اثناء الانتفاضة الاولي، في نهاية الثمانينيات، دعتني جماعة من قادة حركة حماس الي لقاء في غزة. انتظرني ممثل من قبلهم في معبر إيريز وصحبني الي مكاتب الحركة في مركز المدينة.
في ذلك الوقت كنت كما يبدو الاسرائيلي الوحيد في المنطقة كلها. تم اللقاء في يوم الجمعة قبل الظهر، وبعد نحو من عشرين دقيقة، سمعت اثناءها اقوالا معتدلة جدا في موضوع النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، سُمع دعاء المؤذن الي الصلاة. اعتذر القادة ـ وبينهم عدد اغتالتهم اسرائيل في هذه الاثناء ـ وقالوا انهم سيعودون عند انتهاء الصلاة بعد نحو من ساعتين، وطلبوا أن أنتظرهم في المكتب.
أجبت أنني غير مستعد للانتظار وحدي في المكتب خوفا علي حياتي. اذا كان الأمر لا يُحرجكم، فسأصحبكم الي الصلاة، قُلت. كانوا في حيرة ـ كيف سيأتون بصحافي اسرائيلي الي الصلاة الرئيسية للحركة في مسجد فلسطين؟ أجروا بينهم تشاورا وبعد ذلك أبلغوني قائلين ستكون في اثناء الصلاة بوسنيا، من أبطال محاربة النصاري ـ الصرب، تزورنا في غزة (بعد ذلك تم الايضاح لي أنه اختيرت هذه الهوية لأن البوسنيين معروفون بأنهم لا يحرصون كثيرا علي الدين، ولهذا اذا لم أعرف فرائض الصلاة أو العادات الخاصة فسيحتجون لذلك بكوني بوسنيا). سادت في الخارج حرارة تموز (يوليو) وآب (اغسطس) الشديدة. ازدحمنا جميعا في سيارة واحدة، وعندما بلغنا المسجد كان قد أصبح فيه آلاف المصلين ومئات النساء ينتظرن في الخارج.
مرت الصلاة بسلام. ابتدأت الصعوبة عندما صعد الي المنبر أحد خطباء المسجد المعروفين، الذي بدأ تحريضا شديدا علي اسرائيل واليهود. يجب قتل جميع اليهود في العالم، بدأ الخطيب، ومنذ تلك اللحظة لم يكف عن الاقوال المسمومة الفظيعة عن اليهود والمسيحيين ـ كان اليهود مرة متواضعين يسيرون علي الصراط المستقيم، لكنهم تأثروا بالنصاري وفسدت طريقتهم.
وذكر آيات من القرآن عن أن أصل اليهود قردة، واقتبس حديثا نبويا يقول انه في يوم القيامة، حتي اذا هرب اليهودي الي الصحراء واختبأ تحت صخرة أو تحت شجرة، فان الصخرة ستتكلم وستنطق الشجرة وتقولان: يا مسلم، هذا يهودي يختبئ ورائي، تعال واقتله!. عندما عدنا من الصلاة قال لي القادة إن الخطيب طلب تشجيع المؤمنين وأنه لم يقصد بجدية الاقوال التي قالها. كنت دهشا، وخائفا ومهتاجا ولم أوافق علي الصعود الي مكتبهم للاستمرار في اللقاء ـ دخلت سيارتي وسافرت مباشرة الي معبر إيريز.
في محطة مطعم كيبوتس ياد ـ موردخاي التقيت أحد ضباط الادارة العسكرية وحدثته عن التجربة التي مررت بها، ماذا تريد؟ أجاب الضابط. لقد كشفوا مع كل ذلك عن مرونة فكرية وشوهوا بلا تردد الحقيقة، سواء فيما يتعلق بهويتك أو فيما يتعلق بعقيدتهم. لا مشكلة عندهم أن يفعلوا ذلك من اجل ما يرونه هدفا أهم، كتغيير صورتهم في نظر الرأي العام في اسرائيل.
تذكرت هذه القصة مع إطلاق الشريط المسجل لجلعاد شليط. اطلاق معلومات عن المخطوف بلا مقابل، من اجل هدف أهم في نظر قيادة حماس ألا وهو تمجيدهم في نظر السكان بعد اطلاق مئات من سجناء حماس في اسرائيل، وهو ما قد يُسبب استقرار سلطتهم الواهية هناك وضعف الحصار السياسي والاقتصادي المضروب عليهم.
يهودا ليطانيكاتب يساري(يديعوت احرونوت) 28/6/2007