السّمات المعرفية و السّياق النقديّد.
خالد أقلعي
الميثاقيمكن أن نصنّف كتاب “الحب و الإبداع و الجنون دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية” للدكتور علي القاسمي ضمن نمط من الاجتهادات النقدية الرصينة، الحريصة علي أن توقع مع القارئ، العادي و المخصوص علي حدّ سواء، ميثاق تشارك و تجاوب و تفاعل و احترام… الأمر الذي يجعل تجربة القراءة، علي متن بساط هذا المؤلَّف، رحلة مشوّقة موسومة بكثير من المرح و المتعة و المعرفة… خلاف ركام من النّقد الأدبي العربي المعاصر، المترع بسياجات من الغموض و الكبر و التّعالم، و المثقل بخردة من المفاهيم النّقدية و الاصطلاحات المستنبتة، قسرا، من حقل إبداعي برانيّ عن تراب الإبداع العربي، المخصوص بقضاياه الفكرية، وأسئلته الجمالية، وطرق تعبيره الفني. تطأ عتبة هذا المؤلَّف فيستقبلك المؤلِّف مشرّعا دراعيه بحفاوة وجود و شفافية نقدية تحفزك إلي خوض عباب القراءة مسلّحا بالثقة و التفاؤل… الآن وقد انهارت أمام ناظريك جبال الجليد التي انتصبت ردحا من الزّمن حائلا بين تجاوب كلّ من النّاقد و القارئ، و التي جعلت من القبض علي وهج اللّحظة الجمالية، وظيفة النّقد الأساس من وجهة نظرنا علي الأقلّ، واقعا أدبيّا بعيد المنال، انعكست تداعيات غيابه سلبا، ليس علي عملية القراءة فحسب، بل وحتيّ علي مسار الكتابة الإبداعية التي اتّخذت طريقها علي غير هدي من النّقد و توجيه. تطرق باب هذا المؤلَّف فيستقبلك المؤلِّف مرحّبا، مطَمئنا:”وفي اعتقادي أن النّقد الجيد هو الذي يأخذ في النظر جميع عناصر العملية التواصلية:
الكاتب، و القارئ، والنص، والموضوع، وحتي قناة التواصل التي إذا أصيبت بعائق تعرضت قراءة النص و تذوّقه إلي صعوبات تقلّل من فائدته. فالكتاب المطبوع بحروف صغيرة جدا وعلي ورق سيئ قد يتعب بصر القارئ و يمنعه من مواصلة القراءة “1 يبشّرنا النّاقد، إذن، منذ البداية، بعدالة الميثاق الذي يوقعه مع القارئ، فيمنح قضية التّواصل أولويته النقدية، ويعتبر تحقّقها بمنزلة إسهام في محاربة الأمية الثقافية وإعادة الثّقة إلي نفوس القرّاء الذين أيسوا من (فدلكات) المخادعين، و طلاسم الدّجالين و طفيليات النقد الأدبي.
يعلن النّاقد:”كما أعتقد أن وظيفة النقد في بلداننا، التي ترتفع فيها نسبة الأمية الثقافية ويقلّ فيها إقبال الناس علي القراءة، هي ترغيب القارئ في اقتناء الكتاب الأصلي و قراءته، أو علي الأقل، مساعدته علي الإلمام بمجمل مضمون الكتاب و تذوّق مواطن الإبداع و الجمال و الفن و المعرفة فيه.”2 وعلي الرّغم من عمومية هذا التصوّر النّقدي ونفعيته، وربّما بسبب ذلك، يبدو النّاقد وكأنّه يحاول التنبيه إلي ضرورة إعادة قطار النقد إلي سكته الأصلية، المتمثلة في التواصل مع القارئ، وترغيبه في اقتناء الكتاب و تذوّق الجمال و العبّ من معين المعرفة.
أو وكأنه يعلن:
حسب النّاقد أن يبشّر ولا يتنفّر!. والحقّ أن الفترة النقدية المعاصرة أفرزت بعض الأصوات أخذت تنتبه إلي فوضي النقد الأدبي التي انتقلت إلينا بفعل انبهارنا بالنموذج النقدي المستورد، وإعراضنا عن النظر في تكوين النص الأدبي، رهان التواصل مع القارئ، الذي لاشكّ يمدّنا بآليات نقده المخصوصة.
يقول عبد العزيز حمودة: “إن سلطة النص كما تحددها الدراسة(ويقصد دراسته القيمة “الخروج من التيه”)تقوم علي قدرة النص الأدبي علي تحقيق معني ما، يتمتع بقدر من الإلزام و يقبل التثبيت، ولو بصورة مؤقتة، في مواجهة فوضي القراءات التفسيرية للنص الأدبي التي انتهت، عند اتباع نظرية التلقي و التفكيك، إلي إلغاء سلطة النص، بل إلي التشكيك في وجوده أصلا.”3 النص، إذن، حلبة الناقد العربي المعاصر، شجرته الوارفة الواعدة بالثمار الشهية السليمة، ثمار يقتسم شهدها مع القارئ غير غاصب و لا قاسر:”وتتألف فصول هذا الكتاب، الذي بين يدي القارئ الكريم، من قراءات أنجزتها في عدد من الكتب الأدبية الجيدة التي أمتعتني، وأردت مشاركة القارئ الفائدة التي منحتني.” 4 يكشف القاسمي عن مرامي هذا المؤلف بكلّ شفافية وتواضع و أريحية، وسوف نحاول بدورنا، أن نطلعه عن قطاف رحلتنا بصحبته.
السمات المعرفية و سياق النقد يتكوّن هذا المؤلّف من سبع عشرة دراسة تتوزّع ما بين (صورة حياة)، كما في “الحب و الجنون في حياة مي زيادة”، وخصوصيات الكتابة السردية في تجارب كلّ من عبد الكريم غلاب، وجمال الغيطاني و عبد الرحمن مجيد الربيعي، و محمد عز الدين التازي، و صمويل شمعون و بهاء الدين الطود، و فريد الأنصاري، وعبد الإله بنعرفة، وعبد القادر الجموسي، وفوزية العلوي، و علي القاسمي، وجون أبدايك، فضلا عن محاولته القبض علي وهج الصورة الشعرية في قصائد لكل من وداد بنموسي و إكرام عبدي وثلّة من الشّعراء العراقيين في المنفي.
وسوف نقتصر في هذه القراءة علي القسم السّردي، تاركين القسم الشعري للمتخصصين في الشّعر.
أ-بعض سمات المعرفة العلمية يعرض القاسمي بشغف كبير معارف علمية شتي يتضمّنها سياق السّرد الأدبيّ، سواء عند قراءته الكتاب الذي يتضمّن صورة حياة الأديبة اللّبنانية مي زيادة أو إثر سفره عبر أكوان روائية لكلّ من جمال الغيطاني و عبد الرحمن مجيد الربيعي و محمد عز الدين التازي و غيرهم من الكتّاب الذين شملهم هذا الاجتهاد النقدي. ففي مواجهة كتاب”جنون امراة:
مي زيادة” لخالد محمد غازي يقف القاسمي عند نمط من النّقد الأدبي يعتمد التحليل النفسي أساسا يشيّد علي بعض حقائقه دراسة نقدية بمنزلة صورة حياة درامية مؤثّرة للأديبة اللبنانية.
ويبين الناقد في مستهل دراسته كيف أن اعتماد التحليل النفسي منهجا في دراسة شخصية مي الإنسانة والمبدعة، أسقط كلاّ من المؤلف المصري وقراءه في شراك عشق هذه الكاتبة الاستثنائية و الافتتان بها. وبعد عرض مشوّق لفترات مشرقة من حياة مي زيادة يتوقف الناقد مع الكاتب عند فترة حرجة من فترات حياة المبدعة، وهي الموسومة بمرضها النفسي أو العقلي.
وهنا يطفو هاجس الناقد المعرفيفنغنم منه صورة معرفية علي قدر كبير من التفصيل.
يقول النّاقد:”ونعود إلي كتب علم النفس فنعرف أن الاكتئاب هو من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعا.
فهو إذن يصيب النفس لا العقل.
وهو علي أنواع كثيرة و درجات متفاوتة من حيث الحدّة، وأعراضه تختلف من شخص لآخر، فعند بعضهم يكون علي شكل أحاسيس قاسية من اللّوم و تأنيب النفس، وعند بعضهم الآخر يكون علي شكل مشاعر باليأس و التشاؤم و الملل من الناس.
وللاكتئاب أنواع عديدة، أبسطها الاكتئاب الاستجابي الذي يحصل استجابة لأحداث خارجية تنزل بالإنسان، كفقدان شخص عزيز، فيشعر الفرد بالحزن و الإحباط و القلق.
وأخطر أنواع الإكتئاب هو الإكتئاب الداخلي الذي يحدث دون وقوع أحداث خارجية”5 ربما يتبادر إلي ذهن القارئ المتعجل أن إيراد هذ الفقرة في سياق نقدي مخصوص ليس إلاّ حشوا يدبّج به الناقد دراسته طمعا في بلوغها طولا معلوما.
غير أن الحقيقة عكس ذلك تماما.
إذ إن هذه الصورة المعرفية تضطلع بوظيفة كشفية لبعض الأسباب الوجودية و النفسية التي قد تكون خلف اكتئاب مي زيادة و جنونها المفترض.
فهي تضع القارئ، إذن، في قلب المأساة التي تعرضت لها الكاتبة، وحوّلتها، ضمن هذا المؤلّف، من شخصية واقعية إلي شخصية تراجيدية جديرة بالتعاطف و التآزر. ولا يفوت الناقد وهو يفحص دراسة الكاتب المصري أن يشير إلي طبيعة العلاقة التي جمعت ما بين الإبداع العربي و التحليل النفسي و حجمها، فيعلن:”ومعروف أن التحليل النفسي لم يطبق علي النصوص السردية و الشعرية كثيرا في البلاد العربية، ربما لنشأته الفرويدية ولأسباب إيديولوجية أخري. ولكن أنصاره يقولون إنّ هذا النوع من النقد يساعد في إغناء النص الأدبي و يجعل له مستويات متعددة للقراءة و التأويل، ويضيف إلي العقد الظاهرة عقدا باطنية ويصطحب فيه الناقد القارئ إلي دهاليز اللاّشعور لدي الكاتب وهو يلد عمله الفني.”6 وعلي الرّغم من أهمية الإشارة إلي بعض الأسباب الكامنة خلف ندرة استثمار التحليل النفسي في نقد الأدب العربي، و وجاهة بعض آراء المدافعين عنه، نجد الناقد أغفل ذكر الأسباب الفنية الكامنة خلف هذا الإعراض.
والحق أن الأديب و الفيزيائي الفرنسي الشهير غاستون باشلار كان أشار في مؤلفه الشهير “شاعرية الفضاء” إلي كثير من الثغرات الفنية التي سقط فيها التحليل النفسي للأدب، ولعلّ أبرزها تحويل الشخصيات الدرامية إلي حالات إكلينيكية، والعجز عن إدراك جماليات الصورة الشعرية.
ويستشهد باشلار باستنتاج يونغ عالم النفس الشهير الذي نورده لأهميته في هذا المقام.
يعلن يونغ:”بتتبّعنا عادات أحكام التحليل النفسي ينتفي النّفع عن الإبداع الفني ليتيه في أصداء حتمية لعلماء النفس القدامي، وبذلك يتحول الشاعر إلي حالة مصحّاتية أو نموذج يحمل رقما محددا في سيكولوجية الجنس المرضية، وهكذا يبتعد التحليل النفسي للإبداع الفني عن موضوعه منتقلا بالصراع إلي مجال إنساني عام غير خاص تماما بالفنان، وغير ذي أهمية بالنسبة لفنّه” 7 والحق أن المعرفة العلمية بالظاهرة النفسية تبرز في مواقع متفرقة من اجتهاد القاسمي، وهي تحضر، كما ذكرنا آنفا، بغرض أداء وظيفة جمالية محدّدة تسهم في إضاءة بعضِ ما عَتَمَ في الأثر الإبداعي المقروء، مثلما أنها تحرص علي احترام المسافة الفاصلة ما بين حقل التحليل الأدبي و حِمَي التحليل النفسي، علي الرغم من الشّكوك التي تراود القارئ، أحيانا، إثر مواجهته صفحات كاملة يتمّ فيها التعريف بظاهرة الجنون لغويا و تاريخيا، ثم علاقتها بالإبداع عموما، في مقابل صفحات قليلة جدا يعرض النّاقد فيها لخصائصِ الأثر الأدبية و سماتِه الفنية.
أقول كلامي هذا، وأستحضر دراستَه المعنونة ب”الإبداع و الجنون، أية علاقة؟
قراءة في كتاب “عراقي في باريس”لصموئيل شمعون” 8 ومن رصد السمات النفسية، ينتقل الناقد إلي رصد السمات الإنثروبولوجية، وذلك في قراءته المعنونة ب”حينما يرتقي الروائي قمة الإنثروبولوجيا، قراءة في “أية حياة هي؟”لعبد الرحمن مجيد الربيعي” . وكعادة النّاقدِ، المتيّمِ بعشق المصطلحِ، والحريصِ علي الوفاء بما تعهّد به من عزمٍ علي الإسهام في نشر المعرفة و محاربة الأمية الثقافية، لا يبخل علينا بعرضٍ نتعرّف من خلاله حدود الإنثروبولوجيا التي تُترجم إلي العربية “بعلم الإنسان”، مثلما نتعرّف علي وظيفة الإنثروبولوجي الثقافية، فضلا عن الفروق الكامنة بين هذا العلمِ و علمِ الاجتماع، وصولا إلي القاسمِ المشتركِ ما بين الروائي و الإنثروبولوجي، الذي حدّده الناقد في (الوصف الدّقيق). وإذا كان النّاقد حرص هذه المرّة علي تحقيق نوعٍ من التّوازن النسبيّ ما بين العرض المعرفيِّ و التّحليل الفنيِّ، فإن المبرّرَ الجماليَّ وراء إضفاءِ السّماتِ الإنثروبولوجية إلي إبداع الربيعي، يبدو مشوبا ببعضِ التباسٍ، خاصّة وأنّ القواسم المشتركة ما بين الرّوائي والإنثروبولوجي، بحسبِ استنتاجِ النّاقدِ نفسِه، لا تتجاوز ّمكوّن الوصفِ الدّقيقِ”:”وهنا نعثر علي المشترك بين الروائي و الإنثروبولوجي، فكلاهما مولع بالوصف الدقيق.”9 وتحضر المعرفة العلمية بشكل أكثر بروزا في قراءة موسومة ب”نافذة علي الواقعي و الخيالي في رواية”نوافذ النوافذ”لجمال الغيطاني”. إذ يعرض الناقد فيها للسّمات (المعلوماتية) التي تؤطّر تكوين هذا العمل الروائي.
ويتوقّف القاسمي عند بعض المعارف المتعلقة ببرنامج النوافذ Windows الحاسوبيّ، الذي أطلقه المخترع الأمريكي بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت.
وبعد تشريحه لتقنية اشتغال هذا البرنامج، ينتقل بالظاهرة الإبداعية إلي قلب التطور العلمي و التكنولوجي الذي يعرفه عصرُنا.
ولا يفوّت النّاقد فرصة وقوفه علي البرزخ الفاصل بين العلم و الفن ليعرض رأيه في هذا الثنائي، فيقول:”ولكنّ نظرة مدقّقة في عمق الأشياء تخلص إلي أن العلم و الفن غصنان في دوحة المعرفة، وأن ما يجمع بينهما من الخصائص المشتركة أكثر مما يفرقهما من الظواهر العرضية.
وأقل ما يقال في هذا إن منطلقهما واحد، وهو الإنسان، وأن غايتهما واحدة وهي رفاه الإنسان و ترقية حياته.”10 وعلي الرّغم من الحضور المكثّف للسّمات المعرفية لا نجد النّاقدَ يغفَل أهمية عرض السياق النصي للإبداعات المنتقاة، بل إنّ قارئ هذا الكتاب، يجدُ نفسه مدفوعا إلي قراءة ما فاته منها، وذلك بفضل الأسلوب المنظّم و المشوّق الذي يتّبعه الناقد في عرض تلخيص الأعمال الروائية، و تقديم شخصياتها الرئيسة، وإضاءة قضاياها الجوهرية.
ب- بعض سمات المعرفة الأدبية من نافلةِ القولِ اعتبارُ الحديث عن الكتابة الروائية بمنزلة سمة مهيمنة علي مواقعَ متعددةٍ في هذا الإجتهاد النقديّ المتميّز.
ذلك أنّ النّاقدَ يحرصُ علي تحديد تصوّره لمفهوم الرّواية، وما ينبغي أن تستند إليه من مكونات بنائية، وخصائصَ فنيةٍ و سماتٍ لا يمكن أن تكتمل وحدتُها و تستوي إلا بها.
ففي دراسة سابقة يتساءل عن جدّة عمل روائي، ثم يجيب:”فجودة الرواية تكمن في وجود فلسفة تؤطرها وفي قيمة هذه الفلسفة و مدي تأثيرها فنيا وفي نظرتنا لأنفسنا و للوجود؛ لأن سرد الأحداث متناثرة ووصف الشخصيات متفرقة، لا يشكّل بحد ذاته نصا أدبيا جيدا ما لم تؤطره نظرة شمولية، ويوحده هدف خاص، ويضمه نظام متكامل من السياقات المكانية و الزمانية يعطيه معني، وتصاغ عباراته بأسلوي رفيع يهبه مذاقا، بحيث ينتقل الروائي بسرده من الحسي إلي المجرد و من الخاص إلي العام ومن المحدود إلي المطلق، وإلاّ ستبقي أجزاء عمله مثل شجيرات متباعدة في بيداء شاسعة.”11 ثمّة وجودٌ لقيمةٍ فنية ٍواضحةٍ يتضمّنها هذا التصوّر، وهي المتعلّقة بتلك النّظرة الكليّة إلي الأثر الأدبيّ. كلّ مكون من مكوّنات الرّواية يسهم بشكل هارمونيّ في عزفٍ متناغمٍ متلاحمٍ لا نشاز فيه.
هذه هي الكتابة الروائية الناجحة و المؤثرة، لا ما نصادفه، في الفترة الإبداعية الراهنة، من تكوينات سردية مفكّكة مختلة، مترعة بأسيجة سميكة من اللّبس و التعالم، تغتال، ما في ذلك شكّ، حماس القارئ وتفاعلَه، و أفقَ تلقّيه. وقبل أن يعرض للفروق الكامنة بين الكتابة الروائية وكلٍّ من التاريخِ و الفلسفةِ يقف عند موضوعةِ السجنِ في الرواية العربية.
ويذكر طائفة من الأسماء الروائية الشهيرة التي أبدعت في هذا المضمار من أمثال:
عبد الرحمن مجيد الربيعي، وعبد الرحمن منيف، وشاكر خصباك، وإسماعيل فهد إسماعيل، ونبيل سليمان، وصلاح حافظ، وفاضل العزاوي، وبلقيس شرارة، ورفعت الجادرجي.. والملاحظ أن هذه الأسماء تكاد تغطي معظم الأقطار العربية، ويستثني من هذا العرض الروائيُّ المغربي، الذي نحسب أنه راكم تجربة لابأس بها في هذا النّمط من الكتابة الروائية.
بل إنّنا نجزم أنه من أصدق وأروع ما كتب المغاربة من أدب روائي ما يرتبط بتجربة السّجن علي نحو ما نجد في رواية “السّاحة الشرفية” لعبد القادر الشاوي مثلا، وكذلك في رواياتي”العريس” لصلاح الوديع و “للاّشافية”لمحمد بيوسف الرّكاب و غيرهما كثير. أما السّمات الصّوفية فتظفر بنصيب الأسد في هذا الاجتهاد الزّاخر بالمعارف المستقاة من شتيّ الحقول الفكرية و العلمية المختلفة.
وهي تُستثمر علي شكل إشارات عابرة يتضمّنها سياق النّقد، كما في تأكيد القاسمي استثمار الغيطاني تجربته الصوفية في تنمية لغة سردية تستخدم التّرميز و التّخييل12 أو من خلال استثمار النّاقد نفسه القصيد الصوفي بغرض إضاءة مواقف سردية مخصوص13 ، وأحيانا خلال إيراد نعوت يطلقها نقاد علي مبدعين، علي نحو ما فعل أحمد السطاتي مع بهاء الدين الطود14. مثلما أنها تحضر بكثافة من خلال دراسته الموسومة ب” الشعر و التصوف خصائص الخطاب الشعري الصوفي”. والحقّ أنّ النّاقد اختصّ روايتين اثنتين برصده السمات الصوفية، وذلك من خلال دراستيه المعنونتين:” كشف المحجوب في الرواية الصوفية العربية قراءة في رواية ” كشف المحجوب” للدكتور فريد الأنصاري” و “الجبال المعرفية في الروايات الصوفية قراءة في رواية”جبل قاف” لعبد الإله بنعرفة” أما الدراسة الأولي فيستهلّها بحديث عن خصائص كلّ من الصوفي و الروائي، قبل أن يخوض في حديث قصير حول الرواية الصوفية في الأدب العربي مشيرا إلي زاوية التهامي الوزاني التي يعتبرها الناقد من الروايات المؤسّسة للسّرد المغربي الحديث.
وفي أثناء عرضه السّياق النصي لرواية “كشف المحجوب”لفريد الأنصاري، وبينما هو منشغل بوصف حبّ المحجوب، بطل الرواية، لابنة الفقيه الشابة، يطفو وجد النّاقد بالمعرفة الصّوفية فيفتح قوسين نطّلع من خلالهما علي الخبر الصوفي الآتي:”(ألا يذكّرنا هذا الغرام بما أخبرنا به القطب الصوفيّ محيي الدين بن عربي في مقدمة ديوانه”ترجمان الأشواق” عن غرامه، في مكة المكرمة، بابنة الفقيه الشيخ الأصفهاني التي كانت”تقيّد النظر و تزيّن المحاضر”؟ فقد مضي الصّوفية علي اتخاذ الحبّ طريقا إلي الله و الهيام بجماله و جلاله ولكنهم يكتمون هذا الحبّ.
وفي الرواية، نجد أن المحجوب يكتم هواه لابنة الفقيه ولا يبوح به لأحد)”15 القطب و الأشواق و الصوفية و الحب و الطريق إلي الله و الجلال و الكتم و البوح، كلها أقباس من وهج المعجم الصوفيّ الذي يسخّره النّاقد عن قصد ليكشف طبيعة السّمات الصوفية في رواية “كشف المحجوب” ، وكيفية استثمارها الرّمزي.
ثمّ إن النّاقد لا يتأخّر في كشف ما تحيل عليه بعض الصّور الروائية من مقامات صوفية يحرص علي إضاءتها بأنوار القصيد الصوفيّ.
هذا ما يتجلّي في تعليقه علي تسمية المحجوب في سياق الرواية بأمير العشاق.
يقول النّاقد:”وهذه إحالة علي “إمام المحبين و سلطان العاشقين”ابن الفارض الذي قال:
كلّ من في حِماك يهواكَ، لكن أنا وحدي بكلِّ مَن في حماكيُحشَر العاشقون تحت لوائي وجميعُ المِلاحِ تحت لواكا “16بل هذا ما يبدو شكل واضح وهو يفكّ رمزية البحث عن الحبيبة في الرواية، ويجعله بمنزلة بحث مضن وراء نور الحقيقة”أو كما قال عبد الله بن القاسم الشهرزوري(ت511 ه) :(يضيف الناقد) لمعتْ نارُهُم وقد عسعس الليْ لُ، وملَّ الحادي، وحارَ الدليلُ فتأملتُها وفكري من البيْ نِ عليلٌ، ولحظُ عيني كليلُ ثمّ قابلتُها وقلتُ لصَحْبي هذهِ النارُ نارُ ليلي فميلوا”17 وبهذا يتجلّي مدي أهمية القصيدة الصوفية و سيرة المتصوفة، علي نحو ما أورد من إشارة إلي أسطورة الزاهد بشر بن الحارث، المعروف بالحافي18، في كشف المواقف الروحية داخل هذا المتن الروائي الصوفي، وما تضطلع به من وظائف، من جهة أخري، أبرزُها سقيُ القارئ شهدَ المعرفة الصوفية، و ثمارَ إبداعها الروحي المؤثر. والحقّ أنّ الناقد يجوب دروب هذه الرواية بحزم تتجلي ملامحه في وقفاته المتأملة التي تشمل فعل الشخصيات و سمات المكان و خصوصية اللغة، وطبيعة التكوين الساخر الذي اعتبره من أبرز السمات المهيمنة في هذه الرواية، مع تذكير خاطف بالسياق الجنسي الرّوائي العربي 19 . أما الدراسة الثانية المعنونة ب”الجبال المعرفية في الروايات الصوفية قراءة في رواية “جبل قاف” لعبد الإله بنعرفة” ، فبدت موسومة بكثير من الإيجاز، علي الرغم من مبادرة الناقد بتقديم صورة موجزة لكنها مكثفة حول شخصية الصوفي محيي الدين بن عربي، وحول علمه و زمنه.
والحق أنّه لم يكن أمام الناقد أن يفعل أكثر من ذلك، وهو يواجه أثرا روائيّا زاخرا بالمعارف الصوفية، مشيّدا بلغة صوفية ينيرها الوجد ويتوّجها الرّمز و تثريها المعرفة.
يعلن الناقد:”ولو سرد المؤلف بلغته المعاصرة و أسلوبه الحديث سيرة ابن عربي، لهان الأمر؛ ولكن الرواية جاءت بضمير المتكلم.
ومن هنا وجب أن تكون لغتها لغة ابن عربي، وأسلوبها أسلوب ابن عربي وفق مبدأ تعدد الخطاب في السرد، ومطابقة الكلام للمتكلم و مقتضي الحال من زمان و مكان. ومن يقرأ هذه الرواية، تدهشه بلاغة لغتها، ومتانة عباراتها، وجزالة ألفاظها، وقوة صورها، ومرمي دلالاتها، ومدي اقترابها من لغة ابن عربي.”20 إن اجتهادا روائيا يمتلك مثل هذه المواصفات، يحتاج في حقيقة الأمر إلي وقفة علمية مستقلة، ويكفي الناقد إسهامه في فتح بعض ما غلق من أبواب البحث في هذا المجال من النقد الذي يروم مقاربة السمات الصوفية في سياق السرد الأدبي، الروائي منه و القصصي بوجه خاص.
وقد عشت شخصيا محنة ندرة الكتابة في هذا المجال إثر تحضيري أطروحة الدكتوراه حول “سمة التصوف في القصة المغربية القصيرة”. وما من شك في أن الدراسات المخصصة في هذا الاجتهاد النقدي للسمات الصوفية و حضورها في الروايتين، سوف يمنح للباحثين الشباب فرصة للاطلاع علي تجليات هذا الحضور و مستوياته الفنية المختلفة. المحصلة هذا الأثر النقدي المتميّز بمنزلة حديقة معارف وارفة الظلال، لذيذة الثمار، بهية الأزهار و الأطيار، لا يمكن لمن يطأ عتبتها المعشوشبة أن يخرج منها كما دخل.
فصاحب الحديقة عالم جواد كريم، لا يتهاون في سقي المعرفة، وتشذيب اللغة، وتصميم إيقاع الفقرات، وبعث البهجة و المرح و الاطمئنان في نفوس الزوار، علي نحو ما فعل عباقرة النقد العربي من أمثال الجاحظ و طه حسين و غيرهما.
في هذا الإجتهاد تحاصرك السمات المعرفية المختلفة، منها ما وقفنا عنده، ومنها ما لم نقف عنده مثل:
صورة المبدعين الإنسانية، و السمات السينمائية و الأسطورية و الجغرافية الثقافية و الهندسة المدنية و الفلسفة… وغيرها كثير، مما يطرد الملل و يحقّق المتعة و الفائدة.
والحقّ أنني مدين بالشّكر للنّاقد الذي اصطفاني لهذه الرّحلة، وأرجو أن أكون وفقت في حَفزه إلي تذوّق هذه الثّمرة الطيّبة، مثلما وفّق النّاقد في حَفزي إلي اقتناء بعضِ الآثار الأدبية التي تناولها في هذا الكتاب.
الحب و الإبداع و الجنون دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية، علي القاسمي، دار الثقافة-الدار البيضاء، الطبعة1،2006، ص:5-61- نفسه، ص:62- الخروج من التيه دراسة في سلطة النص، عالم المعرفة 298، نوفمبر 2003، ص:10-113- الحب و الإبداع و الجنون، ص:64- نفسه، ص:195- نفسه، ص:19-206- La Poژtique de l’espace,Quadrige/PUF ,Paris,1989,P:14 7- الحب و الإبداع و الجنون، ص:
ابتداء من الصفحة:968- نفسه، ص:96/1169- نفسه، ص:73 10-نفسه، ص:42 11-نفسه، ص:5112-نفسه، ص:4013-نفسه، ص:11214-نفسه، ص:1915-نفسه، ص:14216-نفسه، ص:14317-نفسه، ص:14418-نفسه، ص:14419- نفسه، ص:146-14720-نفسه، ص:1570