اختبار لبنان: احباط الفتنة الصغري قبل حلول الكبري

حجم الخط
0

مطاع صفدي

كل الأوصاف التي تُطلق علي كارثة نهر البارد في لبنان والتحليلات الصوتية والمكتوبة التي تحفّ بأصدائها من كل جهة حتي تكاد تخفي وجهها الأصلي، كل هذا الهذر الاعلامي لا يمكنه إحداث أية تغييرات أو انزياحات في مجريات الكارثة، أو تعدّل قليلاً من نتائجها علي مجمل المسرحة السياسية الأمنية المفتوحة من أوسع أبوابها منذ مقتل الحريري والخروج العسكري السوري، وعبر مسلسل الاغتيالات، وصولاً إلي أعمق انقسام بنيوي عرفه المجتمع اللبناني منذ الاستقلال متخطياً ثنائية الموالاة والمعارضة إلي خارطة مستحدثة من الاصطفافات الشعبية المتضادة، والمختلفة علي مصير الدولة والوطن، وليس حول هويته الطائفية والمذهبية فحسب.

المفجع في الموضوع اللبناني دائماً هو هذا الجسم الاجتماعي الرخو القابل لأضعف الاختراقات الخارجية، فكيف إن كان، أو أصبح الاختراق من النوع القوي العنيد الذي لا يستثير مقاومة جماعية من قبل أهم فئاته، بقدر ما يزيد في تفرقها وفي شدة الاستقطاب الحاد بين أركانها.

كارثة النهر البارد تقدم مادة دسمة للاستثمار السياسي المسعور، وتوظيف دلالاتها، المحرّفة غالباً، لصالح هذا المعسكر مقابل الآخر. لا ينصب اهتمام (الكبار) علي المعالجة المسؤولة السريعة. فليس لدي أحد من هؤلاء حلول جاهزة أو قابلة للتجهيز والتفعيل الفوري، لا سيما أن أية جهة لا تريد مواجهة الأسباب الحقيقية، بل تدع الأحداث تتوالد من بعضها تحت طائلة الصدف الهوجاء والتدخلات المشبوهة أو العابثة. ومع ذلك فليست الصدفة وحدها هي المتحكمة في توالد الوقائع بالنسبة لكل ما يجتاح الخارطة العربية والإسلامية من الأهوال. وفي المشرق العربي بخاصة حيثما تعيش المنطقة كلها إما وسط الأحداث الدامية أو علي ضفافها، لا يمكن فصل بؤرة لاهبة عن أخري جارتها، هادئة نسبياً أو مرشحة لأدوار تنتظرها. غير أن من أجل قراءة العناوين الفرعية في النص الحدثي ينبغي البدء بالعنوان الرئيسي. وهو لا يخرج أبداً عن الفاعل الأمريكي الاسرائيلي. وفي هذه اللحظة الذروية من غَلَبَة الحدث الدموي الجماعي علي سواه، يتكشف العنوان الرئيسي تحت مصطلح استراتيجية التعويض عن الخسائر، التي أمست تلخص نهاية الخدمة البوشية في البيت الأبيض. فهذه المرحلة من نهاية الرحلة الرئاسية، تتميز الأمركة البوشية بتسارع الضربات العشوائية، التي ليس من مهمتها تحقيق أهداف حقيقية بعيدة المدي؛ بل هي ضرب من إثبات الوجود الذاتي المتهلهل من ناحية، وتثبيت المزيد من عوامل التدمير للخصم المفترض من ناحية أخري.

كلا الحليفين (الجبارين) الأمريكي والاسرائيلي، يعانيان أمام الملأ العالمي، في اللحظة الراهنة الحرجة، من أعباء الاحباط المزدوج في جبهتي الداخل والخارج لكل منهما. فالبوشية أمست محكومة بكشف حساباتها المتردية أمام كل من مؤسساتها التشريعية والرأي العام الوطني لمجتمعها. وهي الحالة التي تعني استحقاق الهزيمة السياسية داخلياً، كأقل ثمن لهزيمتها العسكرية المتمادية في العراق. وأما حليفتها وصنيعتها إسرائيل، فما تواجهه ليس أزمة حكم عابرة، بل مشهداً حاسماً من مشاهد استعصاء المشروع الصهيوني عينه؛ وقد أمسي مستحقاً خسارة رهان الوجود علي القوة العسكرية وحدها التي ينبغي لها أن تكسب كل حرب تدخلها، وإلا فإن خسارة حرب واحدة قد تفقدها ثقتها بهذا الرهان. وبفضل تداعي هذه الثقة المزيفة أصلاً، تنخرط حكومة تل أبيب في وعثاء البطش المجنون بالكيان الإنساني للفلسطينيين بعد أن عجزت عن امتلاك ما يوازيه، بالرغم من غرور المكاسب والمظاهر الجوفاء، في اقتناص الدولة والثروة والقوة. لذلك تقتل الإنسان (الآخر). تسجن المجتمع العريق، تبذر الشقاق بين أوليائه؛ تدمّر كل طريق يؤدي ذات يوم إلي قيام الكيان السياسي المكافئ لأحقية الكيان الإنساني للشعب الفلسطيني المتأصل في الأرض والتاريخ والحضارة.

وبعد حرب تموز (يوليو) الماضي لم يعد لاسرائيل عدوّ واحدٌ مباشر هو فلسطين، فقد أمسي لبنان العدوَّ الآخرَ المتميز، الذي أوقع فيها الهزيمة العربية الوحيدة منذ قيامها. وفي الآن عينه لقّن لبنانُ معلّمتَها الكبري أمريكا درساً آخر في ضياع حلمها بالسيطرة الكاملة علي مقدراته. لكن استراتيجية التعويض عن الخسائر لا تعترف بدروس الواقع، فلا تكفّ عن ابتكار مختلف الوسائل السياسية وحتي الدموية للإبقاء علي شعلة الصراع إلي حدود العنف الأعمي، متوقدة، وتنتقل من حرب حقيقية فاشلة في جنوب البلد إلي صيغ أخري متنوعة من حروب البلد الصغيرة ضد ذاته؛ ذلك هو خطر التطور المنتظر عبر تعميق الانقسام بين الموالاة والمعارضة، ونقله إلي مستوي عداوات متجذرة بين أهالي المعسكرين، تمهيداً إلي لحظة القذف بالبلد كله إلي حوافي صدامات متنقلة، وترتكبها جماعات مشبوهة، قد تدفع به أخيراً إلي هاوية المجهول الدموي الشامل.

ليس لمراقب، مهما كان حيادياً، أن يري إلي حرب المخيم وكأنها وقعت مَحْضَ صدفةٍ طائشة هكذا؛ لا بد له أن ينظر إلي خلفية الحدث الدموي الرهيب، المتمثلة في تصاعد حال الاحتقان النفسي من توقع الانفجار الكبير، الذي يعيشه الشعب اللبناني علي إيقاع السجالات الخطابية المحتدمة بين أقطاب المعسكرين وأتباعهم؛ وكأن جهنم الحرب الأهلية قد فتحت أبوابها علي صليل سيوف الألسنة والأقلام المتعاركة قبل احتدام البنادق والمدافع. ثم لا بد من التأمل قليلاً في حبكة الخطة الخبيثة التي نجحت في قطف ثلاثة أهداف ميدانية وسياسية علي الأقل، حتي الآن. أولها هو انجرار الجيش الموصوف بالوطني وغير الفئوي، والثابت علي مواقف التعطيل الفوري والجدي لمحاولات إشعال الفتنة من مدخلها المذهبي ـ السني الشيعي خاصة ـ هو انجراره هذه المرة إلي كمين حقيقي، أدَّي به إلي ما يشبه مجزرة بين صفوفه. بل أكثر من هذا، فالكمين كان سياسياً بامتياز كذلك. إذ بموجبه يتم تصوير المعركة علي أنها عدوان علي مخيم فلسطيني، مما سينال حتماً من مصداقية الحيادية (الإيجابية) المعروفة عنه؛ ويقحمه في خانة فئوية معينة تهدد وحدته الوطنية. وربما كان التخطيط التآمري طامحاً حقاً إلي إعادة افتعال ذلك المدخل القديم عينه إلي الحرب الأهلية السابقة، تحت عنوان الصراع اللبناني الفلسطيني الذي فجر الاقتتال الأهلوي عام (1975). ومن ثم قد يتحقق الهدف الثاني من إشعال الفتنة الراهنة، في تحميل الفلسطينيين عامة مسؤولية الأحداث ونتائجها المدمرة بالنسبة لجميع الأطراف.

وأما الهدف الثالث وهو الأبعد ليصل إلي حدود الثأثير النفسي علي النقاش الجاري في أروقة مجلس الأمن حول إقرار مشروع المحكمة الدولية. الأمر الذي قد يخرج المترددين كروسيا والصين، من حال التمهل والمماطلة، إلي اتخاذ الموقف غير الممانع لصدور القرار علي الأقل بدون التصويت علي الموافقة الصريحة. لكن مطامح الفتنة لن تتوقف عند مستوي الاقرار بتشكيل المحكمة البائسة هذه، المتعددة الغايات السرية والمعلنة. فإن تداعيات الممانعة من قبل المعارضة اللبنانية المنتظرة، والناجمة عن عقابيل التشابك اللبناني الرسمي مع القوي الفلسطينية المتعددة علي الارض، كل هذا الاضطراب السياسي المصاحب حتماً بالتفجيرات الأمنية هنا أو هناك، سوف يمدّ الجانب الأمريكي الفرنسي بالحجة القديمة حول ضرورة التدخل الدولي الأمني الذي سيكون جاهزاً بتطوير مهمات القوات الدولية المتواجدة في الجنوب، لكي تمدّ بسلطتها إلي بيروت وإلي أنحاء لبنان تحت غطاء شرعية الأمم المتحدة، كما فعلت في كوسوفو وراوندا وسواهما. فهل يمكن إذن التسليم مع القائلين بأن الفتنة الراهنة المتشعبة الخلفيات والمرامي، جعلت من ذاتها التمرين الأول علي الفتنة الكبري، أو علي الأقل المدخل إلي الفوضي، التي بناء علي إنجازاتها (الخلاقة) سوف يتم استدعاء الوصاية الدولية وإرساؤها، ليس قضائياً فحسب بواسطة المحكمة، ولكن أمنياً كذلك عن طريق هذه القوات الدولية التي ستقيم قيادتها في بيروت، في سراي آخر ما فوق سراي الدولة اللبنانية المفككة الأوصال مقدماً، والمقزمة إلي حجم رئيس حكومتها الحالية فحسب.

هل يبدو أن هذا البلد العربي المنهك بالمشاريع الفئوية وخلفياتها الإقليمية والدولية، قد أضحي حقاً مفتقراً إلي نوع المناعة الوطنية بمعناها الشامل التي تُلزم مكونات المجتمع وتياراته الفكرية والسياسية بجماعية الأهداف العامة من دون أن تُفقده خصوبة التعددية الثقافية في فهم هذا الالتزام وأساليب ممارسته، بما لا يخرج عن الولاء الحر لوحدة الوطن وسيادته وتقدمه؟ لعلّ تجارب لبنان مع المهالك الفئوية، التي غطت مفاصل تكوينه الحديث بالانتكاسات الكارثية، تعلّمه في نهاية المطاف، وبعد استهلاكه لكافة المقاييس المقترحة كمعايير لحياة سياسية سوية، موهومة ومتصورة، انطلاقاً من عصر الأدلجات الطوبائية المتجاوزَة، إلي حقبة الردة العمياء إلي الطائفيات، ومنها هذا الانزلاق الغرائزي نحو المذهبيات المسيطرة راهنياً.. لعلها تعلمه أخيراً، وفي لحظة الذروة من احتدام أخطر التهديدات التي لم تميز فريقاً رابحاً عن آخر خاسراً إلا باعتباره كذلك خاسراً من نوع آخر، أنه لم يتبق أمام الجميع، كمعيار للوطنية الحقة، سوي انوجاد الجميع بدون استثناء، في خط دفاع واحد ضد عدوي الفتنة. إذ تداهم البلد من أي مستنقع دموي ناجز ومجاور، أو آخر في طور التجهيز والإعداد، وصولاً للانغراز في لحم وعظم الوطن كله.

ليس لبنان وحده في خط الدفاع الأخير هذا. كل أوطان العرب والإسلام، يُراد لها أن تنطوي علي مشاريع فتن نائمة أو صاحية. فلا شيء أمسي يجمعها، وأقوي من كل الغيبيات التي تتناهشها، سوي توحّد كل قطر ضداًَ علي أسباب فتنة داخلياً أو خارجياً. لكن من لبنان فقط قد تجيء وتبدأ هذه الممانعة الجديدة ضد (المؤامرة الكبري). لبنان حقق الهزيمة الإسرائيلية الأولي في تاريخ الصراع الوجودي بين العرب والغزاة العبريين. فهو المناط به، وفق الضرورتين المنطقية والواقعية، باختراع حرب الممانعة الإنسانية الجديدة ضد الفتن الأخري والمدبَّرة. فالبداية هي اليوم، وانطلاقاً من الرهان المصيري في القدرة علي تطويق الاختراق الأصولي المسيس بالمذهبية المقنّعة، كما تتبدي معالمها في كارثة المخيم المنكوب.

لكن الممانعة الراهنة أثبتت فوراً أنها لن تكون إلا وطنية شاملة ضد مذهبية الفتنة الغادرة. فقد استجابت غالبية الشعب هذه المرة إلي حدس الوجدان العام الذي لم يتردد في التعرف علي هوية الفتنة وتحديد أبعادها الضالة المضللة. هذا لا يعني أن الاصطفاف شبه الجماعي لمعظم القيادات والهيئات، قد يحجب كلياً التباينات الحادة أو المخففة بين النوايا المبيتة. إلا أنه من المتفق عليه أن التيار الوطني هو الأقوي في مثل ساعة الحقيقة هذه. فهو الذي عليه تلقائياً ألاّ يجرف الطحالب في مجراه فحسب، بل ومعها أرومات الجذور المتيبسة العقيمة. ذلك أن قمع بادرة الفتنة الصغري اليوم هو الاختبار المصيري علي إمكانية التصدي لساعة الفتنة الكبري، التي يبشر بها الناعقون كما لو كانت حتمية مطلقة.

وإنه الاختبار الأصعب، دون أن يكون مستحيلاً أبداً.9qot4

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية