مصر بين الالتهاب الديني والاستلاب السياسي: هل المحروسة في خطر؟

حجم الخط
0

فرانسوا باسيلي

رغم ان صفة المحروسة التي يطلقها المصريون علي مصر هي صفة قديمة وحميمة مليئة بالمحبة والعاطفة والرجاء تجاه الوطن وسلامته الا انها لم تكن كافية لحماية مصر من الاخطار وحراستها من أعــــين وأيدي المتربصين بها الطامعين فيها. فتاريخ مصر هــــــو في معظمه سجل لهذه الاخطار التي تحولت الي غزوات واحتلال طويل من قبل الجحافل القادمة من الشرق والغرب. وربما راح المصريون يستخدمون صفة المحـــروسة هذه في نوع من الامل والدعاء عسي ان يحرس الله الكنانة من اعدائها الكثيرين.

ورغم ان آخر غزو تعرضت له مصر كان هو العدوان الاسرائيلي عام 67، الا ان هذا لا يعني ان مصر قد اصبحت في منأي عن الخطر بعد توقيع معاهدة سلام مع اسرائيل. فالمعاهدات عبر التاريخ لم تمنع الطامعين من نقضها والتعدي علي الآخرين بذرائــــع مختلفة حينما يستشعرون ضعف الطرف الآخر وغفلته عن مصادر الخطر عليه. هذا بالاضافة الي ان الغزو من الخارج ليس هو الخطر الوحيد الذي تتعرض له الاوطان فهـــناك اشكال اخري للغزو قد لا تقل خطورة ليس كلها مسلحا وليس كلها من الخارج.

وللذين يستغربون حديثي عن اخطار تحدق بالمحروسة بينما لا توجد جيوش تحتشد علي حدودها استعدادا لغزوها ويرون في حديثي هذا نوعا من التهويل غير المبرر اذكر لهم تجربة عملية شهيرة ألقيت فيها بضعة ضفادع في مياه شديدة السخونة فانتفضت الضفادع بمجرد ملامستها للمياه وقفزت خارجة منها ناجية بنفسها. وبعد ذلك وضعت هذه الضفادع في حوض آخر به مياه باردة فراحت تسبح فيها في هدوء ثم راح العلماء يرفعون درجة حرارة المياه تدريجيا بتسخينها ببطء فاستمرت الضفادع في الاستكانة للماء الدافئ وخدره اللذيذ حتي وصلت درجة حرارة الماء الي درجة عالية السخونة اثرت علي المراكز العصبية لدي الضفادع فلم تستطع القفز خارجاً ولقيت حتفها. فنجد ان امام هذه الضفادع لم يكن هناك خطر واحد ظهر لها فجأة ولكن الخطر كان يتزايد ببطء وبشكل كانت تتعود عليه تدريجيا حتي لم يعد في مقدورها استنفار الجهد الذاتي اللازم للانتفاض خلاصا منه.

والمراقب لحال مصر يجد ان آخر انتفاضة استجمعت فيها مصر ارادتها وطاقتها الذاتية دفاعاً عن نفسها كانت هي حرب العبور الهائلة التي قامت بها مصر عام 73 وحققت بها انجازا عسكريا باهراً بكل المقاييس ضد عدو تقف وراءه الامبراطورية الامريكية في مساندة غير محدودة. وعلي مدي ثلث قرن بعد هذا تعرضت مصر لاخطار الاعمال الارهابية من الداخل والتي أودي احدها بالرئيس السادات الذي احرز انتصار العبور. وتتابعت هذه الاعمال الارهابية بعد ذلك وما تزال تحدث كل فترة واخري.

هذه العمليات الارهابية ضد قادة الدولة ورموزها الاقتصادية والسياحية والامنية هي الوجه الظاهر للخطر المحدق بمصر. ولكن عنف العمليات الارهابية بكل صخبه ودمويته ورعبه الصادم المفاجئ ليس هو الوجة الوحيد للخطر المتربص بمصر. فالوجوه غير الظاهرة لاخطار داخلية تنمو في بطء وبالتدريج هي عوامل بالغة الاهمية والخطورة ولكنها ـ لانها خفية وباطنية وتدريجية ـ لا تحظي بالاهتمام الكافي الجديرة به.

ويمكن تجميع هذه الاخطار الداخلية المتنامية في خدر داخل الجسد المصري بشكل سرطاني اصبح يهدد بالوصول الي روح مصر نفسها لنهشها نهشاً في نوعين اساسيين: الاول: هو الالتهاب الديني. والثاني: هو الاستلاب السياسي.

الالتهاب الديني لقد اصبح واردا ان نسأل اليوم: هل اصبحت مصر دولة دينية؟

وهذا السؤال ليس من نوع الجدل الذي جري في فترة التعديلات الدستورية الاخيرة حول المادة الثانية من الدستور التي تنص علي ان الاسلام دين الدولة والمصدر الاساسي للتشريع. فليس اهتمامي هنا هو ماذا ينص الدستور اذ ان المجتمع المصري لم يصل بعد الي مرحلة تكون السيادة فيها للدستور وللقوانين المنبثقة منه وانما هو ما يزال في مرحلة السيادة فيها للاشخاص الماسكين بمقاليد الامور. فالحياة العامة في كافة جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية حياة مشخصنة وليست منظمة اي تتبع الشخص وليس النظام (السيستم) او القانون. فالعلاقات الشخصية هي اساس الحياة في مجتمع ابوي (بطريركي) يضبط فيه القوي حركة من هو اضعف منه بمجرد كلمة تخرج من فمه. وليس المكتوب والمنصوص عليه من مواد الدستور او القوانين سوي ديكورات استوردت من دول غربية كفرنسا وبريطانيا دون استيعاب روحها او تمثلها في الوجدان الشعبي او الشخصي.

ما اقصده بالسؤال: هل اصبحت مصر دولة دينية؟ يتعلق باسلوب الحياة للانسان المصري في الشارع المصري اليوم. وبالتالي اسلوب الحياة العامة التي يشكلها مجموع الاساليب الشخصية للاغلبية الغالبة من المصريين. وما اعنيه هو هل اصبح دين الفرد هو اول وأهم الملامح المحددة لشخصية هذا الفرد وفكره وتوجهاته وآماله واقواله وافعاله؟ وهل اصبحت الاغلبية الغالبة للمصريين لها هذا الملمح الديني المهيمن المحدد؟ وفي هذه الحالة يمكن القول ان المجتمع المصري قد اصبح مجتمعا دينيا وان مصر قد اصبحت دولة دينية. وليس بالضرورة هنا ان يكون الحكم او الحكومة او القيادة السياسية قيادة دينية وانما يكفي ان يصبح المجتمع مجتمعا دينيا لكي تصبح الدولة دينية فلا دولة بلا مجتمع ولا وطن بلا شعب.

وللتحديد اكثر: نعم لقد كان للدين دائما وجوده منذ ان ابتكره قدماء المصريين وعززه اخناتون اول من نادي بفكرة التوحيد الالهي قبل اليهودية والمسيحية والاسلام، وكان الانسان المصري ينظر الي الفرعون الحاكم نظرة تبجيل وخوف وطاعة يشتبه معها وضع ومنزلة الفرعون لتقترب من منزلة الالهة او تتوحد معها او تصبح صورة منها او تجسيدا لها فاذا بالفرعون هو نصف اله او شقيق الاله او ابن الاله او زوج الالهة وتصبـــح طاعــــة الحاكم من طاعة الله، وقد تسربت بعض هذه كلها الي علاقة الانســـان المصري بالحاكم وبرجل الدين الي يومنا هذا حتي في ظل الرسالات السماوية، فالسلوك المصري في اشتباك ـ او اشتباه ـ السياسي بالديني هو سلوك قديم قدم مصر القديمة وما زال موجودا الي اليوم لدي المسلمين والاقباط علي سواء. ولقد كان الامل في حركة النهضة المصرية في مطلع القرن العشرين علي يد روادها محمد عبده وقاسم امين ومن بعدهم طه حسين وسلامة موسي وتلاميذهم من اعلام ومصابيح التنوير في مصر، كان الامل في هؤلاء ان يكملوا مسيرة النهضة والتنوير العربية لتحرير الانسان المصري للمشاركة في بناء الحضارة العالمية الجديدة. ووصل الامل الي ذروته ونشوته الاعلي مع الثورة المصرية التي حققت التحرر الوطني من الاستعمار وقطعت اشواطا كبيرة علي طريق التحرر الاجتماعي والديني داخليا ووضعت بذرة مجتمع ـ وانسان ـ مصري لم يكن الدين هو ملحمه المهمين الاساسي، ووصل الامر في ذروة الفكر التحرري القومي الي حد اننا ونحن طلبة كنا نخجل من ان يسأل احدنا الآخر عن دينه، وكانت اسماء المصريين التي شاعت وقتها لدي المسلمين والاقباط علي السواء هي اسماء عادل ونبيل ومجدي وكامل وسعد وشكري وجميلة وليلي ونادية وسامية ونوال وسلوي… ثم انتهي ذلك برحيل عبد الناصر واستلام السادات للسلطة واعلان ان اسمه قد اصبح فجأة محمد انور السادات وليس انور السادات كما كان معروفا طوال سنوات الثورة. وكانت هذه اشارة عليا واضحة تبعتها اعمال اخري علي الارض راحت تنهش تدريجيا في المجتمع التحرري التنويري الذي كان قائما ليحل مكانه اركان المجتمع الديني المتزمت المتشدد الذي اسلم قيادته في الشارع لجماعة الاخوان المسلمين التي رأي فيها سندا له ضد مجتمع الناصريين التحرري.

وعلي مدي ثلث قرن بعد هذا راح الاخوان المسلمون في مصر بمساعدة اموال سعودية يرفعون بالتدريج من درجة حرارة مياه التزمت الديني في مصر في غياب مذهل للدولة المصرية وانحسار وجودها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين، فخلت الساحة للفكر السلفي الاخواني لكي يرفع درجة التشدد الديني في مصر الي درجة الالتهاب. ونجح الاخوان في فرض فكرهم علي الشارع المصري وعلي الوجدان والمزاج الشعبي فراينا جيلا كاملا من الفتيات المصريات يلبسن الحجاب الذي لم تلبسه امهاتهن وكانت جداتهن قد خلعنه في مطلع القرن! وخلال الثلث قرن هذا طلع جيلان كاملان من المصريين وهم لا يعرفون سوي حالة الالتهاب الديني الماسكة بتلابيب الوجدان الجماعي فيتصورونها حالة طبيعية. فنجد الشباب الجامعي في مختلف فروع المعارف الجامعية لا يناقشون علي مواقعهم علي الانترنت سوي القضايا الدينية السلفية القديمة التي لا تضيف اي جديد للانسان في حياته اليومية ولا تقدم علما ولا فكرا بل تشغل العقل والعاطفة فيما لا يفيد ولا يصنع حضارة. وعلي هذا فالاجابة علي سؤالنا هو ان مصر قد اصبحت فعلا دولة دينية ذات مجتمع ديني تحكمه وتشغله الي ابعد الحدود الفتاوي الدينية والمظاهر الدينية والخلافات الدينية المتشابكة دائما في دوامة لا تنتهي.

اخطار الالتهاب الدينيلحالة الاتهاب الديني خطران علي مصر. الاول هو ان الالتهاب الديني يشغل المصابين به ـ وفي هذه الحالة هم اغلبية لا يستهان بها من المواطنين ـ بأمور من مظاهر الدين لا عائد لها علي حياة الناس وواقعهم فيذهب قدر كبير من وقت وفكر وجهد المجتمع فيما لا يرتفع بمستوي البشر حياتيا ولا حتي اخلاقيا فيتخلف المجتمع بالضرورة عن ركب الحضارة المعاصرة وهو ما يحدث حاليا بالضبط لمصر وللعالم العربي بشكل عام. والأدلة علي هذا حولنا في كل مكان وكل يوم في مصر، انظر مثلا الي احدث هذه الأدلة. فقد اصدر مسؤول بجامعة الأزهر فتوي تحلل رضاعة الكبير بين موظفة وزميلها بالعمل. وقالت المصادر الاعلامية ان خمسين (لاحظ العدد) من النواب المصريين المنتمين لجماعة الاخوان المسلمين يبحثون الموضوع لضبط عواقبه حتي لا تسبب احراجا للتيار الاسلامي، وقد قام الآلاف بالمشاركة في التعليق علي الخبر علي مواقع الاخبار الالكترونية وفي منتديات النقاش بين معترض ومدافع. فتأمل القدر العظيم من الجهد والوقت المهدور في قضية كهذه يطرحها ويطرح عشرات وعشرات مثلها دائما الفكر السلفي الذي يعيش في عصر السلف ولا يعيش في عصرنا هذا، وبالتالي لا يكون جهد وفكر المجتمع مركزا علي حل قضاياه الاساسية وكلها قضايا بالغة الخطر من التعليم المنهار الي الفقر المدقع الي البيئة الملوثة الي الامية المتفشية الي الانتاجية المتدنية الي التسيب والعشوائية الي الفساد المستشري الي أزمات الاسكان والصحة والمواصلات والبطالة، فالانشغال والاشتغال بأمور الدين بشكل يومي طاغ يستهلك المتبقي من فكر وجهد الفرد والمجتمع في كل ما هو بعيد عن احتياجاته الانسانيه الملحة.

فالفكر السلفي والاخواني مهووس بمشكلة المرأة والجنس ويوجه قدرا هائلا من فكره ووقته نحو المشكلة فيترك خمسون نائبا في مجلس الشعب المصري اعمالهم لمناقشة قضية رضاعة الكبير.

المجتمع الذي يعاني من الالتهاب الديني لا يملك الفكر ولا الطاقة ولا الوقت لكي يبدع وينتج في مجالات الحياة والواقع ولذلك سرعان ما يسقط من المسيرة الحضارية ويقبع خاملا متسولا في قاع العصر.

الانشطار الطائفيالخطر الثاني لحالة الالتهاب الديني في مصر هو ما تسببه من حالة انفصام الشخصية المصرية وانشراخ الوحدة الوطنية فمع دخول الاغلبية المسلمة في دوامة حالة الالتهاب الديني وما تصاحبها من طقوس ومراسيم وفتاوي وعادات وعبادات وسلوكيات تتسم كلها بالغلو في المظاهر الدينية في كافة نشاطات الانسان ولا يتبقي في حياة المواطنين المسلمين العامة مكانا لا يشغله الدين يمكن ان يشاركهم فيه المواطنون الاقباط. وبالتالي يجد الاقباط انفسهم مطرودين من ساحة المواطنة العامة التي اصبحت ساحة اسلامية متشددة مليئة بمظاهر تقترب من الدروشة وتزدحم بالخرافة والفكر السحري. فينعزل الاقباط داخل الكنائس ويصابون بحالة رد فعل هي ايضا نوع من الالتهاب الديني المضاد.

تحت راية الفكر الاخواني السلفي يطرد الاقباط خارج ساحة المواطنة ليلتحقوا في ادبيات المتشددين بالكفار من اليهود والنصاري! وبهذا انقسم المجتمع المصري في الثلث قرن الاخير الي مجتمعين مختلفين دينيا واجتماعيا وثقافيا واصبح وجود الاقباط ثقيلا علي قلب الكثيرين من المصابين بالالتهاب الديني ـ ولذلك فما ان يطلق احدهم بشائعة ضد الاقباط حتي يخرج المئات من المسلمين الي الشوارع كما فعلوا مؤخرا ـ للمرة الالف ـ ليعيثوا في الاقباط ومتاجرهم وكنائسهم ومنازلهم تدميرا وحرقا وقتلا. وكلما تكررت هذه الاعتداءات وهي دائما تتكرر ـ يقال ان الامر مشكلة فردية او عادة التأثر الصعيدية!! ولكن الواقع ان مشاعر التآخي والمشاركة الوطنية قد تآكلت الي حد كبير بين الاقباط والمسلمين بسبب حالة الالتهاب الديني التي اصابت الاغلبية. وهذا الانفصام في الوحدة الوطنية هو خطر كبير علي مصر وسلامها الاجتماعي وأمنها الاستراتيجي. فكثيرا ما يتذرع الغزاة بحماية الاقليات لغزو مصر، ولا شك ان استمرار حالة الانفصام الاجتماعي وتآكل المشاركة بين عنصري الأمة سيزيدان من الشرخ الذي بدأ فعلا وقد يصل به اذا استمر الي حالة التصدع والانهيار.

الاستلاب السياسياحد اسباب وصول الوضع الاجتماعي المصري الي حالة الالتهاب الديني هي حالة الاستلاب السياسي التي يعاني منها الشباب المصري. فالجمود السياسي في مصر منذ انتصار حرب العبور لا يمنح الشباب الصاعد اية فرصة للمشاركة في صنع احلامه وبناء مستقبله الجماعي والفردي، فالشباب في كل مجتمع هو طاقة هذا المجتمع المتجددة التي تنطلق دائما متجاوزة جيل الآباء حاملة مشاعل احلامها الخاصة التي عادة تتجاوز احلام الجيل السابق، ولكننا في مصر في ثلث القرن الاخير نجد الابواب مغلقة امام هذا الجيل، فلم تستطع القيادة السياسية والثقافية خلق وبلورة حلم وطني مشترك جذاب يمنح الشباب الامل وفرص العمل وحرية الاختيار والابتكار. وراحت السياسات الاقتصادية تتخبط بين برامج خصخصة غير منضبطة تحكمها الشللية والمنفعة الشخصية.. وبرامج مالية ومصرفية سمحت بقدر هائل من النهب للمال العام حتي سمعنا عن ظاهرة نواب القروض! وبين هذه وتلك واجه الشباب وحش البطالة بمفرده فاضطر الكثيرون الي الهجرة وآخرون الي الجلوس علي المقاهي التي اصبحت مفتوحة حتي في اضيق الحارات طوال الليل والنهار بشكل لا نعرف له مثيلا في بقية دول الارض.

لقد تجمد الوضع السياسي في مصر علي مدي ربع قرن بلا تغيير في الاسماء الماسكة لخيوط الحكم والسياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد والمال.. بما حجب عن الجيل التالي كل فرص العمل والأمل معا. لقد سلبت جماعة صغيرة الساحة السياسية والاقتصادية والثقافية بكل مفاتيحها واختطفتها لحسابها الخاص تاركة جموع الشباب من الاجيال التالية لمصيرها من فقر واهمال وجهل وبطالة، فلم يكن امام هذه الملايين من الشباب سوي الانضواء تحت لواء من يقدمون لهم فرصة اللجوء الي الله، فعلي الأقل يحصلون علي نصيب لهم من الآخرة بعد ان ضاع عليهم نصيبهم من الدنيا!

وهكذا كانت حالة الاستلاب السياسي سببا هاما من اسباب تفاقم حالة الالتهاب الديني، وبالعكس كان شبح وصول الاخوان الي الحكــــم علي موجة الالتهاب الديني أحد أهم أسباب سكوت ورضا بعـــض القطاعات المصرية بالنظام.. مكرسة بذلك حالة الاســـتلاب السياسي باعتبارها أهون الشرين، في دوامة رهيبة لا تبدو لها نهاية مشرقة.

اهتزاز مكانة مصرمع التشوه الذي حدث للشخصية المصرية من جراء معاناتها من الالتهاب الديني بفكره السلفي الغائب عن العصر من ناحية.. والاحتقان الناتج عن الاستلاب السياسي وجمود الفكر القيادي في كافة قطاعات المجتمع الحيوية من ناحية اخري ـ وغياب الرؤية السياسية الخالقة للأمل القادرة علي الانجاز داخليا وخارجيا علي السواء، كان من الطبيعي ان تفقد مصر تدريجيا مواقعها القيادية في المنطقة في المجالات السياسية والثقافية والحضارية. فتراجع الإعلام والتعليم وتدهورت الثقافة والفنون والآداب والعلوم، وكاد ان ينقرض المثقف المصري والفنان المصري والمبدع المصري والعالم المصري، ولا نكاد نجد نماذج لهؤلاء في الاجيال الصاعدة. ومع الضعف الداخلي كان لا بد ان يأتي اهتزاز المكانة في المنطقة، ورأينا تراجع الدور القيادي المصري وتقدم الدور السعودي ليكون هو القائد البديل. وليس هذا غريبا فالسعودية هي القائد الطبيعي لحالة الالتهاب الديني الذي اصاب البلاد العربية كلها تقريبا بتشجيع وتمويل من السعودية نفسها. فالفكر السلفي هو السائد اليوم بعد انحسار الفكر الوطني القومي والفكر اليساري الذي اصبح خارج العصر هو الآخر، وتخبط الفكر الليبرالي دون بوصلة وطنيــــة تقوده علي طريق الشرعية فاذا ببعض المؤمنين به يؤيدون الغزو الامريكي للعراق ويدافعون عن مواقف المحافظــــين الجدد المعادية للمصالح العربية بل والمعادية للمنطـــــق والعقل والعدل بصفة عامة.

وهكذا تتصدر السعودية المشهد العربي المشوه الحالي ـ وتنزوي مصر تلعق جراحها الذاتية التي اصابت جسدها وروحها علي السواء.

ويشكل هذا كله خطرا كبيرا يهدد أمن وسلامة ومستقبل مصر.

نعم، ان المحروسة في خطر.

ہ كاتب من مصر يقيم في نيويورك8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية