الشعر نخبوي بطبعه ولكن مع ذلك ينبغي أن يصل الي القارئ

حجم الخط
0

الشعر وتحديات الموت والحياة غ2-2فسامي مهدي

في البحث عن حل إذا كان الشعر، في الماضي، قد نجح في التغلب علي تحدي الفلسفة، وعبر عوائق التحريم الديني، فإن مستقبله يبدو اليوم قاتماً، أو غامضاً في الأقل. ذلك أن عصر العلم والثقافة العلمية لم يبق له الكثير. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالشعر نفسه يواجه تحدياً ذاتياً، بل أزمة داخلية، أزمة في الشعر نفسه، بالرغم من أن العالم يعج بعشرات الألوف، وربما مئات الألوف، من الشعراء. وخير ما يعبر عن هذه الأزمة كثرة التساؤلات حول حاضر الشعر ومستقبله.

وقد مررنا في القسم الأول من هذه الدراسة مروراً سريعاً علي أزمة الشعر في عصر العلم والثقافة العلمية، وتوقفنا عند أزمة الشعر الذاتية وعرضنا المظاهر المعبرة عن هذه الأزمة وهي:1 ـ غياب المواهب الشعرية الاستثنائية، واختفاء المواهب الكبيرة تدريجياً، وضعف المواهب الجديدة.2 ـ تحول الكتابة الشعرية إلي صناعة تلفيقية، أو حرفة صناعية.3 ـ تفاقم أزمة العلاقة بين الشعر والجمهور. وسنحاول هنا أن نبحث في إمكانيات وجود حل لهذه الأزمة، وسنبدأ أولاً بالتساؤل:

إذا كان الشعر حاجة إنسانية متجددة، وطريقة مختلفة وضرورية من طرق البحث عن الحقيقة، كما توصلنا في القسم الأول من الدراسة، فكيف نحميه إذن من اجتياحات العلم والتقدم العلمي؟

إن المواجهة بين العلم والشعر ليست نظرية فحسب، بل هي عملية أيضاً. وإذا كان للعلم منطقه وحججه علي المستوي النظري، فإن للشعر منطقه وحججه المقابلة. ولكن كيف نحمي الشعر علي المستوي العملي؟ ليس لدينا وصفة متكاملة جاهزة لهذه الحماية، ولكن لدينا بعض التساؤلات والتعليقات. إننا نتساءل مثلاً: هل ينبغي للشعر أن يتكيف مع عصر العلم لكي يحافظ علي وجوده ومكانته؟ وكيف يكون هذا التكيف؟ أبالعمل بنصيحة الروائي الإنكليزي جارلز بيرسي سنو للأدباء؟ ((1 أي بان نطلب من الشاعر تعلم أساسيات العلم وأولياته ليكتب شعراً يتفق وعصر العلم؟ أم نطالبه بالاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في صنع قصيدته كما فعل الشعراء الصوتيون والإلكترونيون والرقميون وأشباههم؟

في الماضي كان يقال إن علي الأديب أن يلم من كل علم بطرف. وهكذا فعل الشعراء في العصور الماضية. وبقيت هذه الفكرة سائدة حتي مشارف العصر الحديث. ففي عام 1674 قال درايدن لا بد للمرء من تعلم عدة علوم، وأن يكون علي شيء من العقل الفلسفي، ورياضياً إلي حد ما، ليكون شاعراً مجيداً.(2) وبعد ذلك بأكثر من نصف قرن، بل في عام 1797 تحديداً، رأي كولردج أن من يطمح إلي كتابة الملحمة قد يلزمه أن يكون رياضياً متسامحاً.. ومجيداً في الميكانيكا وعلم توازن السوائل وضغطها، وعلوم البصريات والفلك والنبات والمعادن وعلم المستحثات، والكيمياء والجيولوجيا والتشريح والطب ـ ثم ذهن الإنسان ـ ثم أذهان الناس ـ والأسفار والرحلات والتواريخ.((3 ومع ذلك لم تعد المعرفة بالعلوم شرطاً لكتابة الشعر الجيد حتي في عصر كولردج نفسه. فها هو معاصره روبرت بيرنز يسخر من الشاعر العالم ومن مطامحه العليا عام 1785 ويقول امنحيني شرارة يا نار الطبيعة / فهذا كل ما أرغب فيه من معرفة.(4)ولو جئنا إلي الشاعر الحديث فإنه مطالب من دون ريب بثقافة حديثة واسعة وعميقة ومتنوعة إلي جانب موهبته الشعرية وقدراته الخلاقة. ولكن لا بد لنا من أن نتساءل حول الحيز الذي ينبغي للعلم أن يشغله من مساحة هذه الثقافة. فهل ينبغي له أن يتعلم أساسيات العلم وأولياته علي رأي سنو؟ ومن أين تبدأ هذه الأساسيات والأوليات، وإلي أين تنتهي، في عصرنا هذا بعد أن تشعبت العلوم ودقّت حتي لم يعد العالِم يعرف من علم زميله إلا بمقدار ما له صلة بالعلم الذي اختص هو فيه؟

حسن ربما تكون نصيحة سنو لازمة بقدر ما، أو مفيدة، لكتاب القصة والرواية والمسرح والنقد، بحكم طبيعة هذه الأجناس ومستلزماتها، ولكننا لا ندري كم هي لازمة أو مفيدة للشعراء. ذلك أن الشعر والعلم من طبيعتين مختلفتين. فجوهر الشعر روحي ووجداني، أما جوهر العلم فمادي وحسي. والخيال في الأول هو الأساس، أما الأساس في الثاني فهو العقل. وأسلوب الأول حدسي، أما أسلوب الثاني فميكانيكي. وعلي هذا الأساس لا نري بالشاعر حاجة كبيرة لازمة إلي المعرفة العلمية علي صعيد الكتابة الشعرية، أو هي ليست ضرورية لهذه الكتابة في الأقل.

وربما كان قدر من الثقافة العلمية مفيدا للشاعر علي مستوي ثقافته العامة، ومن باب العلم بالشيء خير من الجهل به، غير أن هذه الثقافة العلمية لا تمنحه علي صعيد الشعر أي امتياز ما لم يكن هو أصلاً شاعراً ذا موهبة متميزة ومهارة فنية عالية. وهذا ما تدل عليه تجارب شعراء معاصرين ذوي ثقافة علمية مثل: الشاعر الأمريكي وليم كارلوس وليمز، والشاعر الألماني غوتفريد بن، والشاعر الصربي ميودراغ بافلوفتش، والشاعر الجيكي ميروسلاف هولوب.

إن هؤلاء الأربعة كانوا أطباء ذوي اختصاصات مختلفة، ولكن الطب لم يكن في واقع الأمر أكثر من مهنة زاولوها شأنهم شأن شعراء آخرين امتهنوا التدريس أو الصحافة أو عملوا في وظائف رسمية أو غير رسمية. لقد كان إليوت مثلاً موظفاً في مصرف، ثم في دار نشر، وكان فيليب لاركن أمين مكتبة، وكل هذه وتلك مهن قد يستفيد الشعراء من خبراتهم فيها حين يكتبون، ولكنهم في الأصل محض شعراء.

وتجارب أولئك الأربعة ترينا أن الشعر شعر، والعلم علم. فبرغم أن بعضهم (بن، هولوب) حاول الاستفادة من مهنته في كتابة شعره، لم يكونوا في ما كتبوا سوي شعراء. فهم لم ينظروا إلي العالم بعيون العلماء، بل بعيون الشعراء، ولو لم يفعلوا ذلك لما كتبوا شعراً. ذلك أن لكل من الشاعر والعالم طريقته في النظر إلي الأشياء، وهذا هو واقع حال الهوة التي تفصل بين الثقافة العلمية والثقافة الأدبية. فهي في الأساس هوة بين طريقتين في النظر إلي الأشياء كما قال العالم البايولوجي الإنكليزي جوليان هكسلي.(5) ونصيحة سنو لا تفيد في ردم هذه الهوة وجمع الشاعر والعالم علي أرض مشتركة. وهذا يعني أن كلاً من الشعر والعلم سيحتفظ بطبيعته الذاتية، ويواصل استخدام طريقته الخاصة في البحث عن الحقيقة.

ما الحل إذن؟

هل ينبغي للشاعر أن يتكيف مع عصر العلم والتكنلولوجيا علي طريقة الشعراء الكونكريتيين بتشييء اللغة واستخدام التقنيات الصوتية والبصرية والإلكترونية في صناعة الأعمال الشعرية؟

إن تجارب هؤلاء الشعراء لم تقدم، كما قلنا من قبل، أية أمثلة أو نماذج، يمكن التأسيس عليها لشعر جديد ذي قيمة جمالية تجعله جديراً بالحياة، منذ ظهور الشعر الكونكريتي في خمسينيات القرن الماضي حتي اليوم.

والواقع إن هذه التجارب ليست سوي عودة إلي الوراء ونبش في مقابر قديمة. فالأعمال التي نتجت عنها ليست، في جوهرها، سوي محاكاة لا إبداع فيها ولا إضافة لأعمال أنتجت في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، أعمال أنتجها شعراء مثل أبولونير وبعض الشعراء المستقبليين والدادائيين ولم يعد ثمة مسوغ فني للعودة إليها ومحاكاتها. ذلك أنها نفسها كانت نزوات عارضة في تاريخ الشعر أكثر بكثير من كونها أعمالاً شعرية جديرة بالاعتبار. وهي إن دخلت في تاريخ الشعر فقد دخلته بوصفها تجارب أو محاولات لكتابة شعر جديد، وليس بوصفها نماذج شعرية عالية تضيف شيئاً ذا أهمية إلي الموروث الشعري العالمي.

فالقصائد المرسومة التي كتبها أبولونير مثلاً كانت، في حقيقتها، نمطاً من محاكاة لقصائد كتبها الشعراء اليونانيون في الإسكندرية القديمة علي شكل معبد أو بيضة أو مزمار، وهو قد كتبها علي بطاقات بريدية وأرسلها من جبهة القتال إلي أصدقائه، إبان الحرب العالمية الأولي، بغية تسليتهم وإضحاكهم، كما يقول موريس باورا، وحافظ علي شكلها عند طبعها في ديوان لإحساسه بأنها تتمتع بجاذبية وأناقة، وأنها تعيد إلي الذاكرة الظروف التي كتبت فيها. (6 ) أما النقد فلم ينظر إليها بعين الجد، ولم يتعامل معها بوصفها تجربة جديدة في الكتابة الشـــعرية، لأنها ليست كذلك، بل تعامل معها بوصفها طرفة عابرة، لأن شعر أبولونير الحقيقي هو في ديوانه كحول وليس في ديوانه رسوم. وقل مثل ذلك عن قصائد دادائية كتبها شعـــــراء مثل: لوي أراغون، وراؤول هاوسمان، ومورغنشترن، ومان ري 7، أو أخري كتبها شعراء مستقبليون، مثل: مارينتي، وهولزنبك. ((8 فهذا النمط من التجارب ظهر علي هامش الحركة الشعرية، وبقي علي هامشها ولم يدخل في صميمها، برغم ما رافقها من صخب وادعاءات. وكانت في جميع الأحوال تجارب حركات شبابية احتجاجية في جوهرها أكثر منها تجارب إبداعية، حركات أفرزتها ظروف تاريخية معينة، وخاصة ظروف الحرب العالمية الأولي، ثم تحللت وانحلت بسرعة، وانصرف المنضوون تحت ألويتها كل في سبيل، واصبحت هي وتجاربها الشعرية شيئاً من التاريخ، برغم ما كان لها من تأثيرات في الحركة الشعرية نفسها.

وإذا كان الكونكريتيون قد عادوا إليها وقاموا بمحاكاتها فربما كان ذلك بتأثير الظروف التي نجمت عن الحرب العالمية الثانية، ولكن ما أهمية هذه المحاكاة وماذا تضيف؟

يبدو لنا أنها لا أهمية لها. وهذا الحكم الجازم لا يستند إلي ذوق خاص أو معيار ذاتي، بل إلي واقع ملموس. فاللافت للنظر أنه لم يكن بين هؤلاء الكونكريتيين شعراء مبدعون لهم شأنهم في عالم الشعر كما كان لبعض الشعراء المستقبليين والدادائيين والسورياليين. فليس بينهم شاعر بقيمة أبولونير أو ماياكوفسكي أو مارينتي أو هولزنبك أو أراغون أو إيلوار أو حتي بريتون. وبين أيدينا الآن أسماء عديدة لشعراء كتبوا هذا النوع من الشعر، ولكننا لا نجد بينها اسم شاعر واحد أصبح ذا شأن في الشعر الوطني، ناهيك عن الشعر العالمي. فمن منا يجد أهمية لشاعر يدعي فرانز مون، أو شاعرة اسمها ميري ألن سولت، أو شاعر آخر يدعي وليم جي سميث، أو آخر اسمه بيير كازيه، مثلاً؟! إننا قد نمر باسم أحدهم حين نعود إلي مصدر يتحدث عن الشعر الكونكريتي، وقد نهز رؤوسنا حيرة أمام عمل من أعماله، ولكننا لن نتذكره في ما بعد، أو نتذكر عمله، حين يأتي ذكر أسماء أعلام الشعراء وأعمالهم البارزة في القرن العشرين.

إننا لا ندين هذه التجارب، أو نحرّمها، أو ندعو إلي سد الطريق بوجهها، لأن هذا موقف يتعارض وحق الاختلاف ويتنافي وحرية الإبداع، ولكننا لا نجد فيها الحل المنتظر لأزمة الشعر الذاتية، لأنها، هي نفسها، أصبحت مظهراً من مظاهر هذه الأزمة، وإن لبست لبوس الانتفاض عليها. ونقول الشيء نفسه عن كتابة الشعر بواسطة الحاسوب (الكومبيوتر). فلقد جرب بعضهم محاكاة العملية الشعرية عن طريقه، ومن هؤلاء ميري بوروف Marie Boro، إذ قامت هذه باستخدام حاسوب IBMوأنتجت عبارة شعرية قد تكون جميلة في حد ذاتها هي عبارة أيتها الحياة، ارقصي مثل عشبة ساقطة صامتة. ولكن هذه العبارة لم تنتج إلا بالاستعانة بمبرمج غذي الحاسوب بكلمات منتزعة من مجموعتين من المختارات الشعرية، ثم قام بتلاعب قسري في التخطيط البلاغي، وأجري ما أمكن من التغييرات بالاعتماد التام علي بوروف نفسها. و قد تحدث الناقد الأكاديمي ك. ك. روثفن عن هذه المحاولة فرأي أن الكومبيوترات إنما تحاكي العمليات الشعرية محاكاة زائفة، وهي لا تستطيع تكرارها. وتندر علي عمل المبرمج فقال: إنه اصطاد مقداراً صغيراً من الخبز من كمية لا تحتمل من الكبس.(9)وتحدثت بوروف عن تجربتها هذه في مؤلفها: الإبداع، واللغة الشعرية، والكومبيوتر Creativity, Poetic language, and the Computerالصادر عام 1971. ومن المؤسف أننا لم نطلع علي هذا المؤلف، ولكننا نثق بما نقله روثفن عن محاولتها، فهو أكاديمي محيط إحاطة واسعة بالشعر العالمي ونقده، وهو أيضاً ذو عقلية حديثة متفتحة، واعتماداً علي وصفه لها نتفق معه بأنها محاكاة زائفة للعمليات الشعرية، ونقول إن ما أنتجته بوروف بكل هذا العناء، وكل هذه القسرية، ينتجه شاعر أصيل في إشراقة قد لا تستغرق أكثر من لحظة واحدة.

إن هذه التجربة قد تقبل بوصفها اختباراً لقدرات الحاسوب وآفاق استخداماته، ولكن لا نظنها مقبولة في إنتاج الشعر، لأن إنتاجه بالطريقة التي جري عليها الشعراء أيسر منها وأرصن بكثير. ويبقي مثل هذا الشعر، في نهاية الأمر، نتاجاً لعقل مصنوع لا يملك انفعالات الإنسان وحدوسه، ولا يتمتع بالمخيلة العجيبة التي يتمتع بها.

ومرة أخري: ما الحل؟!

في رأينا أن الزمن هو الكفيل بحل أزمة الشعر الذاتية، فهذه ليست أول أزمة يمر بها في تاريخه، وهي لن تكون آخر أزمة. فهذا التاريخ ينبئنا بأن الشعر قد يمر بحقبة ركود أو جمود، حقبة تنعدم فيها المواهب الاستثنائية وتشح المواهب الكبيرة ويطغي علي الشعر التقليد والتصنع والتلفيق وتتفشي فيه الألاعيب الثانوية الصغيرة تعويضاً عن الإبداع، ولكنه لا يموت. فلا تلبث أن تظهر فيه مواهب استثنائية تحدث فيه تحولات تعيد إليه عافيته وحيويته واعتباره. فالشعر يتحول ولكنه لا يفارق الحياة.

ونحن نتوقع أن تكون أزمة الشعر الراهنة مخاضاً لولادة جديدة. فهذا التنوع المفرط في الأشكال والأساليب والمفاهيم والتسميات يدل علي حيوية البحث عن حل بقدر ما يدل علي التخبط والضياع، وهو لا بد أن يفضي في ما بعد إلي نتيجة إيجابية يسقط فيها ما يسقط، وينزوي ما ينزوي، ويموت ما يموت، في حين يولد ويبقي ما هو جدير بالبقاء. إذ من يدري فلعل هذا ضرب مما يسمي في زماننا هذا الفوضي الخلاقة!

خاتمة:

بقيت مسألة واحدة نختم بها هذه المقالة هي مشكلة العلاقة بين الشعر والجمهور. وقبل أن ندلي برأينا فيها نوضح أننا لا ننوي الخوض في تفاصيل هذه المشكلة، بل نكتفي بالقول: إن الشعر نخبوي بطبيعته، مهما جنح به الشاعر للوضوح والبساطة. وهذا ما تعبر عنه بصدق وعفوية العبارة الدارجة التي تقول المعني في قلب الشاعر. فدائماً ثمة في الشعر ما هو غامض وخفي علي الجمهور، وغالباً ما تبدو فيه أسرار خاصة ومقاصد بعيدة سكت عنها الشاعر وتكتم عليها. ذلك لأن الشعر صعب و غامض في أصل بنيته وتركيبه وصنعته الفنية، ولذا كانت الهوة بينه وبين الجمهور العام، وكان له جمهور خاص به منذ نشأته. وقد كانت هذه الهوة تتسع وتتعمق، وكان جمهور الشعر يتقلص، كلما تطورت لغة الشعر وتقنياته الفنية، وكلما زاد اتجاه الشاعر نحو عالمه الداخلي وانطوائه علي أسراره.

وقد ظهرت خلال القرون الأربعة الماضية، خاصة، مذاهب فنية عدة، أحدثت في الشعر تحولات فنية عميقة شملت لغته وأشكاله وأساليبه ومفهوماته، وهي تحولات زادته تعقيداً وغموضاً وصعوبة، إذ لم يعد شعر إبلاغ كما كان بل شعر إيحاء، ولا شعر معني بل شعر دلالة، ولا شعر فهم بل شعر تأويل. فلم يبق له من الجمهور الخاص به إلا بعضه، وهو الجمهور القادر علي تلقي الإيحاء وتأويل الدلالة.

ويبدو أن هذه طريق لا عودة فيها. فليس من المنطق في شيء أن نقدم للشاعر وصفة ننصحه فيها بكتابة شعر بسيط وواضح ومفهوم، بعد أن وصل الشعر إلي ما وصل إليه من تطور. ولذا لم يعد ثمة ما يمكن عمله علي صعيد ردم الهوة بينه وبين الجمهور. ومع ذلك ينبغي ألا يثبط هذا عزيمتنا ويثنينا عن العمل علي تقليصها، لاستعادة ما خسره من الجمهور الخاص، أي الجمهور الذي ما يزال يحب الشعر ويهفو إليه، في الأقل. وهذه ليست مشكلة نظرية يمكن معالجتها بأطروحات جديدة تتناول الأفكار والمفاهيم، بل هي مشكلة عملية، يتطلب حلها، أو التخفيف من حدتها، اتخاذ إجراءات عملية ملموسة يمكن تحديدها بنوعين: النوع الأول يتعلق بتوعية الجمهور بأهمية الشعر في حياتنا، والنوع الثاني يتعلق بتيسير وسائل وصول الشعر إلي الجمهور والجمهور إلي الشعر. وفي رأينا أن النوع الأول من الإجراءات ينبغي أن يبدأ من مناهج التعليم، وذلك بتحديث كل ما له علاقة بمفهوم الشعر وتحولاته وكيفية قراءته وخصائصه الجمالية وقيمته الثقافية ووظيفته الاجتماعية ونماذجه المختارة للتدريس.

أما النوع الثاني فهو تيسير نشر الشعر في وسائل النشر المختلفة، وتقديمه إلي الجمهور بأساليب جديدة ومبتكرة وتقريب الجمهور منه.

ونحن في غني عن القول إن هذه الإجراءات ليست من مهمات الشاعر، بل من مهمات المؤسسات الرسمية المسؤولة عن الثقافة، ودور النشر الرسمية وغير الرسمية، والمنتديات الاجتماعية، وربما الشركات والمصارف وأصحاب رؤوس الأموال. وحسبنا من الشاعر أن يكتب شعراً جديداً جيداً يليق باسم الشعر.

ہ شاعر من العراقالهوامش:(1) جاءت هذه النصيحة في محاضرة مشهورة له عنوانها محاضرة ريد ونشرت تحت عنوان الثقافتان والثورة العلمية. وقد أثارت هذه المحاضرة حين نشرت عام 1959 جدلاً واسعاً وصاخباً شارك فيه عدد من كبار الأدباء والمثقفين الإنكليز، انقسموا فيه إلي فريقين: مؤيد ومعارض، فمن المؤيدين كانت الشاعرة إديث ستويل والعالم الروائي وليم كوبر، أما المعارضون ففي طليعتهم الناقد ف. ر. ليفز، ومن أشهرهم الناقد والأديب هربرت ريد والناقد إدموند ولسون والعالم البايولوجي جوليان هكسلي. وقد ظهر الكثير من هذا الجدل علي صفحات مجلة إنكاونتر في عامي 1959 و1960، وكان الفيلسوف برتراند رسل ممن أدلوا بدلائهم فيه.(2) نقلاً عن ك. ك. روثفن / قضايا النقد الأدبي / ت. د. عبد الجبار المطلبي / دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد / 1989 / ص81 (3) نفسه / نفسها(4) نفسه / نفسها(5) جاء ذلك في رسالة علق فيها هكسلي علي محاضرة سنو والجدل الدائر حولها. راجع:Encounter,Vol. X1V,No. 6, June 1960(6) موريس باورا / التجربة الخلاقة / ت. سلافة حجاوي /ط2/ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد / 1986 / ص ص 75 ـ 76 (7) تجد هذه القصائد لدي: علي الشوك / مصدر سابق / ص 143 و144 و145 و146 علي التوالي.(8) تجد قصيدتي مارينتي وهولزنبك في المصدر نفسه / ص 115 وص 162 علي التوالي(9) ك. ك. روثفن / مصدر سابق / ص 249QMk

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية