صبحي حديدي
في ردّه، الثاني، علي منتقدي تصريحه ـ الذي صار شهيراً الآن، حول الشعراء الثلاثة الكبار (أدونيس، سعدي يوسف، محمود درويش) ـ سرد الدكتور جابر عصفور عدداً من الأسماء التي يثمّن حضورها في المشهد الشعري العربي المعاصر. اللائحة طويلة متنوّعة، فيها الأحياء طبعاً، ولكنها أيضاً تضمّ عدداً من الراحلين؛ كما تربط حقبة بأخري، وجيلاً بجيل، وشكلاً شعرياً بآخر قد يبدو نقيضاً له (كما في مثال السلسلة التي اعتبر عصفور أنها تصل أحمد دحبور بوليد خازندار وفواز طوقان، والأرجح أنّ الاسم الأخير خطأ طباعي، وفدوي طوقان هي المقصودة)؛ فضلاً عن قصيدة الفصحي والقصيدة العامية… وأعترف أنّ الدهشة التي انتابتني عند قراءة التصريح الشهير، تكرّرت من جديد حين حاولت تدقيق لائحة الدكتور عصفور من زاويتَيْ نظر: إنصاف العناصر الفاعلة في المشهد بأسره أوّلاً، ثمّ إشكالية إغفال أسماء ليست مماثلة في الأهمية للغالبية الساحقة من الأسماء الواردة فحسب، بل إنّ غيابها (ولا أقول تغييبها، لأني لا أفترض نيّة تغييب قصدية عند الدكتور عصفور، وأية لائحة لا يمكن أن تكون شاملة كاملة علي نحو مرضٍ) يبدو نقصاً فادحاً يخلّ بحاضر المشهد مثل بعض ماضيه ومستقبله.
فإذا ضمّت اللائحة المغربية أسماء مثل وفاء العمراني ومالكة العاصمي (وليس العاصي، في خطأ طباعي آخر!) والمهدي أخريف ومحمد الأشعري ومحمد بنيس ومحمد الخمار الكنوني ومحمد بنطلحة، فمن غير العــــادل أن لا تضمّ أحمد المجاطي وعبد اللطيف اللعبي وحسن النجمي وعبد الله زريقة. وكيف يستقيم المشهد السوريّ دون يوسف الخال، ممدوح عدوان، علي الجندي، وسليم بركات؟ أو العراقي، في غياب هاشم شفيق، عقيل علي، وكاظم جهاد؟ أو الفلسطيني، دون محمد القيسي، فوّاز عيد، مريد البرغوثي، زكريا محمد، وسامر أبو هواش؟ أو اللبناني، دون بسام حجار وجودت فخر الدين؟ وكيف يصحّ ذلك للغياب التامّ لقصيدة المرأة في الخليج، من فوزية أبو خالد وميسون صـــــقر إلي حمــــدة خميس ونجوم الغانم؟ وأجدني أتوقــــف بصفة محدّدة، وبإيجاز يفرضه المقام، عند غائب كبير في تقديري، هو الشــــاعر الفلسطيني زهير أبـــو شايب، مستعيداً بعـــــض ما سبق لي أن ناقشته في مراجعة مجموعتــــه الشعرية الــــثالثة ســـيرة العشب، 1997. ويقيني أنّ في طليعة معضلات تلقّي الشعر العربي المعاصر أنّ حركة المشهد، المعقدة المتباينة المركّبة والحاشدة، لا تتيح للقاريء (لكي لا نقول إنها لا تسهّل عليه) أمر إفراد الأصوات الشخصية علي نحو يعـــــبّد درب الشاعر إلي توطيد علاقة قرائية راقية مع المتلقّي. وهذا، استطراداً، يـــــعرقل تكوّن بصمة خاصة لهذا الشاعر أو ذاك، اتـــــكاءً علي هذه أو تلك من الخصائص الشخصية، سواء تلك المتصلة بالأسلوبية الإجمالية أو الموضوعات أو الأشكال الأثــيرة، أو هذه بمجملها وقد توحّدت في هيئة صوت فارق. ورغــــم قلّة نتاجه الشعري (ثلاث مجموعات منذ عام 1986) فإن أبو شايب في عداد أولئك الذين يمتلـــــكون هذه البصمة الشخصية، و سيرة العشب عــــزّزت صوته بقوّة، بل بكثير من العــــــناد في جانب خيارات الشكل الشعـــري والموضــــوعات بصفة خاصة.
إنه بين تلك القلّة القليلة التي ما تزال صامدة في الاستقرار علي التفعيلة، والإلحاح علي استكشاف طاقاتها الإيقاعية، والتوصّل إلي نتائج جديدة ومتجدّدة لعلّ أهمّ فضائلها أنها لا تعيد ترجيع أصداء تجارب الروّاد من جانب أوّل، ولا تقتفي أثر المعلّمين الكبار المعاصرين من جانب ثانٍ. إنها، في عبارة أخري، تفلح في شقّ طريقها الوعر ضمن حال راقية من التجاور مع ــ ولكن ليس، بالضرورة، الدخول في ــ تلك الوديان التي لا مفرّ من أن تتردد فيها أصداء أصوات الكبار (أدونيس في قصائده التي قدّمت اجتهادات فائقة في إيقاع التفعيلة، محمود درويش وسعدي يوسف في معظم نتاجهما الشعري، أمل دنقل في النقلة النوعية التي مثّلتها قصائد البكاء بين يديّ زرقاء اليمامة..). وليس هذا بالإنجاز اليسير في الواقع، كما أنه جوهر السبب في أننا لا نملك الكثير من نماذجه المتقدمة، رغم توفّر العديد من الشعراء المواظبين علي استخدام التفعيلة. هذا فضلاً عن حقيقة تالية هي مدعاة لأسف إضافي أشدّ: أن عــــــدداً من الأصوات القويّة التي تكوّنت خلال السبعينيات والثمانينيات (وأقصد ضمن خيار التفعيلة دائماً، وخارج تلك الوديان)، خفتت أو تراجعت أو بهتت تماماً في أيــــــامنا هذه، حيث يبدو المشهد بحاجة إلي المزيد من تصارع المقترحات بدل تشـــــابهها، وإلي المزيد من إفراد الأصــــــوات بدل اندغــــــــامها في جوقة واحدة.
وبهذا المعني، كيف يمكن للثلاثة الكبار، الذين أفردهم الدكتور عصفور، أن يظلّوا كباراً إذا لم تتقاطع شعرياتهم، فتفترق أو تختلف او تتكامل أو تتناقض، مع شعريات كبيرة بدورها، مثل هذه التي ينجزها أبو شايب؟ وفي الأساس البسيط، كيف يمكن للذائقة العامّة أن تري الثلاثة كباراً، دون تجارب أخري كبيرة، رابعة وخامسة وعاشرة، توازي أو تجاور أو تحالف أو تخالف؟ وبمعزل عن هاجس التأثير في نظرية هارولد بلوم الشهيرة، ألا نردّ بعض إصرار الكبار علي تطوير تجاربهم الشخصية، إلي احتمال أنهم إنما يبصرون شيخوختها في مرآة تجارب أخري تتطوّر بدورها، وترتقي، وتحثّ الخطي… نحو الموقع الكبير؟