في عرس الذيب لجيلاني السعدني: تنجو الذئاب القوية فيما تسقط الواهنة منها في الفخاخ المنصوبة لها تباعاً

حجم الخط
0

عدنان حسين أحمد

ضمن برنامج كرافان السينما العربية ـ الأوروبية الذي يسبق فاعليات مهرجان الفيلم العربي في روتردام في دورته السابعة قررت اللجنة التنظيمة التي يشرف عليها كل من د. خالد شوكات والاستاذ انتشال التميمي عرض (12) فيلماً روائياً ووثائقياً طويلاً وقصيراً علي مدي ثلاثة أيام في العاصمة الهولندية أمستردام. وفي الدراسة الآتية قراءة نقدية لفيلم عرس الذيب للمخرج التونسي المعروف جيلاني السعدي الذي يحاول مع نخبة من أقرانه التأسيس لسينما تونسية جادة ومتفردة وذات بصمة فنية خاصة بها. ومن بين الأفلام المنتخبة لهذا الكرافان نذكر ظلال الليل للمخرج الجزائري ناصر بختي، و ليالي هبوط الغجر للعراقي هادي ماهود، و في. أج. اس كجلوشة للتونسي نجيب بالقاضي.

يسعي المخرج التونسي جيلاني سعدي لترسيخ تجربة سينمائية مغايرة، وجريئة. فقد سبق له أن أنجز فيلمين قصيرين وهما المساومة الليلية 1994، و مقهي نزل المستقبل 1997، إضافة الي فيلمه الروائي الطويل الأول خورما الذي أنجزه عام 2003 ونال إثره شهرة طيبة وضعته في مصاف المخرجين التونسيين الشباب المندفعين نحو تأسيس سينما تونسية جادة ومتفردة ببصمتها الخاصة، ونكهتها المحلية حتي وإن أفادت من الواقعيّة الإيطالية ومدرسة دوغما ـ 95 كما يذهب الناقد بيار أبي صعب في إشارته الذكية لرفض المنمقات الأسلوبية، واعتماد البساطة في الديكور. يأتي فيلم عرس الذيب تتويجاً لمسيرته الفنية القصيرة. وقد تعرّض هذا الفيلم الي الكثير من الدراسات النقدية التي تمجّده تارة، وتنال منه تارة أخري. وللوقوف علي طبيعة هذا الفيلم من الناحيتين الفنية والفكرية لا بد من تشريح ثيمة الفيلم أولاً، وتفكيك منظومة البنية الفكرية له أسلوبياً وجمالياً.

قاع المدينة القديمةاختار المخرج جيلاني السعدي المدينة القديمة مسرحاً لأحداث فيلمه المعنون بـ عرس الذيب وقد منح الفيلم عنواناً آخر بالإنكليزية وهو Tender is the wolf ويعني رقيق هو الذئب غير أن المعني الدقيق هنا هو ضعيف أو واهن أو هش أو قابل للكسر، أو محب أو حنون أو ناعم هو الذئب الذي ظهر أمامنا في هذا الفيلم طالما أنه ينتمي الي مجموعة من الذئاب البشرية التي تفترس كل يوم ضحية جديدة من أبناء وبنات الحي القديم في العاصمة التونسية التي تمثل القاع الساخن لهذا البلد الذي لم ينصف مواطنيه، ولم يفتح لهم أبواب الأمل والعمل والحياة الحقيقية التي تليق بالشباب في أي مكان من هذا العالم المليء بالتناقضات. احتج البعض نقاداً ومشاهدين تونسيين علي أن الفيلم لا ينتمي حقيقة الي الواقع التونسي رغم إقرارهم بأن حادثة الاغتصاب يمكن أن تقع في أي بلد في هذا العالم غير أن لا وعيهم الجمعي العميق لا يحبِّذ أن تكون تونس مسرحاً لهذه الواقعة التي تجرح أحاسيسهم الداخلية العميقة. ومع أن القاع في أي مدينة في العالم يشهد كل يوم مئات وربما آلاف الحوادث التي تنتهك أعراض أناس شرفاء أو من الضحايا الذين نصفهم ظلماً وجوراً بصفات منحطة ولا أخلاقية، إلا أن هؤلاء المعترضين فضلّوا الاعتراض علي ثيمة الفيلم ومناوأة فكرته الأساسية التي وجدوا فيها تجنياً علي أخلاقية المجتمع التونسي الذي لا يستحق هذا التلويث المتعمَد لردائه الأخلاقي الأبيض.

تعدد الثيمات والمحاورلا بد من الإشارة الي أن نسبة غير قليلة من المخرجين العرب هم الذين يكتبون سيناريوهات أفلامهم الروائية أو الوثائقية، وربما لا يجد بعضهم حرجاً في التصوير والمونتاج وما الي ذلك من أمور فنية وتقنية تحت حجج وذرائع شتي، في حين أن واقع الحال يتطلب التخصص. فحينما يكون المُنتِج شخصاً آخر فإنه سيرمي ما لا حاجة به فنياً الي سلّة المهملات، بينما يجد المخرج الذي صور الفيلم بنفسه صعوبة في اقتطاع العديد من المشاهد التي بذل فيها جهداً كبيراً ومضنياً بحسب اعتقاده، لذلك فإن مقصه لا يكون قاسياً في هذه الحالة، بينما يفعل العكس لو كان المونتير شخصاً ثانياً. كتب قصة هذا الفيلم المخرج جيلاني السعدي نفسه، ولذلك فقد ظل أميناً علي أطروحاته الفكرية، ووفياً لقناعاته الخاصة التي لا يري فيها عيباً أو زللاً، أو تجنياً علي الحقائق. لا يقتصر هذا الحرص علي القناعات وحدها، وإنما يمتد ليشمل الجوانب الفنية والتقنية برمتها. فالفيلم من وجهة نظره يعالج ثيمات عدة لعل أبرزها بحسب المساحة التي شغلتها في الفيلم هي ثيمة الاغتصاب و البطالة و العنف الأسري والاجتماعي و التشرد و التمرد وما الي ذلك. لنبدأ بالعنوان الذي انضوي تحت دلالة إشكالية مركبّة وهي عرس الذيب فأي من الذئاب البشرية نستطيع أن نحيل إليه العرس، هل نحيله الي الذئب الجريح الذي لم يعتدِ علي المومس الراقصة، ولم يلمسها إلا لاحقاً بعد أن أحبها، ومارس معها حباً لم ترفضه؟ أم أن الذئاب الأخري هي التي أقامت عرساً جماعياً علي ضحية واحدة وجدت نفسها في لحظة غامضة بين مخالب شهواتهم الآنية التي لا ترحم؟ ومع امكانية قبول الاحتمالين، إلا أن الإحالة الأولي هي أقرب الي الحقيقة لأنه في عالم الذئاب يدفع، الذئب الأضعف أو الأرق أو الأكثر هشاشة، ثمناً فادحاً وغالياً، لأن الذئاب القوية المتجبرة تنجو بجلدها غالباً، فيما تقع الذئاب الضعيفة الواهنة في كل الفخاخ المنصوبة لها تباعاً. وهذا هو التفسير الأكثر عقلانية في سياق النص الفكري والبصري الذي شاهدناه ولمسناه لمس اليد. فصطوفة محمد قريع هو شاب تونسي عاطل عن العمل، ولا يزال يعتمد علي والده في تحصيل مصروفه اليومي. وقد اشتبك مع والده في مشادة كلامية ترك إثرها المنزل ليلتحق بأصدقائه المشردين الذين ينتمون الي القاع الاجتماعي ذاته حيث كانوا يشربون البيرة علي قارعة طريق في حي شعبي يتوسط المدينة القديمة. وحينما تأخذهم نشوة الخمر يمسكون بـ سلوي التي تقمصت شخصية المومس الراقصة بإتقان عالٍ الفنانة أنيسة داوود ويغتصبونها تباعاً من دون أن يتدخل أي من أفراد الحي القديم وكأن ما يحدث مسألة عابرة وعادية لا تستحق العناء والاهتمام. وعلي الرغم من أن صطوفة حاول منعهم غير مرة، إلا أنه تعرّض للضرب والإهانة والتقريع. وحينما تقرر سلوي الانتقام من هذه الشلة لا تستثني صطوفة الذي دافع عنها، وتعاطف معها، غير أن نظرية الذئب الأضعف التي يؤمن بها جيلاني السعدي هي التي تحققت وسادت في سياق النص البصري. فلقد دفع صطوفة الثمن غالياً حيث هجم عليه عصبة من الشباب يقودهم شقيق سلوي المجرم، وأشبعوه ضرباً ولكماً، ثم خلعوا ملابسه، وقذفوا به فوق أكداس النفايات ليلتقطه بعض المارة ويحملونه علي عربة خضار الي المستشفي عارياً إلا من لباسه الداخلي. وفي المستشفي يرفض صطوفة الكلام، وحينما تسنح له أول فرصة يهرب من المستشفي عارياً في شوارع الحي القديم حتي يصل الي منزله، ويرتدي ملابسه مقرراً الانتقام من سلوي. وفي الليلة ذاتها يذهب الي الملهي الليلي الذي تغني وترقص فيه. وبالفعل يتمكن من خطفها وحبسها في شقة عارية من الأثاث تقريباً، غير أن اللافت للنظر هو تفجر علاقة حانية غير متوقعة بينه وبين سلوي تفضي الي ممارسة الحب عن قناعة. وفي خضم التواصل الجنسي يطلب صطوفة الزواج منها، وهو ما لا تريده سلوي التي اعتادت علي حياة الرقص والغناء والمتاجرة بالجسد. وفي الصباح تنسي سلوي عرضه السخي للزواج منها والهروب الي جزيرة (Cap Vrede) كي يحتسي الروم ويشوي السمك ويستمع إلي سيزاريا ايفورا. أما بقية أفراد العصابة فكل ينال حصته من الضرب المبرح والإهانة اللهم إلا الكائن الأمهق أو الأشهب حيث يؤنبه ضميره ويقرر إلقاء نفسه تحت عجلات القطار غير مرة، لكن صديقه صطوفة ينقذه في اللحظة المناسبة، ويعلن توبته من الإثم الكبير الذي ارتكبه هذا الألبينو الذي يشبه خروفاً أسود في قطيع أبيض.

جرأة الفنانة أنيسة داوودسبق لأنيسة داوود أن اشتركت في فيلم هي وهو للمخرج الشاب ألياس بكار، ولم تجد حرجاً في أن تؤدي بعض الأدوار الساخنة فيه، وهي أدوار إيروسية تتطلبها ثيمة الفيلم ضمن سياقه البنائي العام، أي أنها ببساطة لم تقع في فخ الإغراء أو العري أو الجنس المبتذل. وقد تكررت هذه التجربة في عرس الذيب أيضاً. فمشهد الاغتصاب لم يكن تفاديه إلا بالطريقة التي تكشف وتدين عملية التناوب في اغتصابها وانتهاكها في منتصف الليل، كما لم يستطع المخرج أن يتفادي مشهد التواصل الجنسي الذي حدث برضاها مع صطوفة الذي وقع في حبها من دون مبررات مشجعة أو مقنعة لهذا الحب الذي انفجر من دون سابق إنذار. ومما يؤاخذ عليه المخرج في هذا الفيلم هو المبالغة في العديد من المواقف أبرزها نقل صطوفة علي عربة خضار لمدة طويلة من الزمن كان يمكن تفاديه بلقطة موحية واحدة. كما أن مشاهد الرقص والغناء كانت طويلة ومملة ولا تحتاج الي هذا الإسهاب لكي يدرك المشاهد أنه في ملهي أو علبة ليل. وربما يكون رأي الناقد أمير العمري دقيقاً جداً حينما وصف الكثير من لقطات ومشاهد الفيلم بـ الثرثرة البصرية اللامبررة والفائضة عن الحاجة.

كاتب من العراق يقيم في امستردام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية