اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة لبلال خبيز: تحويل العالم إلي شاشة عملاقة

حجم الخط
0

بيروت ـ “القدس العربي” ـ من ناظم السيد: اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة عنوان كتاب الشاعر اللبناني بلال خبيز الجديد الصادر في بينالي الشارقة 8 هذا العام. كتاب يُعدُّ استكمالاً للنتاج الأخير للشاعر الذي توقف عن نشر الشعر ـ وإن كان يكتبه كما أعلم ـ وذلك بعد ثلاثة كتب تعمل في حقول فكرية وفلسفية (وهذا تعريف غير علمي كما سيظهر لاحقاً) هي في أنَّ الجسد خطيئة وخلاص، العولمة وصناعة الأحداث الزائلة و الصورة الباقية والعالم الزائل.

يتخذ الكتاب من الحدث الراهن منطلقاً لإنتاج أفكار غير حدَثية. إنه يقوم بشكل رئيسي علي حدثين أمنيين وعسكريين وبالتأكيد سياسيين وقعا في لبنان خلال السنتين الأخيرتين: اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحرب تموز (يوليو). بالطبع ثمة الكثير بين هذين الحدثين من اصطفافات سياسية وانقسامات أهلية وتفجيرات وتظاهرات واعتصامات وقتل وتدمير واغتيالات شكلت قماشة خلفية للكتاب أو نسيجاً لأحداثه. لكن في الحقيقة لا شيء يجعل هذا الكتاب حدثياً حتي الحدث نفسه. لا تبدو الوقائع الضخمة والمؤثرة هنا سوي ذريعة لإنتاج أفكار تتعلق بالصورة والمدينة والطريقة التي يُصنع بها الحيز الخاص والحيز العام واستخلاص الحقيقي من الافتراضي، والواقعي من الخيالي، والمعاش من الفني. وعليه، يغدو هذا الكتاب الذي نشرت بعض نصوصه كمقالات في الملحق الأدبي لصحيفة النهار، عمليات تأويل متداخلة ومتتابعة لأحداث أقل ما يُقال فيها أنها واقعية لدرجة الصلافة. بلال خبيز لا يستأنس لهذا الواقع ولا يكتفي به كحدث بل يعمل علي تفكيكه وإدخاله في سياقات كتابية حديثة أو إنزاله منازل علوم متشعبة. وهذا بالضبط ما فعله في كتابه العولمة وصناعة الأحداث الزائلة الذي اتخذ الإنترنت حقلاً للشغل علي الصورة ومعانيها. وكذلك فعل في كتابه الصورة الباقية والعالم الزائل الذي وظف اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) والانتفاضة وعدائية الجيش الإسرائيلي وحربي أفغانستان والعراق، إضافة إلي حياة النجوم وبعض الأفلام السينمائية وأنماط العيش، في سبيل استخراج أفكار تدور في معظمها حول عالم الصورة، أي عالمنا الراهن. من هذه الزاوية بدا كتاب اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة استكمالاً للكتابين السابقين علي وجه التحديد. ويكفي أن نتأمل عناوين الكتب الثلاثة لندرك علاقتها بهذا الموضوع الرئيسي. لقد حدث هذا رغم اختلاف الأحداث التي يرتكز عليها كل كتاب، ورغم تنوّع الأحداث في كل كتاب علي حدة.

في كل حال، تنوّع الأحداث ليس ميزة الكتاب لكنه يأخذنا إلي تنوّع مصادر المعرفة في الكتاب. تنتمي كتابة بلال خبيز إلي ما يُسمّي الأبستمولوجي أو علم المعرفة. لهذا هي تستفيد من السينما والشعر والرواية والاجتماع والفلسفة والصحافة والعمارة وبعض المعارف الأخري المتعلقة بالبيئة والتكنولوجيا، تتقدمها واجهة مضللة تُدعي الحدث الآني. الكاتب ـ إذاً ـ هو ابن مفكرين فرنسيين أمثال رولان بارت وميشال فوكو وبول ريكور وصولاً إلي ريجيس دوبريه وموريس بلانشو وبول فيريليو ولو بروتون وإيرفينغ كوفمان وبيار بورديو (طبعاً هؤلاء ليسوا واحداً، ونتاجهم مختلف ما بين الفكر وعلم الاجتماع والعمل علي الصورة، لكنهم يُعدّون مصدراً من مصادر الكاتب). إذا أردنا توجيه الكلام أكثر يمكن القول إن الكتابة هنا تقوم علي ثلاثة حدود متلازمة بشكل عضوي: الفلسفة والصحافة والشعر. ذلك أن خبيز بقدر ما يؤرشف لمادته الكتابية جامعاً الأدلة والبراهين والوقائع والأحداث من السياسة والحرب والعيش والأمكنة، بقدر ما يتأمل هذه المادة، فلا تغدو الأرشفة عملية حسابية بلا دلالات أو جهداً إحصائياً مغلقاً علي الأرقام. بمعني آخر، إن الأحداث الخارجية الموضوعية يُعاد بناؤها بطريقة ذاتية، ليصبح النص نتاج تاريخين: تاريخ الحدث الخارجي وتاريخ الفكر الذي ينتمي في الأخير إلي فرد بعينه لا إلي جماعة إذا قُدّر لنا التمييز بين تاريخ الفكر وتاريخ الأفكار علي ما يذهب إليه تودوروف في كتابه الموسوم نحن والآخرون. أما الشعر فهو الضابط الذي يجمع الموضوع إلي الذات، أي قوة الصياغة التي تشدُّ المعلومة والفكرة بلغة بيانية حيناً وعاطفية حيناً آخر. والحال، قد تكون بعض نصوص بلال خبيز في كتبه الأخيرة شكلاً مستقبلياً للشعر أو إرثاً من ماضٍ شعري بطريقة مقلوبة.

ساهم مع خبيز في هذا الكتاب الشاعر فادي العبدالله الذي كتب الهوامش مع هدي طه. وقد صممته كارول شهيّب. وفي حين جاءت هوامش العبدالله علي طرفي الصفحة شعرية ومستقلة غالباً، كانت هوامش طه أسفل الصفحة خبرية حيناً وشخصية حيناً آخر. أما الغلاف فتمَّ تصميمه ليوحي بشاشة عرض سينمائية، وذلك بجعل العنوان أعلي الغلاف الأبيض، بينما كتبت الأسماء بخط رفيع في الأسفل. هكذا أراد خبيز لكتابه أن يكون عملاً في الصورة من حيث الشكل الإخراجي ومن حيث المضمون. وقد بدا نص خبيز عبارة عن مونولوغ طويل، في حين بدت تعليقات العبدالله وطه عبارة عن حوارات تتداخل مع هذا المونولوغ بين فترة وأخري، أي فترة القراءة وبحسب موضوع النص الأساسي. المونولوغ نفسه تمَّ تقطيعه إلي مقاطع منفصلة ومتصلة، أي إلي أجزاء تؤدي غرض بناء نص طويل كما تؤدي المشاهد غرض توليف فيلم. وقد صدر الكتاب المؤلف من 88 صفحة من الحجم الوسط باللغتين العربية والإنكليزية في الطبعة نفسها. ومن نافل التعليق أنه فاز بجائزة بينالي الشارقة، رغم أن الكتاب الجيد يظلُّ جائزة نفسه في كل الأحوال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية