ثائر الناشف
دأبت الادارة السورية منذ ما يزيد عن ستة عشر عاماً علي تقديم رؤيتها (العلنية) الخاصة حول مستقبل التسوية السلمية المجمدة مع اسرائيل، وبشروط تكاد تكون معروفة للطرف الاسرائيلي، لكثرة سماعه لها وعدم فهمه او قبوله للمنطق الذي يعتمده الجانب السوري في صياغة التسوية التي يريد.
في كل مرة تستأنف فيها محادثات السلام بين اطراف النزاع المتعددة، وخصوصاً بين الطرفين السوري ـ الاسرائيلي، تتكرر ذات الشروط وذات المطالب لأي منهما، فالشرط السوري ينحصر في الاستجابة الاسرائيلية العاجلة له وتقديم ما يمكن تقديمه من تنازلات تعتبرها بعض القيادات الاسرائيلية مؤلمة جداً، والبعض الآخر يعتبرها ضرباً من الجنون، بينما يحاول نقيضه الاسرائيلي اقناع داخله بجدوي السلام، واشعار سورية بأنه الطرف الأقوي في أي مفاوضات مقبلة، وان اقدامه علي السلام ليس من موقع ضعف بل من قوة.
وبين هذين الشرطين المسبقين والمستمرين، ستبقي عملية السلام في زاوية مظلمة ولن تبصر النور ابداً، طالما استمر كل طرف في ابتداع شروط جديدة مضافة الي شروطه القديمة، ضمن نفس المنطق الذي من خلاله تصاغ جميع الشروط، وفي هذا السياق لا بد من تذكر ما قاله المنسق الامريكي الأسبق لعملية السلام في الشرق الاوسط دنيس روس، وذلك عقب محادثات الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في جنيف عام 2000، ان الرئيس الاسد يريد السلام مع اسرائيل لكن بشروطه لا بشروط الاسرائيليين، وانه مهتم في انهاء الحرب واستعادة الجولان اكثر من اهتمامه بتحقيق المصالحة التاريخية مع اسرائيل.
ومن التغيرات الكبري التي طرأت علي موضوع صناعة السلام بين سورية واسرائيل بعد محادثات جنيف، جملة من الاحداث وقعت خلال الاعوام السبعة الماضية، وابرزها تفجيرات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) في نيويورك وواشنطن، وقبل تلك التفجيرات الفاجعة، ظلت الولايات المتحدة الوسيط الوحيد والراعي الاساسي المقبول به سورياً واسرائيلياً، غير انه ومن بعد ذلك الحادث المروع جرت مياه كثيرة وتغيرت علي اثره القناعات الامريكية بصوابية الموقف السوري من السلام، ولا سيما بعد رحيل الراعي الديمقراطي من البيت الابيض بيل كلينتون، وقدوم جورج بوش الداعي لمحاربة ما يسمي بالارهاب، ليرد لامريكا هيبتها التي اهتزت بعد تفجيرات ايلول (سبتمبر)، وليتجنب الخوض في ملف السلام الشائك، الذي خاض به سلفه كلينتون حتي الغرق.
فالتغير المفاجئ في نهج ادارة بوش، قضي علي كل بوارق الامل في السلام، كما انه ادخل المنطقة في محاور مهيأة للتصادم عرقياً ومذهبياً، وقسمها بين دول معتدلة واخري متطرفة، والأشد تغيراً، احتلاله لدولتين شرق اوسطيتين تحت ذرائع شتي، هما العراق وافغانستان، وبرغم ذلك لم يتوان سياسيوه بالدعوة لقـــيام شرق اوسط كبير اكثر امناً واستقراراً لشعوبه، هذا النهج الامريكي الجديد في التعاطي مع قضايا المنطقة الملتهبة، بشكل انحيازي وراء مصالحه، حال دون التفاته الي لب الصراع، وعجز عن تقديم أي افكار او اطروحات من شأنها اخراج الجميع من حالة اللاحرب واللاسلم.
ما دامت امريكا حلقة الربط المؤثرة بين اطراف الصراع، يمكن القول ان البيت الابيض نجح في عهد زعمائه الديمقراطيين في تحريك مسار السلام، ولو بشكل احادي مع كل طرف بدءاً بمصر (كامب ديفيد ) 1979، ثم الاردن (وادي عربة) 1994، والسلطة الفلسطينية (اوسلو) 1993، وفي اللحظات الاخيرة كاد ان يحركه مع سورية (جنيف) 2000، في حين اخفق حمائم الحرب الجمهوريون في تحقيق أي تقدم وتحريك أي مسار قدماً نحو الامام، الشيء الوحيد الذي قدموه، هو خطة خارطة الطريق، التي دُفع اليها بوش دفعاً من صديقه توني بلير، باعتبارهما حليفين اساسيين في الحرب علي العراق، والمآل الذي آلت اليه الخطة، التجميد من ارييل شارون وحزبه ليكود آنذاك، واسقاطه لها بتحفظاته الاربعة عشر.
ويلاحظ ايضاً ان الشروط الاسرائيلية تجاه سورية تغيرت بالتزامن مع تغير اجندات الادارة الامريكية الساعية لمكافحة ما تسميه الارهاب، وشرطها الجديد قبل الولوج في أي مفاوضات مع سورية، تخليها عن دعم الارهاب، وتقصد حزب الله و حماس وباقي الفصائل الفلسطينية، وهو ما يتقاطع مع اتهامات ادارة بوش ذاتها، ففيما مضي كانت اسرائيل تتذرع بشرط الديمقراطية لكل من يفكر بالتفاوض معها، اليوم عدلت عنه بعد وصول حماس الي الحكم بطريقة ديمقراطية لم تتوقعها.
يبدو ان هذا الواقع المتصلب بشروطه المسبقة لن تفلح فيه دعاوي السلام مع اسرائيل علي طريقة المفرق، ربما قد تفلح بالجملة، لان المسلك الوحيد المتبقي امام العرب هو الامساك بمبادرة السلام العربية، والسير علي ضوئها مجتمعين وليس منفردين، لان السير الانفرادي مع اسرائيل سواء بالسر او بالعلن لن يفيد في شيء، سوي اضاعة الوقت الثمين وزيادة الاوهام الناتجة عن تلك الشروط.
من هنا تأتي زيارة ابراهيم سليمان رجل الاعمال الامريكي ـ السوري الاصل لاسرائيل، لا معني لها وبدون فائدة، حتي لو انطوت فعلاً علي مفاوضات سرية قائمة منذ عامين، حسب ما ذكرته بعض وسائل الإعلام، ونفته مصادر حكومية سورية بأن لا علاقة لها بالمفاوض المذكور وانه لا يعبر عن رأيها.
لكن الواضح انه لم تكن هناك تفاهمات بين سورية واسرائيل علي طول خط الصراع، باستثناء اتفاق فك الارتباط الموقع بينهما في ايار (مايو) 1974، الذي ضمن الهدوء بين جبهتيهما حتي الآن، دون ان يعني ذلك ان الاتفاق محصن من الخرق والطلعات الجوية الاسرائيلية الخاطفة فوق الاجواء السورية، آخرها فوق مدينة اللاذقية وقبلها قصفت مخيم عين الصاحب شمال دمشق، اضافة لما اشيع عن قيام اسرائيل باجراء مناورات عسكرية ضخمة في الجولان المحتل، استعداداً لتنفيذ أي سيناريو محتمل، الي جانب ما اعتبرته سورية علي لسان وزير اعلامها محسن بلال، بأن المقاومة ستكون السبيل لاستعادة الجولان، اذا لم تدرك اسرائيل حقيقة المبادرة العربية والنداءات الدولــــية، من دون ان يحدد نوع هذه المقاومة، سواء أكانت ســــياسية ام إعلامية او عسكرية علي شاكلة حزب الله؟ بينما يزعم رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ان الجولان جزء لا يتجزأ من اسرائيل ولن ينسحب منه بأي ثمن.
وهذا ما يؤكد انّ حل الخلاف بينهما متأرجح، فامّا ان يحسم سلمياً او يحتدم، اكثر مما هو عليه الآن حول الجولان، بمياهه الوفيرة وموقعه الحيوي بالنسبة لاسرائيل كونه يطل علي الساحل الشرقي لبحيرة طبرية، ويمنحها مجالاً رحباً تجاه دمشق من الناحيتين الامنية والعسكرية، الذي لا يبعد عنها سوي بضعة اميال.
السؤال هنا، ما مدي استعداد الطرفين لتحمل شروط السلام، اثمانه، واستحقاقاته؟ فهل تتقبل اسرائيل فكرة الانسحاب من الجولان لقاء ثمن معين ترتضيه؟ وهل باتت سورية جاهزة ومستعدة لدفع استحقاقات السلام الكثيرة للداخل الذي طالما حلم به، وعلق عليه الأماني العريضة؟
ما سبق لا يبشر بوجود آفاق مفتوحة للسلام بقدر ما ينذر بأوهام متبادلة، تحتاج الي اكثر من وسيط دولي ليساعد طرفيها، علي الاقل، للخروج من حالات الوهم السائدة.
كاتب من سورية[email protected] 8