كان الاولي ان اقول: نزيف الدم، بكاء الدموع، ولكن حق لي ان اعتذر للقلم التائه الحائر، فقد دفعته للمزج بين دموع العين وجراح الجسد، ليس لانني لا املك قدرة التمييز، وليس لانني لا املك ناصية المعني، ولكن لانني كما الملايين غيري، ضقنا ذرعا بالمسرحية التراجيدية التي يقتل فيها كل الممثلين، ناسين او متناسين ان لهم ادوارا ارفع شأنا واعظم درجة واكثر مسؤولية مما يقدمون الان علي خشبة المسرح الغزية من تدمير ذاتي يشي بخزي وطني شديد المرار، صعب الوصف، مستحيل التخيل الا في كوابيس المنامات. لا اذيع سرا ان قلت ان الشعب الفلسطيني في كل مكان فقد الثقة بنفسه وبمستقبله السياسي والاجتماعي والاقتصادي تحت وطأة الحمل الثقيل الذي تنأي بحمله الجبال.
فمن منا كان قد تخيل ان الدماء الفلسطينية المسلمة التي لطالما جيد بها علي مذابح الحرية والوطن، تسفك الان للعبودية الفصائلية ولوطن يلفه الموت من كل جانب؟ ومن منا كان قد سمح لنفسه او لخياله بالقول: بان الوجع الفلسطيني سيتضاعف علي ايدينا نحن، وسينهك روحنا الوطنية، وسيدفعها الي زحمة الانتقام الذي يحاكي عصابات الجريمة المنظمة، ولكن دون الاعتراف بالجريمة او الانصياع للعقوبة المترتبة عليها؟ حتي الان، انفي ان اكون متيقنا بان بني وطني يشرعون لانفسهم باباحة دمائهم وبتحليل سفحها، وبترويع الاحلام التي طالما سكنت فيها، وبتحطيم الامال التي سرت في عروقنا عبر اجيال، وبازهاق ثرواتنا البشرية التي اعيت المحتل، واجبرته علي الرحيل. احدث نفسي كثيرا، احاورها، احاول ان ادفعها الي القول بانني في نوم مهووس بالكوابيس العابسة، الي ان توقظني هي ذاتها وتلسعني بخبر جديد من هنا، ومأساة جديدة من هناك، اجساد ممزقة، وقلوب باكية وابنية شاهقة بالانتقام وراقصون علي صفحاتنا الحمراء. اعزي نفسي المتفائلة دوما باللقاء علي الكلمة السواء، بالالتقاء علي حب الارض التي بارك الله فيها وما حولها وجعلها مباركة للعالمين، الي الارض التي ارادها الله ثائرة علي الظلم لا يقطنها الا الثوار، ولا يعمر فيها الظالم. هل صحيح ان رائحة الدم في شوارع غزة لا تزكم انوف المقتتلين، اصحيح ان السياسة قادمة لتسحق احلامنا بوطن حر نظيف، مقبل علي ابنائه واجياله بكل خير، هل صحيح باننا سنسمح لانفسنا بتمني الاحتلال علي الاقتتال؟ اعرف انني مشتت الافكار، واعرف ايضا انني غير متسق مع قلمي كالمعتاد، واعرف ايضا ان التنافر يغزو حروفي بقدر التنافر الذي احاول وصفه، واعرف ايضا ان القلم لا يستطيع ان يلملم نفسه، ولا يجرؤ ربما ذلك، ذلك ان الرتوق تتسع في الثوب الفلسطيني يوما اثر يوم، حتي لكأنني بهذا الثوب لم يعد قادرا علي ستر الجسد. كيف يستر الجسد الذي تجهد اعضاؤه في تمزيقه وفي كشف عوراته، غير ابهة لا بقوانين الحرام ولا بقواعد العيب ولا حتي بتقاليد الشهامة او اعراف الكرم والسماحة. ماتت في نفسي كثير من المشاهد التي اعتدت ان ارسمها في مخيلتي عن وطني وعن مناضليه، لقد تقيحت تلك المنطقة من الدماغ، وتعفن ما يقابلها في مضغة القلب، وانفلتت شرايين الامنيات التي عودتها ان تربط حياتي بانزيمات حبي للوطن، والذود عن ابطاله بسيف القلم. آه آه، لم يعد مكان لكل ذلك، اقفرت بساتيني، ذبلت ازهاري، احترقت ورودي، غادرني ابنائي الي غير رجعة. صعب علي الان ان اقبل النسيم الاتي الي من الوطن، صعب ان ارسم بريشتي لوحة جميلة خضراء، مستحيل علي ان اشحذ همتي وعزيمتي، لقد القيتم الروع في قلوبنا، لقد اخفقتم، لقد فشلتم، لا يقولن احد منكم ليس بعد، فها نحن نقرأ رسائلكم المتتابعة ساعة بساعة، فانتم بكل فخر تتصدرون كل الاخبار العاجلة، وتتصدرون كل التحليلات كما انتم دائما، ولكن شتان بين ماضيكم الناصع، وارجلكم العرجاء التي اطلقتكم عليها الرصاص بانفسكم، وها انتم تواكبون فيها الشلل الابدي، ولكن سهل علي ان اخبركم انكم قتلتم في قلوبنا أوطاننا.
نهاد عبد الاله خنفربريطانيا6