتلاف تاجر جملة، فالاحزاب الصغري تجار تفصيل تتشابه مسؤوليتها (مع الائتلاف ) اخلاقيا وتختلف حجما.
ـ السلطة، بمكوناتها المعقدة (ادارة، مخابرات، جماعات مال وضغط ومصالح، هؤلاء الذين قال عنهم بشير بومعزة ان عددهم 6 الاف مستفيد) مدعوة هي الاخري الي الرأفة بهذا البلد والشعب. فمثلما ضبطت ايقاع المسرح السياسي علي هذه الرداءة، يمكنها ان تعيد ضبطه علي ايقاع اقل سوءا.
ما لم تسارع الجزائر الي جراحة عاجلة وضرورية، فنسبة الـ35% (اذا كانت حقيقية وغير منفوخة) التي اذهلت قطاعا واسعا من الجزائريين ستنزل في 2012 الي 15% او اقل.
ستكون الجزائر محظوظة برؤية اولي الثمرات بعد خمس او عشر سنوات، علي افتراض ان هذه الجراحة اُجريت اليوم او غدا. وفي غياب قوة منظمة بامكانها قيادة تغيير سلمي، كل يوم ضائع هو فسحة لفرص التغيير بالفوضي وخطوة اخري تقطعها البلاد نحو ان تخبط في الحيط.9