يحيي اليحياوي
كائنة ما تكن توصيفاتنا وتشخيصاتنا لفسيفساء العراق الحديث، فستكون بالقطع قاصرة علي ضبط مكونات مجتمع توالت علي استيطانه ملل ونحل، وتسابقت علي غزوه دول وامبراطوريات وأمم، وتقاطعت من بين ظهرانيه حضارات وثقافات وانماط عيش واعتقاد، وانصهرت بصلبه تيارات فكرية، لدرجة يبدو لنا معها المجتمع الحالي، عبارة عن تركيبة كيميائية، من المتعذر حقا علي المرء الامساك بدقة مفاصلها، او ملامسة ادق تفاصيلها:
ـ بالجانب الاثني الخالص، نجد العرب والاكراد والتركمان والآشوريين والفرس، اذا لم يكونوا متجاورين جغرافيا وبالسكن، فمختلطين بشريا بالمصاهرة، او بالمتاجرة، او بمعطيات الماضي المشترك، او بما سوي ذلك.
ـ بالجانب الديني الصرف، يقف المرء عند المسلمين شيعة وسنة، وعند المسيحيين، والصابئة، واليزيديين، والزردشتيين، وغيرهم. كلهم بهذا الجانب، غير متماهين عرقيا او اثنيا مع الدين، بل ملتزمين به تحديا للتمايز العرقي والاثني. ضمن العرب، نجد الشيعة والسنة والمسيحيين، وضمن الاكراد، نلحظ وجود السنة والشيعة واليزيديين والزردشتيين وما سواهم. بل ونجد داخل القبيلة الواحدة (كما الحال بجبور او بشمر) سنة وشيعة، لكل منهم تمثلاته للذات وللآخر، لكل منهم طقوسه الدينية، ولكل منهم مرجعيته القائمة او الافتراضية. كما ان الشيعة والسنة ذاتهم افخاذ ونحل، منهم الملتزم ومنهم العلماني، ومنهم اللامبالي بالعنصر الديني جملة وبالتفاصيل. وبصرف النظر عن التمايز في كثافة التواجد الجغرافي، بين مناطق في الشمال استوطنها الاكراد منذ قدم العصور، ومناطق بالوسط والجنوب، استوطنها العرب والفرس بالمولد، او بحكم عامل القرب من بلاد فارس، فان الثابت حقا ان العنصر الديني كان، منذ البدء، عنصر تجاوز علي ذات التمايز، تجاور المسجد بالحسينية بالكنيسة بمقتضي ذلك، واعتبرت المراقد والمنابر المقدسة بالنجف (المركز الفقهي الاهم)، كما بكربلاء، كما بسامراء، كما بغيرها، ملكا مشتركا، يرتاده معتنقو الدين الواحد، دون مركب نقص، او خلفية ثار، او مزايدة من لدن هذه الجهة او تلك، استحضارا واستعادة لهذه الحادثة من التاريخ او تلك. وازعم انه علي الرغم مما تعرضت له بلاد الرافدين من غزو خارجي، وبطش نظم حكم داخلية، واقتتالات متتالية (بخلفية سياسية في الغالب الأعم)، فان تركيبة البلاد الكيميائية بقيت في جذرها كما في مظهرها العام، عصية علي الانفجار، لم يمسسها قط عنصر التناحر الاثني او الطائفي او المذهبي الا نادرا، منذ معاوية والي حين اسقاط نظام الرئيس/الشهيد صدام حسين بالتاسع من نيسان (ابريل) من العام 2003. كان الامر سياسيا بامتياز، ولم يستوظف الدين من بين ظهرانيه الا للتمويه، وفي اشد الحالات للتسويغ. واستطيع القول انه من تاريخه (تاريخ دخول بغداد اقصد) والي حد الساعة، لم يكتف الاحتلال الامريكي بتدمير مقومات الدولة العراقية، وحل مجمل مؤسساتها السيادية فحسب، بل عمد بالاساس، الي توظيف السالب من هذه الكيمياء لصياغة انموذج في الديمقراطية، اتي ولا يزال علي الاخضر واليابس، ويوشك ان يقسم البلاد ويفتت مكوناتها:1 ـ فمجلس الحكم الانتقالي صيغ (باشراف من بول بريمر) علي أسس طائفية خالصة، الكل من بين ظهرانيه ينشد الغنائم لطائفته او لاثنيته او لمذهبه، حتي اذا عمد الي كتابة الدستور المؤقت ثم الدائم، استحضرت كل هذه العناصر لتكون الخيط الناظم للنظام السياسي الجديد.2 ـ و الانتخابات البرلمانية تمت في ظروف من الاستقطاب الطائفي والمذهبي الحاد، رفعت في خضمها شعارات انذرت بقتامة القادم، فأفرزت استقطابا عميقا بين الشيعة والسنة، كان للأولين بموجبه معظم مفاصل الدولة والسلطة، وكان للغالبية العظمي من الطائفة الثانية، بعض من المعارضة او المشاركة السياسية الماسخة، وجزء كبير من المقاومة المسلحة المباشرة.3 ـ و الدستور (وهو وثيقة طائفية بامتياز)، شرع، بتنصيصه علي مبدأ الفيديرالية، لمشروع في التقسيم علي اساس عرقي واثني من جانب، وعلي اساس مذهبي وطائفي من جانب آخر، لتغدو المكونات الكبري للبلاد كردية/عربية محكومة بالعرق، وعربية/عربية محكومة بتباين المذهب، او بمعيار حجم المظلومية التاريخية (التي يرفعها الشيعة دائما)، او بمقياس خيار المقاومة الذي يثوي خلفه السنة بالوسط، ولا نكاد نجد له اثرا كبيرا يذكر بالشمال، او من لدن اهل الجنوب.
لم تكن المرجعيات الكبري (وهي شيعية بمعظمها، حتي لو سلم المرء بان هيئة علماء المسلمين هي مرجعية السنة)، لم تكن بعيدة عما جري قبل العشرين من آذار (مارس) 2003، وما بعده، والي حين كتابة هذه السطور:
ـ فالمرجعية العليا، مرجعية الاربعة (علي السيستاني، واسحاق فياض، وبشير النجفي، ومحمد سعيد الطبطبائي، الاول ايراني المولد والجنسية، والثاني افغاني الاصول، والثالث من باكستان) حرمت جهارة ونصا التعاون مع الاجنبي، بل ان السيستاني ذهب (بتاريخ 22 ايلول (سبتمبر) 2002) لحد اصدار فتوي، يعتبر فيها ان تقديم اي نوع من انواع العون او المساعدة للمعتدين، يعد من كبائر الذنوب وعظائم المحرمات، يتبعه الخزي والعار في الحياة والدنيا، والعذاب الاليم في الحياة الآخرة.
لكنه سرعان ما تحول عن ذلك جملة وبالتفصيل، وقد بدات اطوار الحرب، ليطلب من افراد الجيش العراقي وعناصر الشرطة الهروب من ارض المعركة، وعدم اعتراض تقدم قوات التحالف، بعدما كانت الحرب علي اشدها بالناصرية والبصرة وغيرها، وكان للجيش العراقي بها مكاسب معتبرة علي الارض.
وقد اسر عبد المجيد الخوئي قبل مقتله بنيسان (ابريل) 2003، بأنه تسلم فتوي من علي السيستاني يدعو المؤمنين فيها بعدم مقاومة قوات التحالف، بل ويجيز فيما بعد التعامل مع جنود التحالف، وبيع البضائع والحاجيات لهم، علي الرغم من استدراكه بذات الفتوي، بـ ضرورة عدم اظهار الرضا عن بقائهم.
ـ والمرجعيات العليا (سيما علي السيستاني، باعتباره المرجع الاعلي) باركت العملية السياسية، ودعت العراقيين للمشاركة في الاستفتاء علي الدستور، والادلاء باصواتهم في الانتخابات، حتي اذا انتهت الاستحقاقات، زكي المحصلة الطائفية التي افرزتها، وانحاز علانية للاحزاب الشيعية (وهي منابر مذهبية دون منازع)، التي بات لها النصيب الاوفر في دواليب الدولة الجديدة، و مؤسساتها الحساسة.
بهذه النقطة، وبما سواها دون شك، لم تعد المرجعية العليا مرجعية صامتة، تنأي بنفسها عن مجريات ما يقع، بل غدت ناطقة بامتياز، توجه عن بعد، تستشار بأدق التفاصيل، تفتي برجحان كفة هذا القرار من عدم رجحان كفته، تعلن موقفها من هذا الحدث كما من ذاك، بالفتوي المعلنة، كما عبر الوكلاء المعينين، كما بالاستقبال المباشر للثاوين خلف العملية السياسية، او المشاركين فيها، او الدافعين بمداها.
ـ والمرجعيات العليا، بصمتها عن سياسة المحاصصة الطائفية، وغضها الطرف عن طبيعتها البدائية في زمن الوطنية، وعدم استشرافها لما قد يترتب عن ذلك، اعرضت عن الافتاء فيما قام به الاحتلال ويقوم، من تدمير للمدن والقري، وقصف للمساكن، ومحاصرة للاحياء… بل ولم تدن فرق الموت، ولا ميليشيا الاحزاب، ولا وقفت بوجه التهجير القسري للمواطنين، او استهدافهم علي الهوية، او اختطافهم بوضح النهار وتعذيبهم، بل ولم تستنكر ما قام به الاحتلال بأبي غريب مثلا، او ما يقوم به مغاوير الداخلية والوية الجيش، من تقتيل وتنكيل وتعذيب وسجن للابرياء من دون وجه حق يذكر، ودونما ان توجه لهم تهم محددة، او يستنطقون.
ـ والمرجعيات العليا لم تنه عن تدمير مساجد السنة (في اعقاب تدمير مرقدي الهادي والعسكري مثلا)، ولم تتدخل لايقاف الاقتتال بين ابناء المذهب الواحد، بل تم الترتيب للسيستاني (في اعقاب محاولة الصدر السيطرة علي ضريحي الإمامين الحسين والعباس، بكربلاء بتشرين الاول (اكتوبر) 2003) ليغادر الي لندن في عطلة مرضية، انتهت بانتهاء المواجهة بين جيش المهدي والامريكان، سلم بأعقابها الجيش اياه مفاتيح الاضرحة للمرجعية، وغادر المدينة دون رجعة.
ـ والمرجعيات العليا، فوق كل هذا وذاك، لم تفه بشفا كلمة لدعم المقاومة العراقية، ليس فقط لان هذه الاخيرة سنية في معظمها، ولكن ايضا لان المرجعية ذاتها تورطت بفتاوي سابقة، ايدت بمقتضاها، اطلاق عملية سياسية تتظلل بظل الاحتلال، لم ينل منها العراقيون الا الدمار والخراب، والفساد وسرقة المال العام، دونما توفير الحد الادني من الامن والامان، ناهيك عن الخبز والماء والكهرباء وما سواها.
وما دامت المرجعيات اياها، قد تماهت مع الاحزاب القائمة (الشيعية منها تحديدا) ومع قوي الاحتلال الحامية لها، فانه من تحصيل حاصل ان تعارض رفع السلاح بوجه الاحتلال وعملائه، بل وذهبت لحد اعتبار من يحمل السلاح، متمردا او ارهابيا او من ازلام النظام السابق.
صحيح ان علي السيستاني لا يقول بولاية الفقيه، ويدعي خطابا انه لا يمارس دورا ولائيا في السياسة العراقية، لكن كيف التسليم بذلك وهو الذي لم يتمنع سلوكا، في توجيه مريديه قبيل سقوط بغداد بايام، كما بالوقت الحاضر؟ كيف القبول بصمته (وهو الذي تبادل مع بريمر اكثر من 25 رسالة)، بل كيف القبول بالصمت اصلا والبلد من امام اعينه تدمر، وباتت قاب قوسين او ادني من التحلل؟
ليس متعذرا، بناء علي ما سبق، فهم السر خلف استبعاد مرجعيات عراقية كبري، بل مطاردتها بالمنافي، لا لشيء الا لانها نددت بالصوت والصورة والبيان المكتوب، بما يقع للعراق وللعراقيين. والا فما السر في تغييب شخصيات دينية وازنة، من قبيل البغدادي والمؤدن والخالصي وما سواهم؟
السر كامن في كونها جاهرت بخيار المقاومة، واعتبرت ضمنيا ان المرء لا يحتاج لفتوي رسمية ليباشر الدفاع عن ارضه وعرضه، حتي وان كانت هذه الفتوي عليا وحكيمة.
ہ باحث واكاديمي من المغرب[email protected]