حمدان حمدان
ليلة امس بتاريخ 16 ايار (مايو) 2007 اطل علينا من خلال قناة الجزيرة مباشرة الشيخ محمد عياشي الكبيسي وهو الناطق باسم منظمة سياسية دينية في طور التأسيس وهي هيئة علماء العراق.
ولما كنا من الغرباء.. خارج العراق، فقد اعتقدنا للوهلة الاولي، ان الشيخ الكبيسي انما يمثل هيئة علماء المسلمين، بشخص رئيسها الشيخ حارث الضاري، وما كان لنا ان نستبين الموقف، الا في اشكالية التسمية بين هيئة علماء العراق وهيئة علماء المسلمين، ثم ما لبث ان تأكدنا ان واقعة الخروج (الانفصال او الاستقلال او الانشقاق) علي تفاوتات الاوصاف، كانت قد حدثت.
ومهما تصاعدت بلاغة التعالي في الاوصاف والكنايات والتعابير.. فان السببية غير مقنعــــة وان ناتج هــــذه الاوصاف هو كلمة واحدة: التفكيك.
ان الشيخ الكبيسي وهو من مستنبت تربوي مهذب، يجيد ادب الحوار الممزوج بعقلانية ظاهرية في منطقها ومتسلسلة في حجتها بحيث تبدو قابلة لتحقيق اقناعها.. ولكن لزمن غير زمن وقوع العراق تحت وطأة احتلال غاشم. اذ مهما قيل في تمجيد المقــــاومة والمقاومين، فان ذلك لا يمنح البراءة عن فعل انشقاق داخل الصف المتحد في منــــاهضة الاحــتلال.
يقول الشيخ الكبيسي في معرض رده علي المنددين بخطوة الانقسام ان الشعب العراقي (اعتاد اللون الواحد) و(الحزب الواحد) و(القائد الواحد) ويتابع (فيما العالم يعيش اليوم عصر التعددية والتميز) وان (الله تعالي خلق العالم أمما شتي). ولا جناح في صحة هذا القول علي اطلاقه.. ولكن ليس في مرحلة الاحتلال بذاتها، فما يحدث في هذه الحالة، اقتراب وليس تباعدا، وانضمام وليس تشرذما، وقوة متحدة وليس قوي متناثرة، وفي هذه المرحلة تقتضي الدقة في الموقف، مثل زاوية دخول الصاروخ في الغلاف الجوي وهو عائد الي الارض، من حيث ان اليوم قد يكون مبكرا الا ان غدا متأخر جدا. فلا مكان لاخطاء من هذا النوع، لان فيها اشاعة تقسيمات وتشطيرات في جسم المقاومة، أمل العراق والامة.
فبرنامج المقاومة من اجل التحرير، يتطلب تضامنا لا انقساما، وتماسكا لا انفراطا باسم التعددية واتحادا عضويا لا يقبل تشطير الصف لاي سبب كان.
في مراحل الحروب التحررية من جيش غزاة، فان هذه المراحل شديدة الخصوصية في قبولها واتساعها لمروحة كاملة من تباين آراء واجتهادات وافكار وايديولوجيات لذلك سميت عن حق، بمرحلة التحالفات الوطنية الواسعة، حيث لا يجوز التساهل في استبعاد فريق او اجراء المكيدة في التخلص من فصيل.. طالمـــا ان الجميـــع يجتمع علي هدف واحد ومصيري.
في حرب التحرير الصينية ضد الاستعمار الياباني، كان قائد الثورة ماو تسي تونغ يقول بصريح الثقة والاعتراف: كنا نتعامل حتي مع مخابرات عالمية، عدا المخابرات التي تعمل لصالح الاستعمار الياباني.. كنا نعرف لاية مؤسسات استخبارية عالمية يتبعون.. وكنا اذا اعدمنا خائنا في صفوفنا، نعلن انه سقط شهيدا في معركة البطولة والشرف.. ذلك اننا لا نريد التخفيض من معنويات شعبنا.. بحر السمك الذي يغمر مقاومتنا بتأييده وتعاطفه.
واذا كنا نحن العرب لا نريد ان نتعظ بتجارب الشعوب، فلنا في صدر الاسلام اسوة حسنة، اذ قبل خروج الاسلام للفتح، آخي الرسول (ص) بين المهاجرين والانصار ثم في التوجه نحو مكة، فقد كان ثمة خلائط كتائب من انصار ومهاجرين لا يميز المسلم بينها، وفي الفتوحات الخارجية، كانت اعلام القبائل والبطون والافخاذ تنزل ليعلو فوقها علم واحد هو علم الله اكبر وما كان ذلك ليكون واقعا علي الارض بقوة الافتداء لولا مدرسة الاسلام القائلة بوحدة الامة المسلحة لا تنابذ بينها.
لا سنن جديدة نبتدعها في مدرسة المقاومة التاريخية ومن المشين حقا، ان الاقتتال الضاري الذي ينشب اليوم بين حماس وفتح في غزة، ينعكس في تلويث قضية شعب، وتسويد صفحات تاريخ ناصع، والمشكلة ان الاقتتال لا يدور علي ما يزعم، حيث الحقيقة الاحادية وراءه، تكمن في (الملك العضوض) وليس شيئا آخر، اما المشكلة الاضافية، فانه لا يوجد، لا لفتح ولا لحماس، ملك (عضوض) يقتتلون عليه، ففلسطين من البحر الي النهر، وفوقها القدس الشريف محتلة بتمامها ومستعمرة بأصقاعها.. فيما يجري مع الاحتراب الفلسطيني المخزي، ضم القدس وتهويدها عن آخرها. ففي معركة الفتنة هذه، ما يغيب عن جادة الحقيقة والتأويل، اذ من النادر ان تجد مسؤولا صادقا في فتح وحماس، يقول لنا ما هي الحقيقة ولماذا يقتتل الفلسطينيون علي جلد الدب قبل اصطياده، علي ان الانتفاضات الفلسطينية كانت تعمل علي تقريب الدب من الاصطياد اما في الانتفاضات الاحترابية، فان الدب اصبح بعيد المنال.
اننا هنا، لا نريد صب المزيد من الزيت علي النار، من حيث ان جلد النفس لا يحق هدفا قدر ما هي بكائيات كربلائية لا ترد شهيدا ولا تسعف مظلوما. فما حدث قد حدث، والتراجع فضيلة، اذ ليس في باب العقل او المنطق ولا الاخلاق.. ان يتابع الاحتراب سيرته الخبيثة، فهو يدمر القضية الوطنية بخسارة جماعية لا ينجو منها احد، وهو يعمل في برنامج العدو لا في برنامج الصديق. ومن هنا يحق لنا القول بثقة تأكيدية، بأن في صدع الداخل عوامل خارجية مقــــروءة ومعروفة ومكررة.. ومن المعيب حقا، ان مقاومة وطنية فلسطينية او عراقية، يمكنها الاستجابة لما ينسجه الخارج ويعمل علي اذكائه.. اننا نراهن، ان واشنطن ومعها تل ابيب في حالة طرب لما يقع داخل اوساط المقاومة من اختلاف واقتتال ترقص واشنطن علي انغام تعزف مع ايقاع خلاف امرأي (التعددي) في الصف المنـــاهض للاحتلال في العراق.. وترقص تل ابيب علي ايقاع التذابح بين الفلســطينيين علي (لا شيء).. فهذه المرحلة كان اسمها في فيتــنام (الفتنمة) وفي الجزائر (الجزأرة). وهي تسميات لمضمون واحد، يجد ملخصه في القاعدة الانكليزية القديمة (فرق تسد) فهل في عصرنا من لا يرعوي ويتعظ؟!
وليس من اليسير علي مواطن عربي، ان يضع ما يجري علي قائمة الخطأ لا الخطايا، فقد وصل الغضب لمواطن فـــي غزة، ان يطـــالب برحيل الفريقين المتذابحين (علي السلطة) عن سدة القيادة فيما يطالب آخرون باغلاق مرحلة بكاملها، ربما بانتظار فريق وطني ثالث لم يأذن بالولادة بعد.
فالي ان تحين مرحلة ولادة جديدة، فان الزمن سيمتد الي اجيال، ومعني ذلك ان الافعال التي ترتكبها حماس وفتح ـ مهما كانت دواعيها السببية ـ انما تعيد الكفاح الوطني الفلسطيني الي المربع صفر، وهي طامة كبري علي خطة نكوص التاريخ، ففتح لم تولد اليوم، كي تحتل هذا الموقع، وكذلك هي حماس، ففي المسيرة التاريخية لنضالات التأسيس والتحضير والاعداد.. ثم الانتقال الي الخطوات الكفاحية علي الارض، ما يستهلك ربع قرن او اكثر.. وهذه هي نتيجة مأساوية واحدة من جملة نتائج.. اما النتائج الاشمل، فترخي بظلالها السوداء، علي رأس المحيط الفلسطيني في الشتات، ولمزيد من الصراحة فان الفلســــطيني في الشتات، بات يخبيء رأسه، سواء في وطن العرب، او الاوطان الغريبة الاخري.. جزاء شنار ما يحدث في غزة، فاذا امتد الامر علي هذه الشــــاكلة، فان الحرب الاهلية سيمتد طريقها الي الضفة الغربية، وفي جملة الاثــــار المدمرة، ما يترك خرابا شاملا علي صعيد الامة بكاملها، فقد خطفت اضواء الاقتتال الفلسطيني، بقعة التركيز علي بطولات مقاومة عراقية تذيق المحتلين كأس العذاب.
وبمناسبة العراق ايضا، فان ارهاصات اخري تسري في عروق النزق الانقسامي، او في طلبات تشطيرية تقابلها غنائم موعودة! فانت تري في نحت فروق وصدوع ما يكاد يسد الافق، بين اسلامية وقومية، وقاعدية ووطنية وقومية وقومية.. وهي ما تعبد الطريق للوصول الي المشهد الغزاوي.
غير ان الاستثناء العراقي المأمول، يكمن في لحظـة الاحساس بالمصير، ففي العراق لا توجد (سلطة) يتم الاقتتال بسببها، وفي العراق قيادات مقاومة وطنية مسؤولة، تناشد الشيخ بن لادن ان ينهي عن الدافع المذهبي في معركة التحرير، وفي المحصلة فان ثمة فسطاطين معروفين في المعركة العراقية، احدهما لصالح احتلال خارجي مزدوج، وثانيهما مع المقاومة ودحر الاحتلال. اما الاقتتال البيني في صف المقاومة الواحد، فتصده عقول صاحية وقلوب عامرة بقداسة القضية العليا، التي لا يجوز ان تنشرخ لاي سبب كان.
انه ليس من قبـــيل الوعظ في الخطاب، بل هو الحكمة والمحاكمة في المنطق والعقل ودروس التاريخ، فاهــــدار الدم الوطني لا شأن له بالعقل، ولا حتي الثابت في المباديء، ذلك انه اقصر الطــرق لايصال العدو الي هدفه.
ہ كاتب من فلسطين يقيم في سورية8