وليد أحمد السيد
ثمة أزمة محزنة ومخزية مرت ولا تزال تمر بها الأمة العربية من محيطها إلي خليجها تتمثل في التبعية وما يمكن تعريفه بعقدة الغرب. وتمر بالمرء خلال فترات من حياته العملية مجموعات من التجارب تتوالي وتتري قد يلقي أو لا يلقي لها بالا. بيد أنني أقف بين فترة وأخري علي محطة من محطات الحياة المزدحمة ساهما مفكرا موليا ظهري للقطار لبرهة لأعيد ترتيب الأوراق ومراجعة الحسابات لإعادة التأكد من وجهة القطار رجاء المقاربة والتسديد. ومن هنا يطيب لي ـ مع ما يعتمل في القلب من مرارة وحزن للمضمون ـ أن أقدم هذه الخواطر بين يدي هذه السطور عجلي ومتعثرة أمام أزمة خطيرة تحتاج لأكثر من مجرد خطرات، فغاية ما ترنو اليه هذه السطور هي نقض خرافات وأوهام عششت وباضت وفرخت في عقول البعض ـ إن لم يكن الأغلبية ـ من العرب العاربة أو تلكم المستعربة فيما يخص العلاقة مع الغرب والتبعية النكدة السمجة له.
يحار المرء ويكاد يستعصي علي الفهم ما يدور رحاه في كافة أرجاء الوطن العربي بعامة. هذه الدويلات والجزر والدول تسمها ثورة عمرانية غير مسبوقة لا يلحقها ـ أو لا ينبغي لها ـ أي من مظاهر الحضارة والثقافة الأخري بحال. وتفاوت هذه الثورة العمرانية بيّن وجلي بين مختلف الأقطار العربية من المحيط الي الخليج كل بحسب متغيرات محلية وإقليمية سواء أكانت ديموغرافية طبيعية أم اقتصادية أم سياسية. بيد أنها في جلها يقسمها قاسم مشترك أعظم هو التبعية الغربية. شاءت الأقدار أن استدعي ومنذ عامين ومن موقعي بلندن، من قبل بعض الجهات العربية المتنفذة والمسؤولة عن التنمية العمرانية في بعض وطننا العربي، كي أعمل كمستشار علي أكثر من مشروع من مشاريع التطوير التخطيطي والعمراني في الشرق الأوسط والخليج العربي. وبحكم خبرتي العملية في مجال العمارة والتخطيط الحضري والتي تقارب العقدين من الزمان فقد أتاح هذا المنصب لي الفرصة للعمل والتنسيق مع أكثر من واحدة من الشركات الغربية التي تطل بنافذة خبراتها علي شرقنا الأوسطي أو خليجنا العربي والتي تم تكليفها ـ لأسباب مجهولة آخرها الكفاءة ـ لتخطط مشاريع في غاية الأهمية الحضارية والثقافية محليا وإقليميا. وبدهيا، قد يفهم المرء، ويكون من المنطقي والمقبول أن تطلب الأمة من غيرها من الأمم ما لا تملك هي. فالمقايضة والتجارة وتبادل الصناعة أمر مقبول جدا وشائع عبر العصور. فاستيراد السيارات في بلد غير صناعي أمر مفهوم، وتظل السيارة، علي أية حال، بعد الاستيراد بضاعة لا تدل علي هوية محلية ولا متعلق حضاري. أما الحال في العمارة والتخطيط فمختلف تماما، إذ هي لا ترتبط فقط بمتعلقات الهوية والحضارة أثناء مرحلة تخليقها في رحم عملية التصميم المعقدة والمتشابكة مع العديد من الاختصاصات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إنما تمتد لتشمل سلوكيات وترسيخ قيم وعادات وتقاليد وأنماط حياة بعد تنفيذ هذه المشاريع. وقد يفهم المرء أيضا أن تطلب العرب المستعربة تصاميم غربية، تزيد في التغريب والاستغراب الثقافي والحضاري، وهنا قد يكون مفهوما أن تتم الاستعانة بخبراء وشركات أوروبية لتصميم هذه العمائر الدخيلة. أما ما لم أفهمه فهو أن تطلب العرب من أوروبا وشركاتها تصاميم تتماشي مع التراث العربي الإسلامي، وهذا ما صادفته. ولعمري إنني لأكاد أحار في موجة السعار التي أصابت بعض العرب فطلبوا من الغرب ما لا يملكون. فأني لغربي أن يعيد تشكيل إحداثيات فكره ضمن ثقافة عربية لا يعي من أبجدياتها شيئا فيعيث في شوارعها وطرقاتها وبنيانها وأسس حضارتها ويعمل قلمه فيها يمينا وشمالا؟ وكيف يتأتي لأوروبي أن يصمم للعرب ما يعيد أمجاد حضارتهم البائدة في الأندلس وغرناطة؟ وهل عقمت أرحام أمهات العرب أن تلد من المعماريين العرب من يحقق تلك المطالب؟ وأين بدران والوكيل وفتحي ومكية وأين وأين؟ ومن المفارقات المبكية أن هذه المشاريع التنموية تنمو وتزدهر وتترعرع في مناخ البؤس العربي. فحين تلم بالأمة العربية مصيبة ونكبة سياسية تفر رؤوس الأموال من البلد المنكوب إلي ما جاوره من البلدان الذي يفتح أبوابه علي مصراعيه فيترعرع الجار إذ أن مصائب قوم عند قوم فوائد.
أخبرني أحد الخبراء الأجانب الذين التقيت بهم أنه قبل ثلاثين سنة ذهب للعمل في إحدي الدول العربية الشرق أوسطية. فاستقبله المحافظ ورئيس البلدية لدي وصوله. وكيف لا وهو الخبير الوافد المكرم. ويسرد لي هذا الخبير بحال السخرية من غباء هذين المسؤولين كيف أنهما أرادا ان ينهلا من معين علمه الجم الغزير. فبادره الأول بالسؤال: نريد شق طريق للمدينة فأي هذين المكانين أكثر مناسبة من هناك أم هناك؟ وأشار بيده لناحيتين مختلفتين عبر الجبال. ويتابع هذا الخبير سرد القصة فيقول لي: ولم أعلم ما أقول إذ لا علم لي بتخطيط المدن ولا معلومات لدي لتسند الإجابة، لكنني كنت مضطرا للإجابة فاخترت احد الطريقين كرأيي الشخصي. فما كان من رئيس البلدية إلا أن نظر للمحافظ نظرة المنتصر وقال له: أرأيت، تماما كما قلت لك! ويتابع هذا الخبير قصته لي فيقول: وركبت السيارة مغادرا للعاصمة وبعد أيام رأيت صورتي بالمجلة وخلفي المسؤولان تبدو عليهما علامات الزهو وكأن لسان حال أحدهما يقول للآخر: أرأيت، تماما كما قلت لك!
ولعمر الحق لقد تاهت العرب وهامت في بيداء التبعية، وبئست وخابت وخسرت تلكم الأموال التي وضعت أمام عصابات الغرب تتناوشها أني شاءت. عصابات من اللصوص المحترفين تدعي الخبرة والمعرفة يحضرون للمشرق كخبراء ومعظمهم من العاطلين عن العمل لولا الكرم العربي. ولعل هذا الغربي قد بلغت به الأمانة أن يخبرني ببعض ما مر به هناك، انما الحال أن هناك الكثيرين ممن عاش وترعرع وما يزال علي هذا الغباء وتلك التبعية الغربية المقيتة التي لا يدفعها شيء إلا انبهار وانخداع بنظام حياة غربي تحكمه معايير لا تتوافر في الشرق. نفس هذا الخبير تابع سرده لقصص يندي لها الجبين. فقد ساهم في تخطيط وتطوير وتوسعة الحرم المكي والحرم المدني بمكة والمدينة المنورة، ويعزو لنفسه الفضل في تحديد خطوط القبلة الدائرية واقتراح خط ليزر أخضر لتحديد القبلة ـ وإن تم رفضه. ما أخبرني هذا الخبير بذلك إلا بعد أن رأي من قدرات بعض العرب علي الإبداع علي نحو لم يصادفه قبلا، إذ صادف قبلا مسؤولين وصانعي قرار ولم يصادف كفاءات وعقولا ممن يزخر بهم وطننا العربي الشاسع والمغمورين تحت عمي الانبهار بالغرب. هذا الانبهار الذي دفع بملياردير عربي الي أن يمرغ أمواله تحت قدمي ثلاثة خبراء فقط يشكلون أحد المكاتب الاستشارية. وقد قال لي أحد المعماريين الإنكليز من شركة أخري تعمل مع شركة الخبراء الثلاثة بلندن: لا أكاد أفهم لماذا يضع هذا الملياردير أمواله في مكتب هندسي تحت خدمة هؤلاء الثلاثة فقط. وما هي حاجته لمكتب بهذا الصغر وهو يدير أعماله في مكاتب هندسية بريطانية أخري؟
أما آن لك يا أمة العرب أن تستفيقي من غفلتك؟ فقد طالت وطال أمدها. ولعمر الحق لقد وجدت هذه الشركات الأوروبية المزعومة التي تبتز ملايين الملايين من الأموال العربية المشاع لكل الشعوب والأمم، والتي هي حرام علي بلابله حلال للطير من كل جنس كما قال أحمد شوقي، رأيت بعض هذه الشركات لا تعدو كونها بضعة أفراد لا يحسن بعضهم استعمال البريد الألكتروني بعد، فيما بعضهم الآخر لا يعدو علمه المعماري ما شاع في السبعينيات من عمارة النكبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولعمر الحق إن أحد الخبراء الأجانب الذين صادفتهم لم يكمل تعليمه المعماري وطرد خارج الكلية بعد السنة الثالثة، وهذا الخبير النابغة يعمل كمدير للشركة ويقوم بزيارات مكوكية للخليج يقابل فيها العملاء والزبائن ليحصل، لا علي مبان، إنما أنصاف مدن وكيلومترات مربعة. ولقد صادفته يوما يتحدث لمدير آخر من الخبراء الوافدين الينا وتناهي الي مسامعي إشارته لاحد زبائنه من الخليج العربي واصفا إياه بالبدين. هكذا ينظر أمثال هؤلاء للغباء العربي وهكذا يضحكون علينا في سرهم وفي علانيتهم. افيقي يا أمة العرب وإلا فلتعمهي في سباتك ورقدتك المهينة إلي يوم الدين!
مدير مجموعة لونارد للعمارة والفنون بلندندكتوراه نظرية العمارة ـ قارئ في العمارة العربية المعاصرة وفي مضمونها التراثيQmk