د. محمد عجلاني
علي عكس عدد كبير من الزعماء الفرنسيين السابقين، لم يكن لساركوزي علاقات طويلة وعميقة مع الاشخاص العرب، ولم يكن لساركوزي ايضا اي انجذاب نحو بلدان هذه المنطقة، والرجل براغماتي متزوج للبراغماتيكية الامريكية، يري المصلحة والمصلحة فقط في علاقات فرنسا المستقبلية مع دول العالم، لذلك ستكون سياسة ساركوزي القادمة ولنبدأها بالعالم العربي مرتكزة علي المحاور التالية:1 ـ لن تكون لساركوزي سياسة شاملة ولن يعامل العالم العربي ككتلة واحدة.2 ـ سيهتم كثيرا بمنطقة المغرب العربي وسيعرض علي الجزائر شراكة اقتصادية بين شركتي سوناطراك الجزائرية وشركة الغاز الفرنسية، ولن يقدم اي اعتذار للحكومة الجزائرية عما اقترفته فرنسا اثناء فترة استعمارها للجزائر، لأنه وصل الي الرئاسة بفضل اصوات جماعة الأرجل السوداء أي المستوطنين السابقين الفرنسيين في الجزائر.3 ـ سيحافظ علي العلاقات التقليدية مع المغرب ولكن بدون أي نوع من المحاباة او التقليد العاطفي لشيراك في علاقاته مع ملوك المغرب، سينظر ساركوزي الي مصلحة بلاده فقط في حال حدوث أي خلاف جزائري ـ مغربي مستقبلي بشأن الصحراء.4 ـ ستتدهور علاقة فرنسا مع ليبيا بسبب قضية الممرضات البلغاريات المحتجزات في ليبيا بسبب حقنهن للاطفال الليبيين بفيروس الايدز، خاصة ان ساركوزي اخذ تعهدا علي نفسه وامام عائلات الممرضات بأنه سيذهب حتي الي طرابلس من اجل اطلاق سراحهن.5 ـ اما فيما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، فانه سيحافظ علي علاقات الصداقة التي تربط باريس بالقاهرة، وخاصة ان الرئيس حسني مبارك كان اول من استقبله وهو رئيس معارضة، وكذلك كان من اول المهنئين له عند فوزه برئاسة الجمهورية.6 ـ سيحافظ علي علاقات فرنسا التقليدية مع السعودية وهي لا تستطيع ان تتخلي عن ذلك، ولكنه سيكون اكثر انتقادا من شيراك لبعض الممارسات السعودية.7 ـ سيبقي علي علاقات فرنسا التقليدية مع لبنان، بدون ان يشخصها او يجعلها علي مستوي شخصي، وسينحاز الي الموقف الامريكي في قضية المحكمة الدولية بشأن قضية اغتيال الحريري.8 ـ ستزداد العلاقة عمقا وحيوية وديناميكية مع اسرائيل، وسيتم احياء اللجان العلمية والتقنية، وسينظر ساركوزي الي القضية الفلسطينية من موقع توازن قوي وتنسيق مع دول الحلف الاطلسي وعلي رأسها الولايات المتحدة الامريكية الذي اعلن وخلال مرات عديدة بأنه لن يعاكس سياستها.
هذا من ناحية العالم العربي، اما من ناحية افريقيا، فستكون اول جولة لساركوزي خارج فرنسا الي دول القارة لانه سيحاول ان يقنع قادة هذه الدول وهيئاتها الشعبية والرسمية بعدم جدوي هجرة الافارقة الي فرنسا، وبأن التنمية الاقتصادية الحقيقية يجب ان تكون علي ارض هذه الدول.
اما فيما يتعلق بأوروبا:1 ـ ساركوزي سيلغي معاهدة الدستور الاوروبي، وسيطالب بالتصويت من طرف البرلمان علي معاهدة مبسطة لتدعيم عمل المؤسسات الاوروبية.2 ـ سيقف بشدة ضد انضمام تركـــــيا الي مجموعة دول الاتحاد الاوروبي، وسيتمـــــسك بمواقفه، ولكنه لن يكون هو المقرر الوحيد، بل هناك استــــفتاء سيصوت عليه الشعب الفرنسي بشأن انضــــمام تركيا لهذا الاتحاد.3 ـ لن يقف عنــــد مبدأ تفعـــيل المحور الالماني ـ الفرنسي، ولن يكتــــفي بذلك، بل سيبحث عن أســــــس وديناميكية جديدة لتفعيل محور العلاقة بين لندن وباريــــس وتنشيطها، وهو أقــــرب الي المفهوم البريطاني بشـــأن الاتحاد الاوروبي الذي تعتـــــبره لندن فضاء حرا للتبادل الاقتصادي والتجـــاري بين دول القارة.
أما فيما يتعلق بالعلاقة مع امريكا، فساركوزي هنا سيلغي مفهوما فرنسيا ولد منذ الجمهورية الخامسة بشأن التناقض القائم بين المصالح الفرنسية والامريكية، ستكون فرنسا حسب رأيه صديقة لأمريكا وحليفة لها ولكنها لن تكون خاضعة لها، او مؤتـــــمرة بأمرها، سيكون لفرنسا الحق في ان تبدي رأيها بهذه الصداقة علي شرط ان يكون هناك قبول لدور فرنسي يسدي النصح واحيانا الانتقاد لأمريكا، لكن ساركوزي لن يذهب ابدا الي حد التصادم مع امريكا، كما فعل ديغول وبعده شيراك.
في الختام يمكننا ان نستنتج الأمور التالية:1 ـ فرنسا في عهد ساركوزي ستتخلي عن سياستها العربية التقليدية السابقة، وساركوزي سيؤكد علي سياسة متوسطية كلية وشاملة يدخل ضمنها العالم العربي.2 ـ ساركوزي لن يتحدث عن قضايا وآلام العرب، وحقوق الشعب الفلسطيني المضطهدة، بل سيلاحق قضايا متخبطة بها الانظمة العربية، وسينظر الي سورية من خلال استجابتها للانصياع لشروط المحكمة الدولية، كذلك سينظر الي الخرطوم من نفس الزاوية، ومع ليبيا بشأن قضية الممرضات البلغاريات ومدي استعداد السلطات الليبية لاطلاق سراحهن.3 ـ اما فيما يتعلق بأفريقيا فسينظر الي علاقته مع مسؤولي دول القارة من زاوية منع الهجرة الافريقية الي الاراضي الفرنسية.4 ـ ستتدهور علاقة فرنسا التقليدية مع روسيا في البداية، لكنه سيستدرك الامر لأن هناك الغاز الروسي الذي تحتاجه فرنسا في صلب تلك العلاقات.5 ـ موقفه من ايــــران، سيكون هـــــو موقف الولايات المتحدة، التشدد في العــــقوبات بدون الموافــــقة علي ضربة امريكية، لكن اذا حصـــلت لن يمــــانع ولن يعارض.
علي جميع الاحوال، فرنسا التي نعرفها ستتغير، صورتها وتصرفاتها لن تكون ديغولية استقلالية، متمردة، وانما ستكون محافظة ليبرالية تسير بشكل اكثر هدوءا مع رياح الاطلسي علي حساب الرياح المتوسطية الدافئة.
ہ رئيس مركز دراسات الحياة السياسية في باريس8