سعيد بوكرامي
الطرد النفسي والرمزي تشكل رواية القاص والروائي المصري عبده جبير الأخيرة (مواعيد الذهاب إلي آخر الزمان) إضافة مميزة إلي السرد العربي، فبصمتها تتعمد الاختلاف والتفرد في اللغة والتشكيل السردي. أما الموضوع، موضوع الهجرة، فهو شائع ومتداول وتناوله أكثر من كاتب قديما وحديثا:(الطيب صالح، سهيل إدريس، إبراهيم عبد المجيد، عبدالله العروي وغيرهم). تنصهر بنية الرواية السردية في لحمة اغترابية لكائنات احتباسية تعيش عوالمها الكارثية وتتفاعل معها بعنف وجموح تارة وباستسلام واستنزاف تارة أخري. تتحدث الرواية إذن عن الإنسان العربي المعاصر وهو يقتطع قطعا من لحمه ليقتات منها أو يبحث عن أقرب وسيلة استهلاكية ليدمر فيها أحلامه وعنفوانه.
إن الطرد النفسي والرمزي الذي يتعرض له المهاجر في الوطن العربي لأسباب شتي بحيث يقتلعون من وطنه اقتلاعا أو من المهاجر الآسيوية، أرخبيلات الفقر والضياع، هو الثيمة الأساسية لرواية عبده جبير. ثم تأتي الثيمات الصغري التي تتحلق حول الثيمة الأم. كما أن الشخصية الأساسية (رفعت الجمال ) تتحلق حولها شخصيات عديدة أهمها النساء اللواتي يوجه إليهن رسائله (الرواية في مجملها صوت واحد بضمير المتكلم يخاطب نساء بعيدات عنه في وطنه الأصلي مصر) ثم هناك الشخوص المهاجرة التي تفاعل معها رفعت الجمال أو استشهد بتجربتها المأساوية. هذه الشخصيات برمتها تعيش فصاما حقيقيا بين أجسادها المهاجرة وروحها العالقة في الوطن.
شخصيات الرواية تعيش، بمختلف أنواعها، فصاما آخر ما بين محاولة الاندماج والانفصال الذي يحدث في اللحظة ذاتها التي يعيشها المهاجر بين الهنا والهناك. وقد قدم عبده جبير صورا دالة علي هذا الفصام من خلال شخصية بطله الأساسي رفعت الجمال الذي يعاني من صراع متفاقم ما بين الرغبة وتحققاتها، تلك الرغبة المقموعة بالآليات الاجتماعية وتمثلاتها.
ولعل أول رغبة تتمظهر في الرواية كإشكالية وجودية تتمثل في الرغبة في الكتابة. كتابة الرسائل كمخرج أو مهرب من صراعات يومية تحول دون تتويج الإحساس الإبداعي والذوق الفني من التحقق الفعلي. يحاول رفعت الجمال أن يكتب رسائل إلي ولاء أو ضحي أو نهي أو إلي الآخر موضوع الرغبة الحميمي والعزيز المنال بصفة عامة. لكن محاولاته لخلق شعرية للحياة تصطدم بإكراهات وعوائق شتي.(أعتقد أنني في هذه اللحظة، في هذه اللحظة بالذات، قد توصلت إلي حل:
أن أكتب رسائل إلي معارفي، أصدقائي، حبيبتي (عشيقتي بالأحري)وخطيبتي السابقة، التي لم تستطع الانتظار طويلا، فتزوجت، وإن بقيت العلاقة قائمة بيننا. كتابة رسائل كل يوم ستفيدني علي الأرجح، ربما خلصتني من هذا الذي ـ ماذا يمكنني أن أسميه؟ ص 10). طبعا، هذه الذريعة هي وسيلة مزدوجة بين المؤلف والسارد فكلاهما اتفقا علي أن هذه الصيغة السردية وسيلة ذرائعية مناسبة لتحقيق المنجز الروائي بالنسبة للمؤلف والتنفيس عن النفس وعرض الهموم والأحلام و الخيبات بصوت ذاتي و جمعي في نفس الوقت بالنسبة لبطل الرواية.
يضع رفعت الجمال نفسه أمام اختيارين إما العودة إلي مصر أو كتابة الرسائل ويختار مكرها الحل الثاني: لقد فكرت في العودة إلي مصر، لكن هذا لم يبد حلا.
كيف لي وأنا هناك أيضا فكرت طويلا في العودة أصلا إلي عصر أخناتون نفسه؟… فقد جئت إلي هنا، إلي الكويت (لا أقول ربما للبحث عن روحي في الصحراء، فلدينا هناك صحراء لا نهاية لها) لكن هربا من تلك الحال. ربما لا أعرف ص 10 ـ 11. الأفضل أن أبدأ الآن، سأكتب الكشكول الذي أهدتنيه ضحي (ولنسمها سعاد حسني)، خطيبتي السابقة، ثم أفرغ الرسائل في الأوراق عند الإرسال. ص 12 . ويمكن ملاحظة صراع رفعت الجمال مع حياة الهجرة وهروبه إلي كتابة الرسائل كنوع من التعويض اليائس:(ووجدتني أخرج الصندوق، أقصد الكشكول الصغير الذي كانت ضحي قد أهدتني؛ وقلت إن من الأفضل أن أواصل كتابة الرسائل التي علي أن أكتبها.. ص47 )السارد / البطل مدفوع دفعا إلي الكتابة كي ينفلت من طقوس المادة علي درب الضياع والموت. لأنه في بحث دائم عن (طقوس الروح علي درب الخلاص ص 131 ). 2 ـ شخصيات إغترابية مقنّعةيبدو واضحا أن شخصية الرواية الأساسية ومعها شخصيات أخري محاصرة بكل ما يدفع إلي استدعاء المكبوت كنتيجة لسلطة قهرية وإظهاره بتمثلاته وكوابيسه وهلوساته ومحاولات إشباعه التي غالبا ما تكون فاشلة أو منحرفة أو شاذة عن القوالب المتعارف عليها لأن حياة المهاجر في بعض البلدان الخليجية علي الخصوص تلزمه ما لا يلزم فيغدو المهاجر محاصرا ومنمطا بل ومؤطرا داخل قوالب أخلاقية تظهر حياة اجتماعية سوية وتبطن أخري غير سوية.
وعلي هذا المنوال يحاول السارد المصاحب للشخصية تقديم صور عن حيوات متنوعة ومتنافرة لكنها متوحدة في مصير واحد من الانكسار والسخرية ويبدو لي أن إقحام الوثيقة الصحافية المكتوبة والمرئية واستخدام الصورة الفوتوغرافية في (باب ثياب المصور) واليوميات في (باب في ثياب الأيام) من الرواية له ما يبرره خاصة وأن هؤلاء المهاجرين بقدمون كضحايا ناجين من حادث سقوط طائرة وهو حدث يفترض تقنية الريبورتاج، أما اليوميات فهي وسيلة أعمق لتفسير الحالة الإنسانية في جوانيتها لأنه رغم ما توفره لغة الرسائل السابقة من فرص البوح والمسارّة إلا أن السارد يجد نفسه مضطرا إلي استعمال لغة الأقنعة. بيد أن لغة اليوميات تسمح بتشفير الأفكار وعرض العواطف الحقيقية اتجاه الآخر. وبالفعل فقد قدم السارد/ الشخصية شخصياته وفق لعبة الأقنعة إذ يصرح بالاسم المتخيل ثم يضمره باسم افتراضي (رفعت الجمال الاسم المستعار أما الحقيقي فهو رفعت محمد).(ها أنذا بعد لحظات أكتشف أنه ليس بمقدوري أن أذكر الأشخاص بأسمائهم (الحقيقية أعني )، سأكون، إذن مضطرا إلي وضع أقنعة علي وجوههم (ألسنا في مسرح؟) كل واحد، كل شخص، كل واحدة، ما يناسبه، ما يناسبها، وكل وحجمه، سواء هنا أو هناك؛ وهذه اللعبة تستهويني علي أية حال(…) تلبيس الناس أسماء أخري (من أسماء المشاهير حتي تكتمل لعبة الإخفاء- لعبة الأقنعة) ستكون لعبة مسلية، وأنا لا أجد أمامي حلا آخر سوي أن أتسلي، ربمل حتي يعود إلي عصر اخناتون، حيث كان الناس يستحمون مرتين في اليوم. أنا أتسلي بالفعل، بقدر ما في هذا من طمأنة للنفس، بقدر ما هي وجهة نظري في الحياة، بدأت علي هيئة وهم، ثم اعتدتها حتي أصبحت طريقة نظر. ص 11 )3 ـ صور الفاجعةيقدم السارد شخصياته كشبكة من العينات الفجائعية المستلبة بالدهشة:
ـ دهشة الشرخ القائم بين الذاكرة والواقع المهاجر إليه.
ـ دهشة المعيش الرتيب والمتزاحم بآلاف الصور الكارثية والجنسية.
ـ دهشة الاستعداد للسفر وسرعة العودة منه.
ـ دهشة اللقاءات الغرائبية التي قد تفضح المسكوت عنه.
ـ دهشة النجاة السوريالية من الموت في حادث مميت كسقوط طائرة مثلا.
لكن شخصيات الدهشة الأخيرة لا تقدم كعوامل فاعلة في سيرورة السرد بل كعوامل إخبارية أي تحصيل حاصل، مجرد جرائم وكوارث تقترف في حق المهاجر ويقدمها الإعلام ببرود وحياد. وكأن الفاجعة في المهجر وبعيدا عن الوطن لا تعدو أن تكون مجرد خبر صحافي عابر تمحوه المسافة وضغط الحياة وتدفق مئات الصور المماثلة أو المدجنة أي أن الكارثي عند المهاجر هو العادي والمألوف وما هو غير عادي أن يعيش المهاجر حياة طمأنينة وكرامة. يمكن القول في هذا الحيز إن المؤلف توفق في تشكيل متخيله السردي بما هو ذاتي وغيري وخيالي وواقعي وشعري وصحافي. (لا ننسي أن المؤلف الحقيقي عاش نفس التجربة حين كان يشتغل في الكويت). تصبح شخوص الرواية بناء عليه مجرد علامات عن عالم الهجرة والمهاجرين عامة والمصريين في الخليج خاصة وتتكثف دلالاتها الكارثية حين تعم الحرب (المقصود هنا حرب الخليج) أو الكوارث الطبيعية فيكون الوضع شبيها بيوم الحشر المجسد في الباب الثاني بلغة سردية تناصية مع نصوص تراثية تحدثت عن نفس الثيمة وهي وقفة نفسية لديمومة صوت المتكلم المتسارعة والمتصادمة والمناجية في الباب الأول الأطول في الرواية. وهي أيضا وقفة شعرية تستعرض أحوال المهاجرين في الكويت بعد الغزو العراقي ونتائجها الفظيعة والمأساوية علي الكويتيين والمصريين علي حد سواء.
عند هذا الحد يمكننا أن نستنتج أن رواية عبده جبير تعتمد نظاما سرديا دقيقا وليس مجانيا كما قد يعتقد البعض. الأبواب متراصة ومتكاملة يوحدها صوت السارد/الشخصية. وهي تتشكل علي النحو التالي:1 ـ السارد + البطل = المؤلف الحقيقي + المؤلف الافتراضي.2 ـ السرد + الرسائل= الكتابة + الرواية.3 ـ المسرود له + المرسل إليهن = القارئ الافتراضي + القارئ الحقيقي.
وبالتالي فتحقق الرسائل/ الرواية لا يتأتي إلا من تحقق الرغبة في مواجهة ظروف الهجرة وظروف الكتابة وهذا لا يتحقق بدوره إلا بالشروط الإنسانية المتعاقد عليها وعلي رأسها حرية الحياة وحرية الإبداع.4 ـ الموتيفات السرديةتعتمد الرواية أيضا التبئير كمكون سردي و جمالي أو ما يسمي بزاوية النظر أو وجهة النظر. وهي بالنسبة للسارد إحدي الذرائع الأساسية للسرد وفي العمق البنائي لرواية قد تبدو مجرد بديهيات الموضوع. لكن عندما تغدو الرواية برمتها إيحاءات وموتيفات بصرية وتصويرية مرتبطة بالأبعاد المعرفية والانفعالية والإيديولوجية.
تزودنا الرواية بقرائن عديدة رغم أن السارد / البطل يوهمنا بسيطرة هاجس التدوين لكن هذا التدوين برمته يكون من مشاهدات تسرد بصوت سارد متكلم يري وينفعل ويبدي رأيه ويعلق، بل إن السارد / البطل يصرح بموتيفاته التبئيرية:(سأكتب فعلا، سأشرح بالتفصيل كل ما هو عليه حالي، لا بد يا ولاء أن أوضح لك الموقف علي الآخر ص15 ). وجهة النظر هنا واضحة، فهي تعليقات تفصيلية عن مشاهدة ومعايشة. وفي مقام آخر يمهد لما سيصبح موتيفا أساسيا للسرد التالي:(تذكرتك يا نهي، الآن، علي الرغم من أنني لم أفكر فيك كثيرا طوال الشهور الماضية، تذكرت أنك قلت لي شيئا عن عيني، يا ساتر، أنت لا تفوت شيئا، يا ساتر، عيناك تخترقان الملابس، تنشن علي الأماكن الحساسة، أنت خطر جدا، عيناك تجعلاني أرتعش. ص 94 )وهذا سيدفع البطل إلي استعادة رغبة دفينة في أن يكون مصورا فوتوغرافيا وهي ذريعة أخري تخلق معادلة صعبة بين التبئير والسرد، رغم أن الرواية مصاغة بضمير المتكلم الاسترجاعي تارة والاستباقي تارة أخري.
فإن صراع البطل مع الزمن المنفلت بعنف داخليا والمستعرض خارجيا برتابة قاتلة يفرض عليه اللجوء إلي تخزين الصور وتدوينها بعفوية وتلقائية كتابة الرسائل أو اليوميات. وهذا بدوره يفترض البوح والمسارة البصرية والجوانية.
لقد حرص السارد / البطل علي وصف شخوصه علي المستوي الخارجي: (لهاثهم وراء الجنس التعويضي للخطيبات والزوجات بواسطة القنوات الفضائية وأشرطة الفيديو أو الخادمات الآسيويات أو سقوطهم ضحايا حمي الشراء والاستهلاك ) أما علي المستوي الداخلي فيحضر الجانب النفسي للشخصيات المتأزمة والمنكسرة بنتائج صراعها مع الزمان والمكان ويرد بأحاسيس الرفض للزمان المقيت المتحول ببشاعة نحو الضياع والتراجيديا والانفصام ما بين مكانين متنافرين: الوطن المهاجر منه والبلد المهاجر إليه. الأول لا يقبل جسدك إلا مسجي بالموت الفعلي أو الرمزي والثاني لا يقبل جسدك إلا آلة تستنزف حتي النخاع ثم تشحن للتخلص منها مفرغة من جوهرها الإنساني.
غابت أصوات الشخصيات ومستوياتها الشعرية لكن عوضها صوت السرد المزدوج والفصامي للسارد / البطل.
وهذا يدعونا إلي القول بأن المؤلف واع بدرجة التبئير التي تثري المستويات السردية بما توظفه من وجهات نظر (ضمير المتكلم/ ضمير الغائب). يقول البطل: (أنا أتســـــلي بالفعل، بقدر ما في هذا من طمأنة للنفـــــس، بقدر ما هي وجهة نظر في الحياة، بدأت علي هيئة وهم، ثم اعتدتها حتي أصبحت طريقة نظر. كتابة رسائل ستكون.. ص 11)هناك طموح دفين مشترك ما بين السارد/البطل و ما بين المؤلف الافتراضي /المؤلف الحقيقي في تحويل البصري إلي مكتوب أو مرئي فتارة يدون رسائل و تارة أخري يلتقط صورا افتراضية أو يحلم أن يصير رساما فقيرا يعيش بين البسطاء.
هذا الحلم بتدوين الزمن الضائع في عصر الفاجعة يهيمن علي رواية عبده جبير ويدخله ضمن حلقة الروائيين الضائعين المغتربين في الوطن العربي بين فواجع الأمس والحاضر وما ينتظر العرب من مستقبل غائم.
كاتب من المغربعبده جبير: مواعيد الذهاب إلي آخر الزمان. روايات الهلال مصر 2005.