سليم عزوز
رائع ان تنهي يومك برؤية خديجة بن قنة، ففي الأسبوع الماضي كنت محظوظا، لانه وليومين متتاليين، شاهدتها، وكان هذا هو آخر ما فعلته فيهما، وقبل ان أوي الي فراشي باعتبار ان نوم الظالم عبادة.
المرة الأولي وهي تقرأ نشرة الأخبار، والثانية وهي تقدم برنامج (ما وراء الخبر)، وكان ذلك في إعادة بثه، وقد بدت لي خديجة انها ليست في (الفورمة). في اليوم الأول أرجعت ذلك إلي ان الأخبار كلها كانت كارثية، وفي اليوم الثاني أرجعت السيدة حرمنا الأمر إلي ان أختنا في الله خديجة مهمومة بأبنائها بسبب الامتحانات، لا ادري لماذا هي مصرة علي ان بن قنة لها أولاد في المدارس، وأنها تقضي يومها وليلها تذاكر لهم؟.. كما لو كانوا ملحقين بمدارس تابعة لوزارة التعليم في مصر، حيث يقوم الأمر علي الحشو والحفظ والتلقين، والتأكيد للتلاميذ وأولياء أمورهم علي انهم جهلة ابا عن جد!
إصرار غريب من السيدة حرمنا، مع ان خديجة بن قنة، تبدو انها لم تدخل دنيا بعد، وعلي الأكثر انها مخطوبة، اللهم الا اذا كانت تنتمي الي قبيلة جزائرية تري ان الزواج المبكر للبنت سُترة، وليس هذا موضوعنا، والذي قبل ان ندلف إليه أود ان أشير الي ان المذكورة وهي ليست في (الفورمة)، افضل من كل نساء فضائيات العرب والعجم، وهن فيها.. أي في (الفورمة)! في اليوم الثاني ذهبت لكي أشاهد نشرة الأخبار في الجزيرة، لكي اختم بها يومي.. نكد انا، وقد غالبني النعاس، وانتظرت الي نهاية النشرة، حتي اقف علي موقف مكتب القاهرة من قضية المعارض المصري الدكتور ايمن نور، فقد كانت محكمة القضاء الإداري تنظر في هذا اليوم أمر الإفراج الصحي عنه، وكانت الدعوي محجوزة للحكم، لكن رئيس المحكمة انتدب خبراء من الطب الشرعي للنظر في التقارير الصحية حول حالة الرجل. وقد اكتشفت ان القناة القطرية اكتفت بان تلقي بخبر في اسفل الشاشة عبر شريط الأخبار.. لا ضير فشيء افضل من لا شيء، وحتي لا نظلم المكتب فلا ندري ما اذا كان هذا راجعا الي أداء المراسلين في القاهرة، وحساباتهم المعقدة، ام ان الأمر مرده إلي الإدارة الاخوانية التي يقال انها تسيطر علي القناة الان، وربما تحرص علي ألا يعرف العالم ان هناك معارضين في مصر المحروسة سوي أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وربما لان شرطهم للاهتمام بقضية ما، ان يكون صاحبها يصوم الاثنين والخميس!
الجزيرة فاجأتني بتقرير أعده وقدمه حسين عبد الغني، مدير مكتبها في القاهرة، عن (أزمة الجسر) الذي هدف لربط المملكة العربية السعودية بمصر، وهو المشروع الذي أعلنت المملكة ان خادم الحرمين الشريفين سيضع حجر أساسه، فإذا بالرئيس مبارك يقول ان هذا المشروع شائعة. وكان ذلك قبل أسبوع بالتمام والكلام، وقد ناقشت الفضائيات الأزمة، وأشبعتها مناقشة، بل ان زميلا في قناة (الحوار) اتصل بي هاتفيا من الشقيقة لندن، في نفس اليوم ليقف علي صحة نفي الرئيس، بعد ساعة من إعلانه، وقد أخبرته أنني لا علم لي بما صرح به، بعدها علمت من أحد الزملاء ان تصريحاته جاءت في جريدة (المساء) القاهرية التي صدرت توا، واتصلت بالزميل لاطلب منه الاطلاع علي نص تصريحاته في موقع الصحيفة علي الإنترنت، وطوال اليوم وفي اليوم التالي قامت الفضائيات العربية بمناقشة الأزمة، بما في ذلك فضائيات بئر السلم، وعندما تأتي (الجزيرة) بكل إمكانياتها لتناقشها بعد أسبوع، فان هذا ليس له الا معني واحد، وهو ان القناة كانت قد كلفت مكتب القاهرة بصلاة الاستخارة، وبعد سبعة أيام اتصل حسين عبد الغني بها، وقال انه رأي فيما يري النائم انه بسم الله ما شاء الله كان لابسا اخضر في اخضر، ويسير علي الجسر رايح.. جاي. فهتفت القناة: انها البشارة.
التقرير المنشور استضاف الدكتور عبد المنعم سعيد الذي قال ولم يقل، وتحدث لكننا لم نقف علي ما يريد قوله، فكلامه لم يبارح (عتبة فمه)، فقد أحرج النظام المصري رجاله بموقفه، والرجل هو من سدنة لجنة السياسات، الجناح القوي للحزب الحاكم بزعامة جمال مبارك. وقد استضاف معد التقرير جنرالا متقاعدا، وهناك بعد أمني في الموضوع، فمن ضمن مبررات الرفض ان الجسر سيسهل مهام الإرهابيين، وفي ظرف دقائق يكون الإرهابي قد خرج من المملكة الي مصر، وارتكب جريمته وعاد إليها ترافقه السلامة ليختبئ في صحراء نجد. فضلا عن ان هناك من يقول ان إسرائيل رفضت هذا الجسر لانه سيهدد الأمن القومي للدولة العبرية، وكان ينبغي ان يكون كلام الجنرال حول الجانب الأمني، بدلا من تركه يتحدث في السياسة!
من الواضح ان العجلة في إعداد التقرير كانت السبب، ولا يمكن ان يكون الحساب منذ ان صرح الرئيس المصري بما صرح به، فالحساب هو من لحظة ان رأي حسين عبد الغني البشارة، فترك الميكروفون أمام الضيوف ليقول كل واحد منهم ما يريد قوله من باب الإنجاز، وعلي طريقة عبد الرحمن الابنودي في السيرة الهلالية: قول يا عم جابر!
الابنودي كان يقدم برنامجا أسبوعيا علي الإذاعة المصرية قبل ثلاثين سنة يروي فيه سيرة بني هلال، حيث كانت تقوم فكرة البرنامج علي ان يروي عبد الرحمن الابنودي جزءا من سيرتهم، ثم يشير الي شاعر الربابة جابر ابو حسين بقوله: قول يا عم جابر، وأحيانا قول: يا عم سيد، عندما كان يستعين بشاعر الربابة أيضا السيد الضوي. وقد كان الابنودي أحيانا ما يصحح خطأ وقع فيه عم سيد او عم جابر، وذات مرة كان عم جابر يغني، وهو يعزف علي ربابته، ذاكرا حوارا بين الهلالي سلامة واحد أبطال السيرة، واخذت عم جابر الجلالة وتعامل علي ان القوم يعيشون في زماننا ويستخدمون الكهرباء في الإضاءة، ومن ثم انقطعت الكهرباء وقت هذا الحوار، لكن عبد الرحمن صوبه، واعتذر للمستمعين، لان عم جابر شاعر والشعراء أحيانا لا يلتزمون بحرفية الأحداث، بيد ان أبنودي الجزيرة لم يفعل.
لقد انتهت نشرة أخبار الجزيرة، وانتهي تقرير عبد الغني عن فتنة الجسر، لنفاجأ بان برنامج (ما وراء الخبر) قد خصص حلقته حول موضوع الجسر، في هذا اليوم الطيب المبارك.. وهو اليوم الذي أتت فيه البشارة، بمناقشة الموضوع الذي مر علي حدوثه اكثر من أسبوع، مع ان حلقة البرنامج حول التقرير السنوي لاتحاد الصحافيين العرب كانت في نفس يوم صدوره، وهكذا عودنا هذا البرنامج منذ ان تم تدشينه، لكن لا ضير، فقد ورد في الاثر ان كل تأخيرة وفيها خيرة!
الغريب ان خديجة بن قنة استهلت حلقتها بتقرير مكتب القاهرة، الذي كان قد تم بثه منذ لحظات، وان كانوا في النشرة قد حذفوا بعض الفقرات. ولان حسين عبد الغني لم يأتي بالذئب من ذيله، فكان الأدعي ان يتم تكليف آخر بتقرير لحلقة البرنامج، اللهم الا اذا كانت إدارة القناة بحكم كونها متدينة، تأخذ بسياسة ترشيد الإنفاق، فالمبذرون هم اخوان الشياطين، وربما لان الاحتفاء بتقرير القاهرة مرده الي الاعتزاز بصاحبه الذي جاءته البشارة بعد أسبوع من صلاة الاستخارة!
الدور المصري المخطوف ما علينا، فخديجة بن قنة استضافت من القاهرة عبد الله السناوي رئيس تحرير (العربي)، جريدة الحزب الناصري، واسامة سرايا رئيس تحرير (الأهرام)، ومن السعودية خالد الدخيل أستاذ علم الاجتماع السياسي. وقد كان السناوي واضحا عندما ارجع الرفض المصري الي ان العلاقات المصرية السعودية ليست علي ما يرام، بعد ان خطفت المملكة الدور المصري، وان كان قد لام الجانب المصري لانه تخلي عن هذا الدور، كما ارجع الرفض الي الاستجابة لتعليمات أمريكية وإسرائيلية في هذا الصدد!
أسامة سرايا كان في وضع لا يحسد عليه، وكم تمنيت ان يكون ممثل اهل الحكم أحد غلمان الحزب الحاكم، الذين يحرضون السلطة علي سرايا لتطيح به، لانه يسعي للمحافظة ـ ما استطاع ـ علي الوقار التاريخي لـ لأهرام، ويأبوا الي ان يأخذوه معهم بسيف الابتزاز الي المستنقع، حتي أصبحنا نشاهد في هذه الصحيفة تقارير صحافية لا يكتبها مخبر امي خجلا!
سرايا من ناحية عز عليه ان تكون العلاقات المصرية ـ السعودية (بعافية) فهي متينة وناضجة ولله الحمد، ومن ناحية فان السعودية لم تأخذ دور الريادة من مصر فالراية لا تزال في مصر، ولكن السعودية دولة مهمة في المنطقة، وقال ان مصر لم ترفض الجسر، وتعامل مع موضوعه كما لو كان من أوله الي آخره كلام جرايد، فلا الملك عبد الله كان ينوي وضع حجر الأساس، ولا مبارك قال ان موضوع الجسر كان شائعة. فبرأيه ان هذا المشروع كان فكرة مصر في الثمانينات، والسعودية رفضت، لكن هناك أمور جدت، فشرم الشيخ صارت من أهم المنتجعات العالمية، ويأتي اليها كل عام خمسة ملايين سائح، والجسر بما يحمله من الدهماء سيطفش السياح الأجانب!
كان أسامة يتكلم وعبارات تكتب علي الشاشة ترد عليه: فيقول ان مصر لم ترفض الجسر، والمكتوب: مبارك يعتبر إقامة جسر بين السعودية ومصر مجرد إشاعة. واسامة يقول الجسر سيؤثر علي السياحة، والمكتوب: منسق مشروع الجسر يقول ان الجسر يبعد 8 كلم عن شرم الشيخ ويحذر من إلغائه. واسامة يوحي بان الرفض نابع من المصلحة المصرية، والتعليق المكتوب علي الشاشة: صحف إسرائيلية تقول ان تل أبيب غير مرتاحة لاقامة جسر بين مصر والسعودية! ظللت متعاطفا مع أسامة الي ان علا صوته في حضرة خديجة بن قنة، عندما قالت له عن التناقض في كلامه، فهب غاضبا اين هو التناقض؟ مع ان كلامه كله متناقض وهو معذور، فقد جاء يدافع عن متهم قضيته خاسرة، وما قاله لم يقنع الجنين في بطن أمه الذي نطق في الانتخابات الرئاسية الماضية وقال نعم للرئيس مبارك!
عموما لقد كانت حلقة (ما وراء الخبر) تحتاج الي وقت مضاعف، لأنها انتهت وبدا علي الضيوف انهم لم يقولوا كل ما يريدون قوله!
أرض ـ جو حمدي الطحان رئيس لجنة النقل بالبرلمان المصري ونائب الحزب الحاكم، قال انه ممنوع من الظهور علي شاشة تلفزيون الريادة الإعلامية، والسبب انه سبق وان اختلف مع انس الفقي وزير الإعلام. فهموا هذا الوزير ان التلفزيون هو تلفزيون مصر، ولم تؤول اليه ملكيته بالميراث عن طريق (دادي)! كل يوم نقرأ أخبارا تقول ان النية تتجه للاستغناء عن خدمات هالة سرحان بعد حلقة بنات الليل الشهيرة، وأطمئنكم ان هالة قاعدة علي قلوبكم، فالأمير المفدي صاحب روتانا كان موافقا علي بث الحلقة المذكورة!
كاتب وصحافي من مصر[email protected]