الطاهر الطويل
منذ مدة، ابتكرت الذاكرة الشعبية مقولة مفادها: إذا أردت شراء الخضر بأثمان معقولة فاذهب لشرائها من التلفزيون! . ذلك أن هذا الجهاز في المغرب وفي غيره من البلدان العربية يقدم أثمانا غير تلك الموجودة في السوق. فكلما ارتفعت أسعار الخضر إلا وحاول التلفزيون طمأنة المواطنين، من خلال تبشيرهم بأن الأسعار مناسبة، وأن لا خوف عليهم من لهيب الأسواق وجشع الباعة.
هكذا يتبين أن للتلفزيون دورا أمنيا، حتي لا نقول تخديريا أو تضليليا. فكلما لاحظت السلطة السياسية وجود حادث اجتماعي أو اقتصادي قد يشكل أزمة داخل البلد، إلا وسارعت تلك السلطة بإعطاء تعليماتها للقائمين علي التلفزيون لإشاعة الطمأنينة وسط الناس وبث أخبار تفيد بوجود انفراج. كأنهم يستعملون حقن التسكين والتهدئة.
خلال الشهور الأخيرة، استغل بعض المسؤولين المغاربة التلفزيون للقيام بهذا الدور. فعندما ارتفعت أصوات الاحتجاج في أكثر من مدينة مغربية، مطالبة الحكومة بالتراجع عن الزيادات التي همّت أسعار مجموعة من المواد الاستهلاكية وكذا أثمان تذاكر حافلات النقل العمومي، أطل وزير الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي محمد الطالبي العلمي من خلال شاشة التلفزيون، ليزف للمواطنين المقهورين خبرا مفاده أن الحكومة اتفقت مع مسؤولي الحافلات الحضرية علي التراجع عن الزيادة في أثمان التذاكر. قال المواطن البسيط المغلوب علي أمره: الحمد لله أن الحكومة أصبحت تفكر بمعاناتنا ومشكلاتنا. وحين استيقظ في اليوم الموالي واستقل الحافلة، فوجئ بأن ثمنها ما زال مرتفعا. حينها توجه للجابي بالسؤال التالي: ألم يقولوا أمس في التلفزيون إنه وقع التراجع عن الزيادة في ثمن التذكرة؟ فأجابه الجابي ساخرا: إذنْ، اذهب لتقتني تذكرتك من التلفزيون! . هذه واحدة. والحكاية الثانية تخص وزيرا آخر اسمه عبد الكريم غلاب ويشرف علي قطاع النقل (المواصلات). فقد أراد في برنامج تلفزيوني أن يظهر ـ هو الآخر ـ بمظهر المدافع عن الحقوق والمعارض لانتهاك القوانين. لنعد إلي بداية الحكاية:
قبل بضعة شهور، تفجر النقاش في عدد من المدن المغربية بخصوص مطبات أو حواجز إسمنتية زُرعت بعرض الشوارع والأزقة، مما صارت تشكل عرقلة كبيرة في السير لمستعملي السيارات والحافلات والتاكسيات الكبيرة والصغيرة. المسؤولون الذين رخّصوا بتثبيت تلك المطبات يتذرعون بكونها وسيلة لإجبار السائقين علي تخفيض السرعة داخل المدن، وبالتالي التقليل من حوادث السير. لكن المتضررين يردّون بالقول: إن تلك المطبات موضوعة بشكل عشوائي وكثيف ومزعج، فالمسافة التي تفصل مطبة عن أخري في كل شارع أو زقاق لا تتعدي عشرة أمتار تقريبا. مما يجعل حركة السيارات أشبه بمشية السلاحف. وفضلا عن كون المطبات تعرقل السير وتزعج السائقين، فإنها تؤثر سلبا علي الحالة الميكانيكية للسيارات ومحركاتها. العارفون بخبايا الأمور يعتبرون أن المسؤولين لم يرخصوا بوضع تلك المطبات من باب الخوف علي صحة المواطنين وسلامتهم أو الرغبة في التقليل من حوادث السير، وإنما كل ما في الأمر أن المسألة تتعلق بصفقات مشبوهة جرت بين مسؤولي بعض المجال البلدية ومقاولي البناء من أجل وضع تلك المطبات مقابل عمولة تذهب إلي جيوب شخصية.
الصحافة المحلية لم تسكت عن هذه الفضيحة بتداعياتها القانونية والاجتماعية وحتي السياسية، فقد كتبت عنها كثيرا، لكن من غير أن يتحرك أي ساكن، وصدق الشاعر إذ قال:
قد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي!
أحد الصحافيين، هو عبد الرحيم أريري مدير أسبوعية الوطن الآن لم يكتف بإثارة الموضوع في جريدته فحسب، بل انتهز فرصة برنامج تلفزيوني مباشر كان مشاركا فيه، وامتلك الشجاعة لمواجهة عبد الكريم غلاب وزير النقل بالسؤال التالي: ما رأيك في المطبات التي امتلأت بها شوارع الدار البيضاء وأزقتها؟ وكم كانت المفاجأة كبيرة حين أجاب الوزير علي الفور: بالفعل، إن وجودها غير قانوني! لا شك في أن مواطنين كثيرين ممن كانوا يتتبعون برنامج حوار الشهير، رددوا في سرهم: برافو مستر غلاب! ولا شك أيضا أنهم باتوا يحلمون بالشوارع وقد خلت من الحواجز والمطبات، وأنهم سيقودون سياراتهم فيها لكل راحة واطمئنان. ولكن شيئا من هذا لم يحدث علي أرض الواقع!
أما الحكاية الثالثة فتمثل هي أيضا جانبا آخر من معاناة أصحاب السيارات في مدينتي الرباط والدار البيضاء بالخصوص، لقد عملت المجالس البلدية علي تفويت مساحات في الشوارع والأزقة لفائدة بعض الشركات، فصار وقوف السيارات بها يستلزم اقتناء تذكرة من شباك أوتوماتيكي، وفي حالة إهمال ذلك أو نسيانه، يضع عمال تلك الشركة فخا حديديا علي إحدي عجلات السيارة، لا يمكن إزالته سوي بدفع ضريبة. وسائل الإعلام أكدت أن هذه الضريبة وذلك الفخ غير قانونيين، والمحكمة حكمت لصالح أحد المحاميين رفع دعوي ضد تلك الشركة، ولكن الوضع ما زال قائما لحد الساعة. فهل توجد في المغرب حكومتان: واحدة تمثلها المجالس البلدية والشركات الكبري، وتتصرف كما تشاء مع المواطنين ومع القوانين، وأخري يمثلها فريق الوزراء الذي يتقن شيئا واحدا فقط: محاولة طمأنة الجميع بأن كل شيء بخير في هذا البلد السعيد!
حكاية رابعة وأخيرة: عاد بعض المسؤولين المغاربة إلي الحديث عن وجود البترول في المغرب، وتوَقّعوا أن تحصل الثورة النفطية طال الزمان أم قصر. قالها محمد بوطالب وزير الطاقة والمعادن. وقالتها أمينة بنخضرا المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمناجم. وقالها موسي السعدي وزير الطاقة والمعادن سابقا.
أهذا محض صدفة؟ كلما كان المغرب يعيش وضعية اجتماعية أو اقتصادية صعبة أو مُقْبِلاً عليها، إلا ورُمِي للمواطنين بجَزَرَة يتلهّوْن بها، لينسوا أصل المشاكل ومُضاعَفاتها وتداعياتها السلبية! ما أشبة الليلة بالبارحة! أواخر التسعينات وبداية الألفية الجديدة، وفي عِزّ الجفاف والسنوات العِجاف، ردّد المسؤولون الحكوميون: البترول موجود في المغرب. وكُلُّنا يتذكر قصة تالسنت، عندما بَشّرتنا الحكومة العتيدة بقُرب تَحوُّل منطقة جرداء في الجنوب الشرقي للمغرب إلي آبار يفيض منها الذهب الأسود، وانساقت شركة أمريكية وراء هذا السراب؛ لدرجة أن وزير الطاقة والمعادن آنذاك يوسف الطاهري الجوطي (رحمه الله)، مِن فرط الحلم، تخيّلَ أن المغرب يتوفر علي احتياطي يزيد عن 10 مليارات برميل من النفط، حينها قال له الخبير أبراهام السرفاتي ما مفاده: لا تحلم كثيرا يا صاحبي! . واليوم، يُعيد التاريخ نفسه، فقد أراد البعض أن يُحوّل أنظار الناس عن النار التي يكتوون بها يوميا، نار الزيادات المتتالية في أسعار المواد الاستهلاكية ووسائل النقل والمحروقات. وقيل لهم: هذه المرة، نؤكد لكم أن أحواض البترول لا تقتصر علي منطقة صغيرة في الشرق، ولكنها موجودة في سهول الغرب وعتبات جبال الريف ورمال الجنوب، وحتي في البحر!
أي شخص يمتلك ذَرّة من التفكير يمكن أن يُصدِّق سراب البترول الموعود، وهو يري ثروات أخري لا تقلّ أهمية عنه موجودة بكثرة في البلاد، ولكن أثمانها مرتفعة جدا: الخضراوات، الفواكه، الأسماك… ؟ مَن يُصدّق وعود المسؤولين، وهناك ثروة أخري أهمّ من البترول تذهب سُدي؛ إنها الكفاءات البشرية الشابة في مجالات علمية وتقنية وفكرية متعددة، التي تعيش إحدي الحالتين: إما الإحباط نتيجة البطالة القسرية، وإما الغربة في بلدان هاجر لها المحظوظون مُرغمين لا راضين؟ نجومية من نوع خاص في إحدي البلدان الخليجية، صدر قرار بعدم بث برامج قراء الحظوظ وفقهاء تفسير الأحلام وتحليل الطبائع البشرية. لا يمكن أن نصدق أن سبب هذا القرار هو محاربة الخرافات وأساليب رجم الغيب، وإبعادها من التلفزيونات، فجل الأنظمة العربية تعتمد الخرافة والشعوذة والدجل لتخدير شعوبها وتضليلها. ولكن كل ما في الأمر أن أصحاب برامج الحظوظ والأحلام أصبحوا نجوما ذوي شعبية عالية، وينافسون معالي الوزراء وفخامة الرؤساء والأمراء أو يتفوقون عليهم في النجومية. وبالتالي، فإذا قامت ـ لا قدر الله ـ انتخابات ديمقراطية حقيقية، فسيكون الفوز فيها لقراء الفنجان ومفسري الأحلام، علي حساب الوزراء والأمراء ممن يحسبون أن الشعب يلهج بشكرهم ومحبتهم صباح مساء.
كاتب صحافي من المغرب[email protected]