جرائم التلفزة بحق الشعور القومي وصراحة ناكوزي التي تتملق المسؤولين!

حجم الخط
0

محمد منصور

لو أراد القضاء السوري أن يجد مجالا مقنعا، لتطبيق اتهاماته التي حكم بموجبها علي ميشيل كيلو وأنور البني وكمال اللبواني وسواهم من نشطاء الرأي في سورية بعقوبات سجن تتراوح بين ثلاثة واثني عشر عاما… هذه الاتهامات التي تدعي علي هؤلاء بجرم (اضعاف الشعور القومي) و (وهن نفسية الأمة) و(نشر أخبار كاذبة)… فان هذا القضاء، لن يجد أفضل من القنوات الفضائية العربية لتوجيه مثل هذه الاتهامات… في هذه الحال فقط سيصدق الناس تلك الاتهامات عوضا عن أن يسخروا منها… وستعترف المنظمات المحلية قبل الاقليمية والدولية بنزاهة القضاء السوري، ودقة قضاته في توجيه الاتهامات التي تعكس جوهر وروح القانون الحقيقي، الذي يراعي مصلحة الناس ويصون الأمة، عوضاً عن حملة الادانة والتشكيك التي واجهها حين أصدر أحكامه علي ميشيل كيلو وأنور البني وكمال اللبواني ورفاقهم!

فكل ما تبثه هذه القنوات من أخبار العراق وفلسطين ولبنان، وما تعرضه في نشرات أخبارها من صور ولقطات وتقارير حية أو مسجلة… ومن نقل مباشر من مواقع الأحداث الساخنة كما تجري علي هذه الأرض العربية الدامية، يدخل في باب (وهن نفسية الأمة) لا أكثر ولا أقل… اذ لا يمكن لأي عاقل، يحمل أدني ذرة من ذرات الشعور العربي أو الانساني السليم، أن ينتعش نفسياً مثلا لمرأي مشاهد الدمار التي تخلفها السيارات المفخخة في بغداد مثلا، أو لرؤية آثار الاقتتال الدامي بين الأخوة الأعداء في غزة، فيما العدو الاسرائيلي فوق رؤوسهم، أو لرؤية ما يحدث في مخيم (نهر البارد) في شمال لبنان، وكيف أضحي اللاجئون الفلسطينيون العزل في هذا المخيم، بين خيارين أحلاهما مر: الموت برصاص الجيش الشرعي اللبناني، أو الموت في سبيل أهداف مرتزقة ما يسمي (فتح الاسلام)؟!

والحال أن القضاء السوري الذي عودنا الاهتمام بالسوريين أفراداً وجماعات وهيئات، يجب أن يوجه هذا الاتهام الي التلفزيون السوري أولا، لأنه ينقل مثل باقي الفضائيات كل هذه الأحداث واللقطات والصور التي توهن نفسية كل فرد ينتمي الي هذه الأمة بالنسب أو الرضاعة أو المصاهرة… واذا حدث وحوكم التلفزيون السوري بهذه التهمة وحكم عليه بايقاف البث لمدة خمس أو ثلاث سنوات مثلا… فسيكون حكم القضاء السوري عندها، هو كما الكي بالنسبة لهذا التلفزيون العريق الذي ينطبق عليه قول الشاعر في السنوات الأخيرة: أعيا الطبيب المداويا! وبالمقياس نفسه كل ما تبثه القنوات الفضائية من برامج حوارية ومشاحنات تلفزيونية، وندوات سياسية وغير سياسية، يحضرها مختصون أو غير مختصين، ويشارك فيها كومبارس من جماهير الشعب العربي الأبي، أو لا يشاركون، يسهم في (اضعاف الشعور القومي) لأنه يكشف في الواقع أن خلف شعارات الأمة الواحدة والرسالة الخالدة، هناك أمراض ونزعات طائفية مستعصية، لا تري في هذا الشعار، سوي واجهة لا تعبر عن الواقع الحقيقي وما يحفل به من ممارسات تنخر في عظم هذا الشعور… ممارسات لا يعلو فيها الطائفي علي القومي فحسب… وانما علي الوطني أيضا.. كما نري في العراق ولبنان، حيث لا يعرف المواطن… هل هذه الحكومات هي للجميع أم للطائفة التي تنتمي اليها؟!

وحتي برامج المنوعات الغنائية من (سوبر ستار) الي (ستار أكاديمي) وأمثالهما، لن تسلم بحق وحقيق من تهمة اضعاف الشعور القومي اذا أردنا الجد… فكل المنافسات الفنية فيها، تقوم علي مبدأ قطري واقليمي… وكل عمليات التصويت التي يتعصب فيها المصوتون لأبناء بلدهم، تضرب بعرض الحائط الشعور القومي وتضعفه، فيغدو السوري في مواجهة الأردني واللبناني في مواجهة السعودي.. وقد سبق لاحدي شركات الموبايل النافذة في سورية، أن أطلقت حملة اعلانية ضخمة قبل سنوات، شارك فيها التلفزيون السوري أيضا، لدعم المشتركة السورية في برنامج سوبر ستار ـ 1 (رويدة عطية) في وجه منافستها الأردنية… ودعت السوريين للتصويت لابنة بلدهم، وهو أمر يندرج ضمن قيم اذكاء الشعور الاقليمي والقطري واضعاف الشعور القومي! أما تهمة (نشر الأخبار الكاذبة) فيجب أن توجه الي القنوات التلفزيونية الرسمية تحديدا وقبل الجميع… فهذه القنوات التي احترفت علي مر سنوات طوال من تاريخها الاعلامي والاعلاني: الكذب والتزوير وتجميل الصورة، والقول دائما بأن كل ما في وطن: الزعيم الأوحد، والمهيب الركن، والأب القائد، والأخ القائد… (نعم أوطانهم المسجلة باسمهم) ليس سوي رخاء ونماء وتطوير وتحديث، وعدالة ومساواة وتكافؤ فرص، ونسب ضئيلة جدا من البطالة لدرجة أنها لا تستحق الذكر، ونسب أقل لبعض الخروقات أو القيود الاضطرارية البسيطة المفروضة علي حرية الرأي والتعبير… والتي لا نجد مثالاً لنعمها في أرقي دول العالم المتحضر… هي أبلغ صورة لنشر الكذب.

أو ليس هذا كل ما تقوله القنوات التلفزيونية الرسمية عن بلدانها، وما كان يسمعه المواطن العربي من أفواه مذيعيها وضيوفها والعاملين في استوديوهاتها ليل نهار؟! أو ليست هذه الصورة الزاهية المغلفة بسيلوفان شفاف مصنوع من سيللوز الاستبداد والسلب والنهب هو المثال الحقيقي الذي لا يختلف عليه اثنان من العرب حول مفهوم (الأخبار الكاذبة؟)فلماذا يتم التغاضي عن كل هذا الجرائم التي تتجلي في مرآة القنوات التلفزيونية العربية، حقيقة ومجازاً، بحسن نية تارة، وبسوء نية تارة أخري، بقصد ومن دون قصد… ثم يجرّم بها مجموعة من نشطاء الرأي، والمدافعين عن حقوق الانسان، وعن حق المواطن السوري بالحرية والكرامة؟!

القنوات الفضائية لا ميشيل كيلو ولا أنور البني أو كمال اللبواني أو محمود عيسي هي من توهن نفسية الأمة، وتضعف الشعور القومي، وتنشر الأخبار الكاذبة… ورغم ذلك فأنا لا ألومها: لأنها في التهمتين الأولي والثانية، تعكس حقيقة ما يجري علي أرض الواقع، وما يعصف بنا من أزمات وانهيارات لا أكثر ولا أقل… أما في التهمة الثالثة: فالكذب هو ملح الاعلام الرسمي العربي بلا منازع وبلا استثناء! اما ميشيل كيلو وأنور البني ورفاقهما… فقد افتقدنا حضورهم الحار والجريء علي شاشات القنوات الفضائية العربية، حيث يغيب الحضور الحقيقي للحوار حول الوجع السوري بصدق، وتعلو نبرة المداورة والمناورة والنفاق!

المصير العربي المشترك جداً! رغم كل ما سقته من اتهامات بحق الفضائيات العربية آنفا، فانها والحق يقال… تمثل عامل وحدة لما كان يطلق عليه في مادة التربية القومية في مدارسنا (المصير العربي المشترك) فمن يتابع مثلا تغطية هذه القنوات للانتخابات الجزائرية أخيرا، يكتشف أن ما قيل ويقال عن هذه الانتخابات من ضعف نسبة المشاركة، وحدوث عمليات تزوير، وخروقات فاضحة… وما الي ذلك… سبق له أن سمعه بحق الانتخابات المصرية والتونسية واليمنية وسيسمعه بحق كثير من العمليات الانتخابية العربية، التي كان استثناؤها الشاذ في الفترة الأخيرة (الانتخابات الموريتانية) التي شذت عن قاعدة هذا المصير العربي المشترك!

تؤكد لنا الفضائيات العربية مع كل تغطية لعملية انتخابية عربية… أن المواطن العربي وصل الي مرحلة من القرف جعلته يضرب طواعية من دون أن تطلب منه قوي المعارضة الاضراب… وأننا متحدون فعلا في الهم ومشتركون في المصير الأسود… لكن هذه المرة خارج الشعارات المدرسية التي كنا نجهد في حفظها نظريا ونحن علي مقاعد الدراسة… لأننا لم نكن نفهم أين وفي أي بقعة ُتطبق؟!

افتعال رحابة الصدر برنامج الحوارات السياسي الجديد الذي بدأت قناة (العربية) ببثه منذ أسابيع والذي يحمل عنوان (بصراحة) مع الاعلامي اللبناني (ايلي ناكوزي) يتقاطع ويتضارب مع برنامج جيزيل خوري (بالعربي) علي القناة نفسها. وصراحة ايلي ناكوزي في ادارة حواره، مهذبة جداً، حتي أنها أحيانا لا تمت للصراحة بصلة!

قد يقول قائل: (الصراحة غير الوقاحة) لكن الصراحة مع المسؤولين والزعماء العرب لا تكون كذلك ان لم تقترب من الحقيقة بجرأة، وتصر عليها بالحاح، وتحاول اقتحامها بوقاحة!

وايلي ناكوزي الذي ظهر في حوارات مع قمم سياسية عربية (بالمعني المتصل بالمنصب والمسؤولية السياسية ربما) لا يفتأ يشكر هؤلاء أثناء حواراته معهم علي اتاحة الفرصة له رغم كثرة مشاغلهم… وهاهنا تصبح (الصراحة) بعد ذلك في افتعال رحابة صدر المجيب، أكثر مما هي في قوة صياغة السؤال ودقة تصويب السائل!

كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية