تفكك اللغة

حجم الخط
0

الياس خوري

قال انت تؤيد الجيش الأمريكي في العراق، فالمنطق الأمريكي يبرر قتل المدنيين العراقيين بحجة الحرب علي الارهاب وعلي القاعدة.

حاولت ان اشرح للمثقف العربي الصديق ان المقارنة غير مقبولة، الجيش الامريكي جيش احتلال، اما الجيش اللبناني فهو في بلاده.

هنا تفتق الذكاء، اعترف محدثي بأنه اخطأ التشبيه، وقال طيب، الصورة تشبه ايلول 1970 في الأردن. كان الجيش الأردني محقا اذاً في سحق الفدائيين، اليس كذلك، كان الجيش الأردني يدافع عن النظام العام، مثلما يفعل الجيش اللبناني في نهر البارد.

عبثا حاولت ان اشرح له الفرق، قلت ان الجيش الأردني كان يحاول سحق حركة تحرر وطني، وان المقارنة مستحيلة، الا اذا كان يعتقد ان فتح الاسلام حركة تحرر؟

لم يستطع محدثي الاجابة، لكنه ذهب في غيبوبة شتم عنصرية الشعب اللبناني ضد الفلسطينيين. وعندما حاولت ان اشرح له الفرق بين خطاب عنصري فاشي نقاومه في لبنان، وبين الشعب اللبناني، لم يقل السيد المثقف سوي ان الفلسطينيين يواجهون مجزرة في مخيم نهر البارد.

هذا النموذج من الحوار الذي جري بيني وبين احد الاصدقاء لا يشير الا الي مسألة واحدة اسمها تفكك اللغة. فاللغة يمكن ان تتفكك وتتحول اشلاء. وهذا ما تشهده اللغة السياسية العربية في مرحلة افول الفكرة الوطنية، واستبدالها بالانتماءات الدينية والطائفية. التفكك الذي تشهده اللغة السياسية العربية هو عين الكارثة. العراق محتل، فلسطين تواجه ابادة سياسية، ولبنان يلعب به الديكتاتور العربي، ويتعرض لخطر العودة ساحة مفتوحة للخوف والموت، ومع ذلك لا وجود لنصاب يميز الوطني من الخائن.

لم نفهم دلالات غياب القيادة الوطنية الفلسطينية الا اليوم. فبعد سقوط الناصرية، شكلت المقاومة الفلسطينية بوصلة للحياة السياسية العربية. كانت فلسطين تحملنا وتتحمل ضياعنا الوطني. لكن مع غياب البوصلة الفلسطينية، وهو غياب تشكل عبر مسار طويل بدأ في اوسلو وانتهي بقتل ياسر عرفات بالسم، لم يعد هناك من اتجاه. تشظي العرب في كل الاتجاهات، صارت المقاومة دينية، وغرق العراق في الدم والفوضي، ولم نعد نفهم ماذا يجري في فلسطين، هل هي حرب اهلية نائمة تستيقظ بين فترة واخري، ام مقاومة تغيب خلف صراعات داخلية طاحنة.

لم تنتصر امريكا، لكن الديكتاتور والانظمة النفطية هي التي انتصرت علي العرب. وهذا يعني ان امريكا واسرائيل تستفيدان من دون اي جهد، فالانحلال السياسي العربي كفيل بمنع العرب من تحقيق اي شيء.

غياب فلسطين كبوصلة لم يعرض اللغة السياسية العربية الي خطر الانحلال فقط، بل يهدد فلسطين نفسها بالموت. وانا لا اتحدث هنا عن الجريمة الاسرائيلية المتواصلة في غزة والضفة، بل اتحدث عن نهر البارد. فأن تستطيع مجموعة مسلحة تتكلم لغة القاعدة وآتية من سورية ان تخطف مخيما فلسطينيا كبيرا، وتحوله اداة ابتزاز وقتل، مهمشة القوي الفلسطينية الأساسية من فتح الي حماس، فهذا يعني ان فلسطين في خطر حقيقي.

المسألة ان تفكك اللغة السياسية يحول السياسة لعبة لأجهزة المخابرات. لا اريد اختزال الأشياء، فالمخابرات ما كان لها ان تلعب بالدم الفلسطيني واللبناني، لو كان هناك بوصلة سياسية تميز بين الأشياء وتضع حدودا لا يمكن اختراقها. ففتح الاسلام، التي انشقت عن فتح الانتفاضة، تشبه المنظمة التي خرجت منها، في انها اداة استخدمها النظام السوري. وهذا لا ينفي ان لغتها قاعدية، وانها جزء من حال الفوضي السياسية العامة، التي تنتج ظواهر من الجنون العسكري والسياسي، التي تهدد بتفكيك الأوطان.

هذه اللعبة ناجمة في الأساس عن انهيار البوصلة الوطنية الفلسطينية. فالمخيمات في لبنان، التي حررتها الثورة من عسف قمع المكتب الثاني عام 1969، تعرضت لمذابح متنوعة، من تل الزعتر الي صبرا وشاتيلا، الي حرب المخيمات، قبل ان ينجح النظام السوري في كسر مناعتها الوطنية، حتي وصلنا الي اللحظة الراهنة.

غير ان الضغط الخارجي لا يكفي وحده لتفسير ظاهرة فقدان المناعة الوطنية. اذ ان هذه المناعة تحطمت بفعل انهيار الخطاب الوطني الفلسطيني، وتراجع فتح عن دورها في قيادة الحركة الوطنية، عبر وهم بناء السلطة، التي تحولت حطاما.

اردت ان اقول للمثقف الذي كان يوزع شهادات الوطنية علي الناس، بأننا نحتاج الي الكثير من التواضع والاعتراف بالأخطاء، كي يحق لنا ان نستعيد حقنا في اللغة. فاللغة لا تستعاد الا اذا رجعت القضية الوطنية الي موقعها في الصدارة، وعاد العالم العربي الي الف باء الدفاع عن النفس في وجه خطر التهميش والانهيار.

نهر البارد في فخ الموت. فالمعركة التي افتعلتها فتح الاسلام مع الجيش اللبناني، مزدوجة الاهداف، فهي حلقة من تفكيك لبنان والفلسطينيين، كي يتحول كل شيء هنا قاعا صفصفا، وكي لا يبقي في بلادنا سوي الخيار بين الديكتاتور والفوضي.

انها لعبة الموت، لكنها قد تؤدي في النتيجة الي انهيار كل شيء.

لذا فالمسألة اكثر تعقيدا من اللغة التبسيطية التي تري الاشياء بالأبيض والاسود. فالواقع اكثر تعقيدا، والمسألة لا علاقة لها بمقاومة المشروع الأمريكي، بل هي محاولة من النظام السوري للمصالحة مع هذا النظام علي اشلاء الشعبين اللبناني والفلسطيني.

مقاومة التحول الي اشلاء تبدأ باعادة الاعتبار الي اللغة الوطنية، وبانقاذ البوصلة الفلسطينية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية