اذا اجتهدت ستتوصل الي اتفاق سلام مع منظمة التحرير
ان قتل رابين، وعدم تحقيق اتفاق اوسلو، وفشل قمة كامب ديفيد، واندلاع الانتفاضة الثانية، وتوجه جزء من الفلسطينيين من مؤيدي اوسلو الي الارهاب، وموت عرفات، وانتخاب زعيم ذي صلاحية أقل، وفوز حماس في الانتخابات للمجلس التشريعي، وهزيمة فتح في قطاع غزة ـ كل ذلك يضع علامة سؤال علي امكانية توقيع اتفاق سلام اسرائيلي ـ فلسطيني، الآن خاصة. اليمين الاسرائيلي غير المستعد للتوصل الي أي تنازل مناطقي ـ إما لانه بعد صهيوني ومستعد للتنازل عن الهوية اليهودية والديمقراطية لاسرائيل، وإما لانه لا يُصدق العرب ـ سيجد دائما حججا لعدم مضيه الي السلام. الآن، ضعف أبو مازن هو الحجة الأكثر سخونة في السوق. لكن المركز الاسرائيلي، الذي كان يريد التوصل الي تسوية مع جيرانه، رغم أنه لا يعتمد عليهم بالضرورة، لا يبحث عن حجج بل يبحث عن إجابات.
أحدثت تهديدات القاعدة وايران وضعا جديدا ليست فيه اسرائيل العدو الرئيسي للدول العربية، ولهذا قرنت أنفسها جميعا، الي المبادرة العربية، التي تقترح علي اسرائيل سلاما وتطبيعا، اذا صنعنا السلام مع الفلسطينيين ومع السوريين. الحديث عن فرصة تاريخية، ذات أهمية أمنية ـ استراتيجية، ستحوّلنا من نبتة غريبة في المنطقة الي دولة هي جزء لا ينفصل عن المكان الذي اخترنا العيش فيه.
يوجد في سورية طاغية لا يُري براغماتيا، أما في الجانب الفلسطيني فيوجد زعيم براغماتي يُري ضعيفا. كلاهما مستعد للمفاوضات بلا شروط مسبقة وغاياتهما واضحة لنا سلفا. إن اتفاقات السلام معهما كليهما ستضمن لنا تأييد العالم العربي من جهة، ووجود دولة ديمقراطية ذات أكثرية يهودية مستقرة من الجهة الثانية. إن تغيير الوضع، أو تغير الزعماء، قد يُبعدنا عن هذه الفرصة النادرة.
لا ريب في أن الرئيس بوش ليس متحمسا للتفاوض الاسرائيلي ـ السوري. لكنه أعلن بأنه لن يطلب الي اسرائيل الامتناع عن ذلك. مهما يكن الأمر، فلا يجوز لنا أن نخضع للمصلحة الامريكية المعارضة للمصلحة الأمنية والسياسية لاسرائيل. يجب بدء تفاوض مع بشار الأسد، لان السلام مع سورية ايضا سيؤثر في علاقاتها بايران ويفضي الي وقف المساعدة التي تمنحها لحزب الله، وحماس ومنظمات ارهابية اخري.
وفيما يتعلق بالفلسطينيين، من يستعد للتوصل الي اتفاق سلام معهم اذا ما استطاع فقط الاقتناع سلفا بأن اتفاقا كهذا سيفضي الي هدوء تام ـ سيرفضه الي الأبد. إن اتفاق سلام كاملا، يشتمل علي حل لمشكلة اللاجئين ويُمكّن الفلسطينيين من اقامة عاصمتهم في القدس الشرقية، سيعزز أبو مازن، وسيجلب علي سكان الدولة الجديدة الرفاهة، وسيضائل جدا احتمال أن يستعملوا القوة علي اسرائيل. مع ذلك علينا أن نأخذ في الحسبان ايضا احتمال أن نتوصل الي اتفاق وألا ينجح الجانب الفلسطيني في ضمان منع الاخلال الأمني.
من جهة اليمين، برهن الفلسطينيون علي أنهم يقتل بعضهم بعضا وأنهم لا يستحقون دولة تخصهم. لكن من لا يري التسوية هدية للفلسطينيين، بل امتيازا لاسرائيل، يدرك أن الساعة السكانية لا تعمل لمصلحتنا وأن حل دولتين للشعبين آخذ في فقدان قوته.
أدرك ارييل شارون ذلك متأخرا وبادر الي الفكرة الاشكالية للانسحاب الأحادي من غزة، لانه لم يُرد دفع ثمن اتفاق السلام. قال ايهود اولمرت، قبل سنة، انه مستعد للانسحاب من 90 في المئة من اراضي الضفة الغربية علي نحو أحادي. معني هذه المقولة انه كان مستعدا للتنازل عن تسويات أمنية مهما كانت مع الفلسطينيين في الضفة، كما تنازل عنها شارون في غزة.
من ذا يعطينا اتفاقا يوقع في الاشهر القريبة مع م.
ت.
ف؟ سيمنحنا تقسيم القدس الشرقية، لاول مرة في التاريخ، عاصمة معترفا بها. ستنتقل جميع السفارات في العالم الي القدس، وبينها سفارات الدول العربية الـ 22 وأكثر سفارات العالم الاسلامي. الحدود التي سيتم الاتفاق عليها ستكون حدود اسرائيل الدائمة، وستصبح لنا في نهاية الأمر خريطة معترف بها في العالم كله، لا اختلاف فيها. سيُزيل حل مشكلة اللاجئين بمرة واحدة والي الأبد غيمة اللاجئين من فوق رؤوسنا، وهي العبء الأثقل الذي يحمله الاسرائيليون منذ ستين سنة. سينتهي الاحتلال، مع أو بلا أقواس، الذي استمر اربعين سنة والذي جعلنا أناسا مختلِفين، وسينتهي الخوف من أن تُدير اسرائيل ظهرها للرؤيا الصهيونية، وأن تفقد الصبغة اليهودية التي وافق العالم علي منحها إياها في قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة في 1947 . وماذا عن المخاطرات؟ وُجدت مخاطرات دائما، لكن السؤال الحقيقي هو هل استمرار الوضع القائم ليس المخاطرة الكبري. احدي المخاطرات مصحوبة بدخول تفاوض لا ينجح. اذا لم تكن حكومة اولمرت مستعدة للتخلي عن هضبة الجولان مقابل السلام وغير مستعدة للتوصل الي اتفاق مع الفلسطينيين علي أساس حدود 1967، فلا أمل في نجاح المحادثات، ولهذا يُفضل عدم الاختباء وراء حجج مختلفة وغريبة في شأن عدم ملاءمة الجانب الثاني والاعتراف بأننا غير مستعدين لدفع الثمن الذي تدرك الجماعة الدولية كلها أنه يجب دفعه مقابل السلام. هذا موقف مشروع ولا مسؤولية فيه معا، من الواجب الكشف عنه. اذا كانت اسرائيل مستعدة، مبدئيا، لدفع الثمن، فلا يوجد سبب حقيقي لفشل التفاوض. واذا فشل مع كل ذلك، فقد وُجد مع السوريين من قبل اخفاقات ثلاثة ولم يُفضِ واحد منها الي العنف. وكان مع الفلسطينيين اخفاق واحد نشب بعده عنف، ويجب بذل جهد وضمان أنه اذا فشل الجهد لتسوية عامة، فسيكون في الامكان التوصل الي اتفاق مرحلي آخر، وعدم العودة الي خطأ ايهود اولمرت الفظيع، الذي أفضي الي وضع كل شيء أو لا شيء.
اذا وُقع اتفاق مع سورية، فمن المنطقي أن نفترض انها ستحققه كما حققت الاتفاقات المرحلية معها في السنين الثلاثين الأخيرة. الجانب الفلسطيني أكثر اشكالية. يجب علي اسرائيل أن تكون معنية باحداث تغييرات في حماس أو باضعافها عسكريا، وجماهيريا وسياسيا. الطريق الي هذه الغاية لا يمر بفرض حصار اقتصادي وباغتيالات، تُفضي الي نتيجة تعاكس المطلوب. الوسيلة الأكثر جدوي هي اعطاء خصوم حماس أدوات، وعلي رأسها ـ دولة فلسطينية ـ لكي يستطيع هؤلاء أن يعرضوا البديل الذي يُسوغ تأييدا شعبيا.
من المنطقي أن نفترض أن حماس ستعلن بأن الاتفاق الذي ستوقع عليه م.
ت.
ف، لا يلزمها. اذا سيطرت حماس علي غزة عندما نوقع الاتفاق مع م.
ت.
ف ايضا، فسنضطر الي أن نتوصل معها الي وقف اطلاق نار طويل الأمد، لان كل اتفاق كهذا أفضل من الوضع الموجود في غزة. اذا لم ننجح في فعل ذلك، أو اذا فعلنا ذلك وسلكت حماس سلوكا عنيفا، فسنكون أحرارا في أن نعمل في مواجهة من يمسون بنا، كما نحن أحرار في فعل ذلك اليوم. اذا تقبلت السلطة في غزة اتفاق السلام مع م.
ت.
ف، فستُربط غزة بالضفة الغربية وتكون جزءا من الدولة الفلسطينية.
وكذلك الشأن فيما يتعلق بنقض الاتفاق في الضفة الغربية. اذا سبب ضعف القيادة الفلسطينية عدم منع المس باسرائيل، فسنضطر الي أن نعمل بأنفسنا وأن نستعمل القوة. بيد أننا في هذه المرة سنفعل ذلك صادرين عن شرعية تامة.
في الحالة الأفضل، سنتوصل مع م.
ت.
ف الي اتفاق تاريخي. وفي الحالة الاسوأ، سيكون اتفاق السلام الاسرائيلي ـ الفلسطيني شبه انسحاب أحادي اسرائيلي علي النحو الذي أفضي الي انتخاب كديما لقيادة الدولة، لكن مع اضافة موافقة فلسطينية تُمكّننا من الاستجابة للمبادرة العربية استجابة تامة. سننسحب من الضفة الغربية كلها تقريبا، وسيمس بنا الفلسطينيون من الدولة التي ستُقام في الضفة ومن الكيان غير المحدد الذي يقوم في غزة. هذه مخاطرة تستطيع اسرائيل أن تحتملها، لانها أقل كثيرا من مخاطرة الانسحاب الأحادي.
من المعقول أن نفترض أن الواقع سيكون أقل حدة من الامكانين اللذين وُصفا آنفا. من المنطقي أن نفترض أن يستطيع أبو مازن التوقيع علي اتفاق دائم، ومن المنطقي أن نفترض أن يؤيد أكثر الفلسطينيين الاتفاق، رغم ما سيوجه اليه من نقد غير قليل، ومن المنطقي أن نفترض أن العالم العربي سيؤيد اتفاقا كهذا، وأن العالم سيبذل جهدا عظيما لمساعدة اقتصاد الجانبين؛ ومن المنطقي أن نفترض أنه ستكون جهات فلسطينية ستحاول المس بنا، ومن المنطقي أن نفترض أن القيادة الفلسطينية ستبذل جهدا لاحباط محاولات هذه الجهات؛ ومن المنطقي أن نفترض أن اسرائيل ستضطر الي العمل كل مرة للمس بها، بالدفاع عن الذات. لكن هذا سيحدث في عهد مختلف تماما عن حياتنا. عهد سنعيش فيه بسلام مع العالم العربي كله، وتكون فيه الدولة اليهودية ـ الديمقراطية حقيقة قوية ومتفقا عليها، لا موضوعا لعلامات سؤال تُثار في الداخل والخارج اذا لم نتوصل الي الاتفاق المأمول.
يوسي بيلينرئيس ميرتس ـ ياحد(هآرتس) 28/6/2007