آلان جونستون والإرهاب الإرهابي

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

(1) مصطلح الإرهاب يعتبر نموذجاً للمصطلح المتنازع عليه، لأن مجرد إطلاقه علي فئة أو فرد يعني إصدار حكم تجريمي في حقه. وبحسب المقولة المشهورة فإن من يعتبر إرهابياً عند البعض يكون مناضلاً من أجل الحرية عند آخرين. وما أكثر الإرهابيين الذين أصبحوا رجال دولة، بل وفازوا بجوائز نوبل للسلام.

ويكفي إيراد سلسلة من الأسماء اللامعة في السياسة الدولية من إرهابيين أصبحوا قطب الرحي في السياسة الدولية، ومن بين هؤلاء تيتو وديغول وجومو كنياتا ونيلسون مانديلا وبن بيلا وياسر عرفات ومناحيم بيغين وجيري آدامز، والقائمة تطول. (2)بالرغم من ذلك فإن الخلاف الأكبر حول مصطلح الإرهاب لا يتعلق بتحديد الأعمال التي يمكن أن توصف بأنها إرهابية، بل في تبريرها. فليس هناك خلاف حول أن استهداف المدنيين وغير المحاربين عمل غير مشروع. ولكن من يرتكبون مثل هذه الأعمال يبررونها إما بالقول بعدم وجود خيارات أخري، أو الادعاء بأن خصومهم يرتكبون ما هو أسوأ. ولعل ما لا يعرفه الكثيرون هو أن الخلافات داخل أروقة الأمم المتحدة حول تعريف الإرهاب مرده إلي أن دولاً مثل الولايات المتحدة لا تريد تعريفاً ينطبق علي ما ترتكبه الدول والجيوش من مجازر في حق الأبرياء.(3)في وثيقة نشرت مؤخراً احتوت تعليقات السفير الأمريكي السابق لدي الأمم المتحدة جون بولتون علي تعريف أممي مقترح للإرهاب، أصر بولتون علي إضافة من قبل إرهابيين بعد عبارة الاستهداف المتعمد للمدنيين وغير المحاربين، كما قام باستبدال تعبير المدنيين وغير المحاربين بعبارة الآخرين في بقية النص. وغير خفي مقصد بولتون من هذه التعديلات، وهو حرصه علي أن يدخل استهداف الجنود الأمريكيين والإسرائيليين في نطاق الإرهاب، وأن يبريء الدول من هذه التهمة حين تقوم بأعمال تنطبق عليها كل مواصفات الإرهاب.(4)مهما يكن فإن هناك أعمالا لا يمكن أن يكون هناك خلاف علي وصمها بوصمة الإرهاب وأي عبارة إدانة واستهجان أخري ممكنة. ويدخل في ذلك ما يقوم به البعض من استهداف للمساجد ودور العبادة في أوقات الصلاة، والعدوان علي النساء والأطفال في المنازل والأسواق. لأن مثل هذه الأعمال الوحشية محرمة في كل الملل، ولا يمكن تبريرها بغاية مهما كانت نبيلة.(5)ويدخل في هذا الباب أعمال مثل اختطاف الصحافي البريطاني آلان جونستون منذ أربعة أشهر في غزة والتهديد بقتله، لا لذنب ارتكبه، بل لمجرد كونه بريطاني الجنسية. فهذه جريمة إرهابية لا توجد أي أسباب مخففة لها، خاصة وأنها تسيء إلي قضايا المسلمين عموماً والفلسطينيين خصوصاً، وتساوي بين من يعادون الفلسطينيين وقضاياهم ومن ينصفونهم. وكما كررت مراراً من قبل، فإنها تكشف عن الإفلاس الأخلاقي المعلن للإرهابيين الذين يعترفون لخصومهم بالحرص علي سلامة الأبرياء، والاستعداد لتقديم التنازلات لإنقاذ حياتهم، بينما يؤكدون بأنهم لا يبالون كم بريئاً قتلوا، شأن عصابات المافيا وغيرها من فئات الإجرام.(6)لوكانت مثل هذه الأعمال جائزة في الإسلام لكنا سمعنا بقيام الصحابة باختطاف الآمنين والمعاهدين من يهود المدينة لإجبار يهود خيبر علي الاستسلام مثلاً، أو من بني مخزوم أو غيرهم لإجبار قريش علي التفاوض. وغني عن القول أن الرسول صلي الله عليه وسلم ما كان ليسمح لأحد من صحابته بهذا النوع من الغدر المحرم، والذي يعتبر مرتكبه محارباً لله ورسوله، مستحلاً لحرمات الله وناقضا لعهد الأمان الذي كان مسؤولاً.(7)المرجو أن يثوب مختطفو آلان جونستون إلي رشدهم وأن يتوبوا لله تعالي مما ارتكبوه من غدر في حق شخص بريء، وتهديد آثم بقتل نفس لم يتهموها حتي هم بقتل نفس أو فساد في الأرض. فإن إهدار دم الأبرياء بدعوي أن آخرين من جنسهم أو ملتهم ارتكبوا جرائم مخالف لشرع الله الذي لا تزر فيه وازرة وزر أخري. وكفي ما سببوه من اساءة لسمعة الإسلام والمسلمين بما أتوا من سلوك مخالف لكل تعاليم الإسلام، فوق أنه لن يأتي لقضايا المسلمين سوي بالمزيد من الضرر.(8)حسناً فعلت قيادة حركة حماس حين جعلت إنهاء محنة جونستون من أولوياتها، وفهمت تماماً كم تسيء هذه الجريمة إلي الإسلام والمسلمين وإلي فلسطين وأهلها. ونأمل أن تنجح جهودهم في إنقاذ آلان من آسريه المعتدين. أما إذا نفذ المجرمون تهديدهم بقتل النفس البريئة فإن الواجب هو تطبيق الشرع وحد الحرابة في كل من ساهم في هذا الجرم حتي يصبحوا عبرة لمن يعتبر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية