أيار: نكبة ومقاومة

حجم الخط
0

بسام الكعبي

كانت الطريق إلي “كفر أبو الهيجا” شرق حيفا ضيقة جداً وترابية تتلوي بين أشجار باسقة، أهملتها بقصد إشارات المرور العبرية، وغاب عنها دلالات وجود قرية عربية مزروعة في الغابات الكثيفة التي تطل بخفر من التلال الشرقية المرتفعة لجبال الكرمل علي شاطئ حيفا. بدت البيوت القليلة والمتواضعة في قلب تجويف صخري مترددة خائفة ومتلاصقة تماماً كأنها تخرج الآن من رحم النكبة.

منذ عشرين عاماً تقريباً، وصلتُ “كفر أبو الهيجا” برفقة الدكتور شريف كناعنة أستاذ الانثروبولوجي في جامعة بيرزيت والمتخصص بالتاريخ الشفوي للقري المدمرة في فلسطين لتدوين بعض الروايات الشفوية لأفراد صمدوا علي أرضهم في مواجهة الاقتلاع. تبين علي الفور أن “كفر أبو الهيجا” احدي القري الفلسطينية العربية غير المعترف بها اسرائيلياً، وطبعاً يعيش سكانها دون أية خدمات عامة مثل نحو أربعين قرية عربية لا يشملها “الاعتراف الاسرائيلي”. ويتعرض سكان “كفر ابو الهيجا” لتهديد جدي بالترحيل عن المكان، رغم أنهم يقيمون علي أطراف أرضهم منذ اجلائهم بالقوة عن بلدتهم “عين حوض” منذ تسع وخمسين عاماً هي عمر النكبة الفلسطينية.

خلال الأيام الأولي لجمر النكبة في أيار عام 1948 أصر شيخ فاضل من وجهاء عائلة أبو الهيجا البقاء علي أرضه، فاتجه مع أفراد أسرته الصغيرة إلي أطراف قريته عين حوض، واستقر فيها وصمد علي أرضها برغم قسوة الظروف، وعلي مدار سنوات طويلة نجح في اقامة تجمع لأحفاده.. لكن بخدمات معدومة ودون اعتراف من المجلس البلدي الاسرائيلي للمنطقة وتحت وقع حصار محكم شديد الرقابة.. التقينا من تبقي من كبار السن واستمعنا منهم لرواياتهم الشفوية بشأن الأحداث التي عصفت بالمنطقة، ثم غادرنا باتجاه بلدتهم المجاورة “عين حوض”!! شاب من أحفاد الشيخ الراحل الجليل توقف أمام منزل جميل في شارع ضيق هادئ في القرية، وقد أطلت من جدرانه العالية ملامح تماثيل غريبة بلون أسود ونظرات غامضة، أشار الشاب محمد أبو الهيجا إلي البوابة قائلا: “هذا بيتنا.. مَنْ يصدق أننا نعيش علي بعد ألف متر منه ويحظر علينا العودة اليه أو حتي السماح لنا بدخوله.. باتت تسكنه التماثيل بديلا لنا”. لم تتعرض مساكن عين حوض للتدمير كما جري لبقية القري الفلسطينية، بل تعرضت لعملية مسح كامل للهوية: استبدل اسمها لتصبح “كفار اومونيم”، وتعني باللغة العبرية بلدة الفنانين والنحاتين. استوطنت هذه الفئة البيوت وأعادت تغيير طابعها.. أي مستوي للفن والابداع يعيش علي نكبة آخر ولجوئه وتدمير كيانه؟ ما لون الحبر الذي تسبح فيه ريشة “الفنان” وتخرج دامية لتشكيل لوحة من سحر الطبيعة وإلهامها؟ الفن المستوطن هناك أبدع في صياغة عناوين جديدة للأمكنة والمواقع: بدل هوية الجامع من مكان للعبادة إلي مطعم ومقهي ليلي، ومبني الطاحونة إلي متحف والمقبرة إلي ملعب للاطفال، وأقام في التلال العالية منتجعات فاخرة وسياحية للعلاج، وأبدع في فنون مسح الهوية ومحاصرة عائلة مسالمة لجأت منذ ستين عاماً إلي أطراف بلدتها الأصلية خوفاً من بطش المليشيات الصهيونية المسلحة بالرصاص والكراهية.

شهر أيار يجدد النكبة كل عام ويطلق فيها ذكريات المذبحة والتهجير والتدمير وتاريخ نشوء المخيمات، بل يفتح المشهد علي كل النكبات التي يتعرض لها اللاجئون في أماكن الشتات: ربع مليون لاجئ يعيشون بجوار قراهم المدمرة داخل كيان اسرائيل ويحظر عليهم العودة اليها، مع أن بعضهم حصل علي أمر قضائي بالعودة كأهالي إقرث وكفر برعم في أصبع الجليل علي الحدود مع لبنان الموزعين كلاجئين في القري العربية في الجليل والمثلث. وفي شتات اللجوء تتفاقم معاناة عشرات آلاف اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية وغزة والاردن ولبنان وسوريا وغيرها من البلدان المختلفة في ظل غياب المساندة الدولية لتطبيق قرار حق اللاجئين بالعودة إلي ديارهم التي شردوا منها. آلاف يتعرضون الآن للذبح والتنكيل والقهر في العراق بعد سقوطه بقبضة المحتل الأميركي وميليشيات “تحالف الشمال” ذراع المحتل. مئات هربوا بأطفالهم من البطش الدامي، يموتون جوعاً وقهراً منذ ثلاث سنوات في المخيمات الصحراوية الأربعة الجديدة علي الحدود السورية والاردنية التي أضيفت لنحو 62 مخيماً فلسطينياً للاجئين.. دون أن يرمش جفن عربي بتقديم حل طارئ للمشكلة الانسانية.. هل باتت العواصم والمدن العربية ضيقة إلي هذا الحد؟

أيار يجدد الجراح ويفتح “العدسة” علي مرآي المعاناة التي طالت كثيراً، لكنه يأتي متماسكاً قوياً علي مشهد من المسيرات الشعبية الواسعة التي تنطلق في كل أمكنة الشتات تجدد حق اللاجئين في العودة إلي ديارهم وتطلق الشرارة: حق العودة هو مفتاح السلم والحرب، مفتاح عملي لانهاء الصراعات في المشرق وثبات الاستقرار والأمن في المنطقة العربية.. دون ذلك يظل الوطن العربي عرضة للحروب والاقتتال وتظل الأنظمة الحاكمة عرضة للتغيير والمساءلة.. وربما الانقلاب!!. [email protected]رام الله المحتلة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية