تشكل الانتخابات للأطراف السياسية ما تشكله أسواق الأسهم والبورصات لرجال الأعمال، وفي وضعنا لا تطرح الكثير من الأطراف برامج وبدائل ولا تعكس اتجاها من اتجاهات المجتمع، ولهذا لا تنتعش إلا في الحملات الانتخابية… انتعاشة تكون بضخها لما وصفه الكاتب محمد سعيدي بـ لغة الشوافات، وفي وضعنا ما زال الأمر كما وصفه منذ بداية التسعينيات نور الدين بوكروح عن تحكم العصبيات في اللعبة السياسية وعن الاقـــتراض في الانتخابات وتفاقم الأمر حاليا بظاهرة الشكارة المهددة لسلامة المؤسسات.
فالكثير من الأحزاب ملأت قوائمها بمترشحين لا علاقة لهم بها ولا بالمجتمع ثم يظهر قادتها للتحدث عن برامج لا تتضمن إلا شعارات وكلمات الشباب، المرأة، الباتريوت، المعوقين أحزاب حاولت الرهان علي الغاضبين من قيادات أحزابهم الأخري، أو حاولت الرهان علي من انشق جمعهم كما هو الحال مع مناضلي حركة الإصلاح، وأطراف تدعو أحيانا إلي المقاطعة ولكنها تدعم قوائم هنا وهناك، وأطراف لما أدركت عدم تجاوب الشعب مع الحملة وعزوفه عن الأحزاب، لحقت جبهة المقاطعة حتي تضمن حضورا وحتي تدعي إذا ما تضاءلت نسبة المشاركة أن دعوتها كانت مؤثرة، إن من يتابع ما يضخ من خطابات خلال هذه الحملة سيصاب بالإحباط، وسيجد نفسه يلعن كالإمام محمد عبده كل ما تفرع عن السياسة، إنها مأساة كبيرة في بلد كبلادنا بكل أرصدته المادية والرمزية، بتجاربه وبرهانات بمنطقته مأساة وضعه الحالي وضعه بمؤطرين للمشهد تأطيرا مفضيا إلي موت للسياسة بمعانيها الحقيقية، إن الأزمة تلد الهمة كما قال الأفغاني، لكن عندما أصبحت تنتج الغمة، وعندما نتابع ما يجري ندرك لماذا نتخبط في الكثير من الأزمات وندرك لماذا تجهض الكثير من المبادرات، وندرك لماذا تهاجر الكفاءات، وندرك لماذا يمتطي الشباب القوارب ويغامرون في البحار، وندرك لماذا يقترن الاحتجاج بالتخريب، ندرك ذلك لأن صمامات الأمان وضوابط التوازن في كل البلدان هي الأطـــــر السياسية والمدنية التي تهيكل المجتمع وتؤطر حراكه، وندرك ذلك لأن المحـــــور الأساسي لأي مشروع هو إنعاش الأمل، والأمل يعزز بإشاعة الأمان، والأمان مرتبط بتوفر الثقة، وبناء علي ما ذكر بعض الذي ينخر البلد، والحل بكل بساطة هو التغيير، والتغيير معركة كبيرة وشاملة ومتكاملة، ولعل رسالة الإحجام الشعبي عن الحملة تتضمن بعض الذي ذكرناه.
عبد الله الرافعي[email protected]