القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من: محمود قرني: استقبل غاليري فندق سويس المطل علي ميدان طلعت حرب وسط القاهرة، معرضا فنيا واسعا شارك فيه تسعة عشر فنانا وفنانة من مختلف الأجيال في مصر تحت عنوان عين علي الغرب، وإلي جانب العدد الوفير من اللوحات والأعمال الفنية المعروضة تضمن المعرض المستمر حتي الثالث والعشرين من ايار (مايو) عروضا موسيقية ولقاءات مع الفنانين المشاركين علي أكثر من أمسية.
وقد شارك في المعرض بأعمالهم كل من: عادل السيوي، أحمد نصير، آمال قناوي، هاني راشد، حازم المستكاوي، حازم حسين، هبة فريدو، هشام الزيني، هدي لطفي، إسلام زاهر، خالد حافظ، لارا بلدي، محمد عبلة، محمد طمان، نادر صادق، نرمين الأنصاري، صباح نعيم، شادي النشوقاتي، وشريف العظمة.
وقال السيد كريم فرنسيس منظم المعرض عن المبررات التي دفعته لتنظيم المعرض تحت اسم عين علي الغرب، إن الحرب النفسية، عواقب الاستعمار، و11 ايلول (سبتمبر)، ومصر ما بعد السادات، وإعادة صياغة التاريخ، والهيمنة والهوية الثقافية، والدولة القومية والانتماء، وازدواجية المعايير، كلها موضوعات شكلت وتشكل المحور الرئيسي المثير لسؤال المعرض، وهو ما تمخض عنه النقاش الذي بدأ في نيسان (أبريل) 2006 بين مجموعة من الفنانين انتهوا إلي تقديم عدد من الأعمال حول موضوع الاستغراب وفي مخيلتهم السؤال الأساسي: كيف تري الغرب؟
ويضيف كريم فرنسيس أن هذه اللقاءات تمت بمشاركة فنانين يحملون خلفيات ثقافية واجتماعية متنوعة وخبرات تفاعل ثقافي مختلفة، وحدث تقارب بين بعضهم البعض وبين منظم المعرض، من أجل ضمان خروج هذا الحدث الفني علي أكمل وجه، علي أن يقوم علي أساس المساواة والندية بين الجميع، ويضيف فرنسيس أن المعرض في الإجمال يهدف إلي التعبير عن رؤي مصرية آنية حول هذا الموضوع وتواصل هذه الرؤي مع الجمهور، ومواجهة الأفكار النمطية والكليشيهات، وإثارة التساؤلات حول أوجه التعقيد والالتباس في العلاقات الاجتماعية، الثقافية بين الشرق والغرب، كأمم وثقافات في شكل فني متماسك، وقال فرنسيس أيضا ان المعرض سيجوب متاحف مدن عالمية بحلول عام 2008. قدمت للمعرض كل من الروائية المصرية المقيمة بلندن أهداف سويف، والدكتورة سامية محرز الأستاذة بالجامعة الأمريكية، حيث أشارت سويف إلي واقع الوجود الغربي الأمريكي في العالم العربي، وبدأت من ذلك الوجود الثقيل والكثيف قائلة: يجوب جنود المارينز الأمريكيون مرتدين الزي المدني فنادق الخمس نجوم بالقاهرة، يتفقدون الطرقات والردهات والحدائق.
ويجوب السواح الغربيون البلاد من الأقصر إلي البحر الأحمر ومن القاهرة إلي الواحات، تحرسهم الحكومة المصرية حراسة مسلحة، وفي الوقت ذاته يقف المواطنون المصريون طالبي تأشيرات الدخول صفوفا أمام سفارات دول غربية لا ترحب بهم، وتضيف أهداف سويف: في السنوات القليلة الماضية، رأينا عددا من سفارات الدول الأوروبية تحذو حذو السفارة الأمريكية، فتجدد هــــندسة مبانيها لتتخذ هيئة قلاع محصنة في أرض معادية، وصار علينا، نحن أهل البلاد، أن نصف سياراتنا بعيدا، ونبرز بطاقاتنا الشخصية، كي يسمح لنا بالمشي في بعض شوارع مدينتنا في الزمالك وغاردن سيتي. وتضيف سويف: كنا نظن أن موجة الاستعمار الأوروبي العاتية انحسرت في القرن العشرين، إلا أننا اليوم نشهد ارتدادها عبر المتوسط، وقد تأمركت وتعولمت، وتخصخصت، فانفجرت في العراق، ولا زلنا نسمع دوي انفجارها كل يوم في القاهرة، وفي الجيزة، في شرفة عمارة تطل علي كوبري الجامعة، نري الوكيل المحلي للمشروع الاستعماري الجديد والأثر والأكثر سوءا للغرب في حياتنا: العلم الإسرائيلي يتدلي فوق نيل مصر، ومع ذلك تذكر سويف وجوها أخري للتلاقي الإنساني بين الحياة في الغرب والحياة في مصر، وتقول: الفنون وثقافة الشارع يعبران أبلغ تعبير عن هذه النزعة الي المزج والتمازج وحسن النية، فعلي مدي مئة وخمسين عاما مضت تعامل المثقفون المصريون مع ثقافة الغرب وانشغلوا بها وأصروا علي حسن الظن بها وبأهلها، وعلي افتراض أرض مشتركة من القيم الإنسانية والأخلاقية والغرب مصر دوما علي السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية، إلا أن سويف اختتمت تقديمها بأن المعرض يمكنه أن يكون طريقا جديدا يدعم الحوار الذي نبحث عنه والذي ـ حسب وصفها ـ يدق إيقاعا معاكسا لطنين المدافع.
أما الدكتورة سامية محرز فقد أعادت طرح السؤال مجددا في كلمة تحت عنوان العيون المصرية حيث قالت: ما الذي يعنيه تجمع هذا العدد من الفنانين المصريين المعاصرين في معرض جماعي بعنوان الاستغراب؟ وهل تعتبر المبادرة رد فعل علي إرث الاستشراق الاستعماري الكولونيالي؟ وتجيب محرز بأن الهوية ليست قطرية ولا ثابتة، بل هي مصنوعة، سواء كانت فردية أو جماعية، شخصية أو قومية، وهي في حالة حركة دائمة، وتحدد سماتها في مقابلة، ومثل هذه التخيلات والصور التمثيلية للذات والهوية لا تحدث في فراغ، بل دائما تكيفها وتشكلها الظروف التاريخية والسياسية والايديولوجية، وتؤكد محرز علي أن الاستشراق ساهم في تكريس صورة وحشية للشرق، ووصمه بالبدائية والتخلف، وتنقل عن نقاد الثقافة الذين لم تحددهم أن الشرق نفسه استوعب خطاب الاستشراق وصوره عن الشرق واعاد انتاجهما، حتي وهو يسعي لمقاومتها والاحتجاج عليها، وبذلك قام بتعزيز ادعاءات الغرب عن اننا نختلف عنهم علي المستوي الوجودي، بل أضفي شرعية علي هذه الادعاءات. وتختتم محرز كلمتها بالتأكيد علي أن المعرض في الإجمال يسعي إلي تقويض وتفكيك هذه المفاهيم بمعني أنه يقبض علي فعل التمثيل ذاته ويفعل ذلك عن قصد ويشكك في الأنماط الثابتة للذات والآخر ويكشفها تحت العيون المصرية.
أما التشكيلي عادل السيوي فقدم ست لوحات بأحجام كبيرة بأسلوبه التصويري البارع الذي يمزج بين الموهبة والتميز وبين المرجعـــية المعرفية المؤسسة، فكانت الوجوه التي قدمها مزيجا من صورة السوبر مان، وتقنية الإحالة إلي ثورة العلم، ومع تطور مفهومه عن الغرب تصفو الصورة أكثر فيقدم عملا ينتمي لأسلوب عصر النهضة عبر صورة شفيفة لامرأة تبدو خارجة من القرون الوسطي بأرستقراطيتها الحالمة.
يقول عادل السيوي عن مشاركته: صور مبهرة ترسبت في ذاكرتي منذ الطفولة عن الغرب وإنسانه، بدءا بطرزان ولم أكن أفهم وقتها لماذا هو أبيض، وكيف ظل أبيضا طوال تلك السنين في الغابة، ولماذا يتكلم الانكليزية، وبعدها جاء سوبرمان وهرقل وفانتوماس وغيرهم، مع تقدم العمر اصطدمت ذاكرة الطفل بالذاكرة المصرية الجماعية، وتعرفت علي بعض الحقائق المؤلمة، التي أسقطت هالة البطولة، ولم يعد قلبي يخفق فرحا كلما قتل الكاوبوي هنديا شريرا.
وعن مشاركته في المعرض يقول السيوي: في هذا العام لا أستدعي ذاكرة سوداء، وانما أراجع إسهامات جماعية شاركت في خلق صور نمطية، وأعتقد أن هذه الصورة ليست فقط ثمرة تكاسل وسطحية جماعية، إنما ايضا محصلة إبداعية ووعي جماعي.
ويقول السيوي انه يحاول أن يستعيد قوة الاختصارات التي تؤكد ملامح شخصية بصرية بعينها، الصورة المعتمدة جماعيا، محصلة التماس بين عالمين: عالم غربي ينتج متواليات لا نهائية من الصور الملتبسة، وعالم شرقي مستريب دائما ما يحاول اختزال هذه المشاهد في أنماط تسهل له التعرف والتعامل وتؤكد له الاختلاف.
ويختتم السيوي كلمته بالقول إنه اختار تقديم هذه الاختزالات تحت عنوان شبه لاتيني، كما لو أن المسألة تتجاوز نظرتي كمصري، وكما لو أن ذاكرتي الخاصة تكتسب صلاحية موضوعية، وتصبح الصور المقدمة عينات أركيولوجية، أو حفائر جيولوجية، وكأنني أرسم نماذج تاريخية لمتحف مستقبلي يتم عرضها بجوار الإنسان المنتصب والإنسان الصانع والإنسان الطرف، وكأنها محاولة لاسترجاع صور اختزنتها سنوات الطفولة والمراهقة، ثم انصهرت بمشاهد اللحظة الراهنة، احتفل عبرها بالنموذج المبسط في محاولة لاكتشاف ذلك الجانب المضيء في عمليات التنميط البصري، انحيازا لإبداع التابع ولحكمة عميقة قديمة لا تخضع لإرهاب التحولات.
تضمن المعرض أكثر من مشاركة تنتمي لفن الفيديو آرت كما في العرض الباهر والفريد الذي قدمته الفنانة آمال قناوي، وكانت معظم المشاركات البارزة تنتمي لفن الفيديو الذي جاء مسيطرا علي أجواء المعرض، إلي جانب التصوير الزيتي وكذلك التصوير الضوئي والرسم بالأبيض والأسود.
وكان من المشاركات اللافتة ذلك العرض الذي تضمن عديدا من الوسائط المجهزة في الفراغ، والتي شارك فيها خالد النشوقاتي وأحمد بسيوني في فن الصوت الرقمي ومجدي بسيوني وحسام هدهد ويوسف راغب في الأداء للفيديو وفن رسوم الشرائط المسلسلة والفن التفاعلي الرقمي، وهي محاولة تجريبـــية لخـــلق بيئة فنية تفاعلية متغيرة بشكل يومي طوال فترة العرض، ومتعددة الوسائط من تسجيلات صوتية ومصورة بمادة الفيديو وأداءات حركية ومطبوعات من رسوم الشرائط مسلسلة وتفاعلات رقمية علي شبكات الانترنت.
ويضيف المشاركون أن هذه الوسائط تسهم في تحفيز الأفكار المفاهيــــمية الابتكارية الخلاقة حول مفهـوم عملية التفاعل، وخصائص هذه البيئة وعوامل نجاحها، في مقابل ظهور رغبة مستمرة تنمو داخل مجتمعاتنا المعاصرة للانطلاق بقوة طاقتها الداخلية، المحركة نحو التحرر خارج حدود ذاتها في منطقة قد تكون مشتركة مع الآخر أكثر رحابة وديمقراطية.
أما الفنان شريف العظمة فشارك بعمل فيديو مركب من شاشة عرض مزدوجة ويصفه بأنه يهدف إلي خلق حكاية خارج حدود الزمن المتخيل، بالرغم من المعالم والمؤشرات المختلفة التي تحاول ان تضفي الشرعية علي الأركان الأساسية للإعلام بالبحث في وسائط جديدة يمكنها تقديم صورة أكثر وضوحا لمفاهيم ملتبسة مثل العولمة والهوية الثقافية.QRE