اصرار الحكومة المصرية علي عودة الجانبين الفلسطينيين المتقاتلين الي مائدة الحوار للخروج من الازمة الحالية، والغاء العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز لقاء كان مقرراً مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس علي هامش زيارته للعاصمة الاردنية، تطوران علي درجة كبيرة من الاهمية يعكسان حدوث تحول ملموس في مواقف البلدين المعنيين.
فالرئيس المصري حسني مبارك اتخذ مواقف متسرعة ومتشددة في الوقت نفسه تجاه حركة حماس، بعد حسمها للاوضاع عسكرياً علي الارض لمصلحتها في قطاع غزة، ووضع بثقل بلاده خلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لانه يشكل في نظره الشرعية في مواجهة الطرف الآخر المتمرد عليها. اما العاهل السعودي الذي رعي اتفاق المصالحة الفلسطيني في مكة فقد التزم الصمت، وان كان موقف حكومته اكثر ميلاً لمساندة الشرعية الفلسطينية، حسب توصيفات الاعلام السعودي شبه الرسمي.
السؤال الذي يطرح نفسه هو عن اسباب هذا التحول، ومدي جديته، وعما اذا كان تحولاً ظرفياً مؤقتاً، ام انه يعكس قناعات استراتيجية راسخة لدي قيادة البلدين؟
من الواضح ان الولايات المتحدة الامريكية كانت خلف الدعوة المصرية لعقد القمة الرباعية في شرم الشيخ بهدف تكوين تحالف عربي اسرائيلي لدعم الرئيس عباس في مواجهة حركة حماس مادياً وعسكرياً، وعلي ارضية تجريم الحركة، ومنع اي حوار معها، واللجوء الي الخيار العسكري، بتعاون الدول الاربع، لتصفية وجودها علي الساحة الفلسطينية وقطاع غزة علي وجه التحديد.
حديث الرئيس مبارك عن الحوار في الجلسة الافتتاحية للقمة اصاب رئيس الوزراء الاسرائيلي والرئيس عباس بشيء اقرب الي الصدمة، وكانت المفاجأة واضحة علي وجهيهما، وكأنهما توقعا شيئاً آخر مختلفا تماماً، ولذلك لم يشاطر اي منهما الرئيس مبارك النهج نفسه، ولم ينطق الرئيس عباس بالذات كلمة الحوار هذه ولو همساً.
امران احدثا هذا التطور غير المتوقع في موقفي قيادتي السعودية ومصر، الاول تنظيم القاعدة الحاضر الغائب في كواليس القمة والمنطقة، والثاني تصلب رئيس الوزراء الاسرائيلي في مواقفه.
فالحكومة المصرية ادركت ان اي تواطؤ من جانبها مع المخطط الامريكي الاسرائيلي لتدمير حركة حماس ربما يؤدي الي تسليم قطاع غزة الي تنظيم القاعدة بالكامل، لانه هو التنظيم البديل لحركة حماس، فالجناح العسكري للحركة الذي حسم معركة السيطرة علي القطاع في اقل من ثلاثة ايام لصالحه، يملك خبرة ميدانية هائلة، ويخضع لقيادات ميدانية متشددة، ويمكن ان يتحول بالكامل للعمل ضد النظام المصري في حال اعلان الحكومة المصرية الحرب علي تنظيمه.
وهو قادر علي ايذاء الامن الداخلي المصري بحكم علاقات الجوار مع سيناء، ووجود علاقات قوية مع بعض العناصر الاسلامية البدوية فيها. وسيناء تعتبر الحلقة الاضعف في الامن الوطني المصري بسبب ضخامتها ووعورتها، وعمليات التهميش التي تعرض لها اهلها من حكومة المركز في القاهرة علي مدي الاربعين عاما الماضية.
اما العاهل السعودي فربما يكون ادرك، وهو الذي رعي اتفاق مكة، ان انحيازه الي صالح طرف ضد آخر في الصراع الداخلي الفلسطيني الحالي سيلغي دوره كوسيط نزيه ومؤثر، وهذا ما يفسر امتناعه عن لقاء الرئيس عباس في العاصمة الاردنية، وهو اللقاء الذي لعبت الحكومة الاردنية دوراً رئيسياً في ترتيبه بحكم رهانها الواضح علي الرئيس عباس، وانحيازها الكامل الي معسكره، ومقاطعتها الصلبة وشبه العدائية لحركة حماس.
من الصعب الجزم بان هذا التحول المصري السعودي تحول دائم وصلب، فالرئيس مبارك مثل العاهل السعودي يتجنب اغضاب الولايات المتحدة الامريكية، ولهذا ربما يكون التريث هو الخيار الافضل قبل اصدار احكام مطلقة في هذا الصدد.