سامي لطيف
الرقص مع الذئاب هو اسم الشريط الهوليوودي الشهير الذي لعب فيه البارع كيفن كوستنر دور ضابط في الجيش الامريكي كانت مهمته ابادة الهنود الحمر، ولكنه ما لبث ان تعرض لمواقف جعلته قريباً من السكان الاصليين اصحاب الارض الحقيقيين، فتحول للقتال معهم ضد الغزاة ابناء جلدته، و الرقص مع ذئاب واشنطن هو عنوان المقال المهم الذي كتبه الاستاذ احمد ابراهيم الفقيه في الاهرام قبل بضعة اسابيع، والذي يتضح من سياقه عقم التشبيه وخطأ المقارنة بين الشخصية الرئيسية في الشريط، الممثل كيفن كوستنر والشخصية الرئيسية التي تناولها المقال: شاها رضا، ولا اتصور ان الكاتب كان يقصد بذلك العنوان المعني الحرفي، اي الرقص مع وولف ويتز اي الذئب ويتز، فذلك لا ينسجم مع المستوي الذي ارتقي اليه قلم الاديب الكبير والصديق الاستاذ احمد ابراهيم الفقيه، وهو كسائر الادباء والكتاب والشعراء العرب وغير العرب، رجل له رؤية للعالم تختلف عن رؤي الكثيرين، واحدي خصائص هذه الطائفة من خلق الله انها تجد لنفسها حقاً في اعادة صياغة الوقائع والاحداث والسير الذاتية، بل وربما اعادة تشكيل الوجود واعادة توصيف الحقائق واعادة انتاج التاريخ علي النحو الذي يتراءي لها في زمان ما في مكان ما، وهكذا كان توفيق الحكيم مثلاً هو مبدع عودة الروح التي تأثر بها جمال عبدالناصر جداً الي حد انها اسهمت في تشكيل وجدانه الثوري، ثم كان الحكيم نفسه هو صاحب عودة الوعي في زمن الارتداد الساداتي علي الثورة… احب هذه الطائفة من صنّاع الكلام، ولكني لا آخذ معظمهم مأخذ الجد، واظل اتتبع نتاج الواحد منهم حتي اقع علي هفوته الكبيرة، اذ اتجاوز عادة عن صغائرهم، فاذا وقعت علي تلك الكبيرة بين زلاته ضممته الي تلك الاغلبية من ابناء الطائفة التي لا آخذها ماخذ الجد، وتراجع تدريجياً اهتمامي بملاحقة نتاجه او تنسّم اخباره… غير ان الاستاذ احمد ابراهيم الفقيه – بالنسبة لي ـــ ليس اديباً عادياً، هو اديب كبير وصديق محبب ودود تربطني به علاقة اجتماعية قوية منذ ما يقارب ثلاثة عقــود، لهذا كان وقع مقاله في الاهرام (الرقص مع ذئاب واشنطن) علي نفسي ثقيلاً بعض الشيء… في ذلك المقال ارتدي الاديب عباءة المؤرخ، ثم راح يتحفنا بأمجاد يسبغها من لدنه علي السيد خالد احمد القرقني، الذي نفخ فيه الاستاذ من روح كلامه فصعد به الي السدرة التي تقع مباشرة قبل سدرة المنتهي، فهو – اي القرقني اشتهر بـ المسيرة النضالية السياسية و صاحب الادوار الخطيرة، فما هي الادوار الخطيرة التي قام بها القرقني عقب غزو ايطاليا ليبيا؟
الاستاذ يقول ان القرقني قد ذهب في المراحل الاولي للغزو الي روما ليتحدث امام البرلمان الايطالي عن الغزو الايطالي لبلاده!
لا اعرف ما وجه الخطورة في هذا الدور؟ واذا كان هذا هو الدور الخطير فأي صفة يمكن اطلاقها علي الذين طلقوا الدنيا ووقفوا ينافحون عن الارض الليبية بدمائهم واستشهدوا في الهاني وسواني بن ادم والقرضابية وكل شبر من ارض ليبيا، وفي ظل موازين قوي مختلة تماما لصالح الغزاة؟
ما هو وجه الخطورة في ان يذهب الاستاذ نفسه مثلاً الي الكونغرس ليتحدث امامه عن العدوان الامريكي علي ليبيا عام 1986؟!
ثم يكشف الاستاذ جانبا آخر لـ الخطورة و البطولة في جوانب شخصية القرقني، ان الاخير ظل في سويسرا يلتقي بالايطاليين المعارضين لموسوليني من نواب البرلمان الروماني، يا لها من جسارة! يا لهذه الامة التي انجبت مثل تلك الفلتة التي لا يجود بمثلها الزمان!… ثم ان خالد القرقني عند الاستاذ قد اصيب باليأس فيما يبدو، اذ فجأة انتقل لخدمـة عبد العزيز آل سعود ملك السعودية الجديد، ليصبح عضواً في المجلس الاستشاري المشرف علي السياسة الخارجية للسعودية، والاستاذ يمنح القرقني ترقية من عنده فيسميه مشرفاً علي تلك السياسة، وهو امر غير ثابت في وثائق تاريخ آل سعود ذاتها، والثابت ان المجلس الاستشاري المذكور كان يضم زمن عبدالعزيز ولاحقاً زمن اول ورثة عرشه سعود، عدداً من المستشارين العرب جلهم اطول باعاً من القرقني، منهم عبدالرحمن عزام وغيث فرعون وآخرون، ثم انظروا هذا المجد التليد الذي اسبغه الاستاذ علي القرقني، اذ اجمعت القوي السياسية الليبية – كما يسميها هو – علي اختيار القرقني قائداً لمسيرة الاستقلال، الا انه عهد بالمهمة الي بشير السعداوي! ففضل الوظيفة عند عبدالعزيز علي الاجماع السياسي الليبي، هذا اذا صدقنا – ونحن لا نصدق – وجود مثل ذلك الاجماع عليه اصلاً، فأي تاريخ مشرف اكبر من ذلك؟!
حقيقةً لا اعرف سر هذا التضخيم المبالغ فيه لدور السيد خالد القرقني، نحن نجلّ ونحترم كل من اسهم بدور ولو ضئيل في مسيرة النضال الشعبي التاريخي لليبيين من اجل استعادة ليبيا لحريتها وسيادتها، ونحسب ان للقرقني دوراً، ولكن اعتراضنا هو علي تضخيم الاستاذ لهذا الدور الي تلك الدرجة… بعد ان اشبع الاستاذ التاريخ طعناً، يخلع عباءة المؤرخ ليرتدي بدلة الـ سموكنغ، وباسلوب يشبه اسلوب التفكير الارستقراطي النخبوي السائد لدي اعضاء مجلس اللوردات البريطاني، يشرع في مناقشة مسألة بول وولفويتز وعشيقته الليبية الاصل التي تحتفظ باسم عائلة طليقها التركي القبرصي: شاها رضا، فالاستاذ يشرعن علاقة الخل الامريكي بخليلته خريجة اكسفورد باعتبارها النمط السائد في الغرب عموماً، ولكن الاستاذ كان فريداً في هذا الباب بين كل الذين تعرضوا لتلك العلاقة، فقد وصفها بانها زواج عرفي علي الطريقة الامريكية، وهذا ما لم تقله او تنقله كافة وسائل الاعلام الامريكية، ويبدو ان الاستاذ قد اشفق علينا من وقع الصدمة، او انه اراد ان يترفع بـ شاها عن اللقب الشائع الذي يطلقه الامريكيون علي مثيلاتها واترفع انا عن ذكره هنا… هناك الاكاديمية الدكتورة غادة الكرمي الاعلامية المعروفة في بريطانيا، هناك المثقفة والاديبة الكبيرة سلمي الخضراء الجيوسي، هناك الاكاديمية الكبيرة في جامعة ريتشموند الامريكية الدكتورة عزيزة الهبري، هناك نسوة عربيات لامعات كثيرات درسن واقمن وعملن في الغرب ثم اعطين نماذج برّاقة، ولكن الاستاذ يوضح في المقال اعجابه الشديد بما تذكره الصحافة العالمية عن مناقبية شاها رضا وذكائها وخبرتها، ويصفها بانها احدي العقول الاستراتيجية المعترف باهميتها علي الساحتين الامريكية والدولية… لقد تناولت اقلام عدة عبر العالم دور شاها رضا في الآونة الاخيرة، سواء من زاوية علاقتها بــ بول وولفويتز، او من زاوية كشف النقاب عن المهام التي قامت بها في خدمة المشاريع الامريكية التآمرية علي الامة العربية والاسلامية والعالم الثالث عموماً، وبعض تلك الاقلام علي سبيل المثال كشف عن دورها في محاربة ارقي النماذج التنموية في العالم الاسلامي، التجربة الماليزية بزعامة مهاتير محمد، المعروف ايضاً بعدائه لهيمنة الغرب علي اقتصاد العالم وجهوده لبلورة انشاء نظام اقتصادي مستقل انطلاقاً من خبرته في بناء ماليزيا الحديثة، فكانت شاها رضا هي اداة من الادوات الامريكية في التنسيق مع انور ابراهيم لضرب الاقتصاد بل والامن والاستقرار في ماليزيا من الداخل… وشاها رضا التي هي الابنة الصغري للسيد خالد القرقني، تذكرنــــي بعبدالله بن جحش، الذي اسلم فـــــــــي بداية الدعوة المحمدية، فلمــــا اشتد بطش مكــــة بالمسلمين واذن الرسول صلي الله عليه وسلم لضعفاء الحال منهم بالهجرة الي الحبشة، كان هو في عداد المهاجرين والمهاجرات، ولكنه علي عكس سائر اعضاء تلك المجموعة المهاجرة لم يلبث ان تنصّر، وعاد المسلمون الي قومهم في المدينة المنورة عقب هجرة النبي صلي الله عليه وسلم اليها، وبقي هو في الحبشة حتي مات وحيداً مشركاً. حدث كثيراً ولا يزال يحدث ان يغادر احدهم الي الغرب للعلم او العمل، فيحدث له نوع من التحول الجذري، يغادر الي قيم الغرب وعاداته وسلوكياته وليس الي مجرد المكان، وشاها رضا وظفت ذكاءها وبراعتها في تخصصها – العلاقات الدولية – في الانسلاخ عن امتها ودينها وموروثها الثقافي والاخلاقي والقيمي، وفي خدمة المنظومة الغربية لا بل اسوأ ما في المنظومة الغربية، جماعة المحافظين الجدد، تماماً كما سبق وانسلخ ابوها خالد القرقني قبل ذلك بعقود عدة عن مجتمعه الليبي وعن حركة الجهاد وعن المقاومة بكافة اشكالها، ليقبل بوظيفة عند ملك في مملكة نشأت في ظروف التنافس الانكليزي الامريكي علي السيطرة علي النفط المكتشف حديثا في الجزيرة العربية… شاها رضا كانت علي ذمة التركي بولنت رضا عندما بدأت تراسل بول وولفويتز، كانت قد اختارت عقب هجرتها برفقة زوجها الي امريكا، العمل بنشاط في ما يسمونه هناك بمؤسسات دعم الديمقراطية، وهي راسلت بول تحديداً لتخبره بافكارها حول ما اسمته دعم الاصلاح في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، الدعوة المنسجمة تماما مع رؤي وافكار كان بول قد بدأ يكتب عنها وزملاء له من نفس نهجه في الصحافة الامريكية، ويبدو ان بول قد اعجبته اطروحة شاها فألحقها بمساعدة زملائه للعمل بالمصرف الدولي عام 1997، ربحت حينذاك وظيفة مرموقة وفقدت في المقابل زوجها الذي يبدو انه لم يرض بالسكوت عن مسلكها… لا بد من التطرق هنا بشيء من التفصيل الي دور هذا الامريكي اليهودي البولندي المولد الذي سيغادر مطروداً من منصبه في البنك الدولي بعد ايام قليلة، وبعد ان اعترف بجريمته وصفته الصحافة الامريكية والغربية بالكذاب، المنافق، السارق، مجرم الحرب. كان بول وولفويتز المتنقل بين العمل الاكاديمي والعمل السياسي والعمل لصالح البنتاغون والعمل الدبلوماسي والعمل لصالح شركات امبراطورية امريكية قبل ان يستقر مؤخراً علي راس العاملين باحدي اهم المؤسسات الدولية، المصرف الدولي، كان واحداً من مخططي السياسة الخارجية الامريكية في آسيا، وكان صديقاً مقرباً لكافة طغاة آسيا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، كان صديقاً لسوهارتو، ولماركوس في الفلبين، وتشون في كوريا الجنوبية، وكان هو – اي بول – اداة هؤلاء الطغاة في تهريب الاموال من بلدانهم الي الخارج وتبييضها لهم، مما اسهم في افقار الشعوب الآسيوية ودفعها الي تكرار الثورة ضد طغيانهم، ووقف وولفويتز ذات يوم امام الكونغرس يدلي بشهادته مدافعاً عن نظام حكم سوهارتو الفاسد داعياً الي الوقوف بجانبه لان ذلك سيــعزز حقوق الانسان والديمقراطية في اندونيسيا!
وولفويتز ايضاً، وكما بات معروفاً هو مثقف المحافظين الجدد رقم (1)، ومن خلال مقامه السامق لديهم كمنظّر ابتدع حفنة من النظريات التي اعتنقوها وعملوا علي اخراجها من الاوراق ليضربوا الاعناق، منها نظرية تشتيت الانتباه، فالولايات المتحدة علي سبيل المثال تقوم بتشتيت الانتباه عما يفعله الصهاينة بفلسطين وبالاتفاقات التي سبق وابرموها هم انفسهم مع الفلسطينيين، باستنباط مشكلات تحول وجه الصراع وتحرف الاهتمام وتشتت التركيز العالمي عن القضية الاصلية، وفي ظل الصراع الحالي علي الشرعية في فلسطين علي سبيل المثال فمن ذا الذي سيتذكر ترتيبات الحل النهائي التي كانت اتفاقية اوسلو قد حددت لها وقتاً ما قبل عشر سنوات؟ وبول وولفويتز هو مخترع نظرية التهديدات الوهمية، لتبرير وتسويغ الاقدام علي مغامرات سياسية وعسكرية او اعلامية او برلمانية داخل امريكا، والادارة الامريكية لا زالت رغم خروج وولفويتز نفسه من صفوفها الرسمية تطبق تلك النظرية، وابرز مثال علي ذلك الآن ما تسوقه الادارة من ذريعة لتبرير نشر الدرع الصاروخي في شرق اوروبا، وهو التهديد القائم من الصواريخ الباليستية الايرانية، وهو تهديد وهمي كما هو واضح للعالم كله، وهو مثير للسخرية في اوساط ودوائر المحللين الاستراتيجيين، ولكنه تهديد يستدعي ان تغامر الادارة الامريكية بالسلام في اوروبا والعالم من اجل مجابهته!
وهو ايضاً صاحب نظرية التدخلات الوقائية لترهيب الخصوم والاعداء علي مستوي الكرة الارضية، وتطبيقات تلك السياسة الميدانية نراها كل يوم في افغانستان والعراق، ويذهب ضحيتها سنوياً آلاف المدنيين، ولعلي لا ابالغ اذا قلت هنا وانسجاماً مع ما قد اصبح معروفاً عن الطريقة التي يفكر بها وولفويتز والتي نقلها لتصبح طريقة تفكير الادارة الامريكية كلها، اقول انه لو صح ما يدعيه وعدد كبير من المراقبين والمحللين في العالم وفي الغرب تحديدا، من ان هجمات 11/ 9 الدامية قد تم ترتيبها لهدف استراتيجي هو اطلاق عالم جديد تكون فيه الادارة الامريكية حرة التصرف فيه، لو صح هذا الادعاء فأنا واثق من ان التاريخ سيكشف يوما دورا لـ بول وولفويتز في التخطيط لهذا الحدث… الاستاذ يسميها بــ السيدة الليبية التي لمعت دولياً، غير انه لا يوضح لنا وجوه ذلك اللمعان عند هذه السيدة، ومن اي نوع هو! لا يقول الاستاذ لنا شيئاً عن علاقة شاها المباشرة بالمحافظين الجدد وخططهم قبل وبعد غزو العراق وهي الخطط التي اصبح معروفاً تماماً للقاصي والداني دور بول وولفويتز المعروف بتعصبه الشديد ليهوديته ومن صقور الصهاينة في الادارة الامريكية في الاعداد لها وتنسيقها وتقديمها للمستوي القيادي الاعلي جورج بوش وديك تشيني ودونالد رامسفيلد، وبول وولفويتز كان هو الذي ارسل شاها رضا الي بغداد عام 2004 لايجاد نماذج نسائية عراقية يتم تلميعها وابرازها في الواجهة الحكومية والسياسية العراقية ضمن الصورة الجديدة التي تريد الادارة الامريكية ان تقدمها للعالم عن العراق المحتل الديمقراطي المهتم بحقوق النساء.. نجد الاستاذ في مقابل ذلك كله يدافع عن نزاهة بول وولفويتز علي راس المصرف الدولي، ويذكر بلا مواربة في مقاله كلمة التشكيك في تلك النزاهة والشك وفق التعريف القانوني لا يعني الا البراءة، وكأنه لم يخرج من الادارة الامريكية قبل ذلك نتيجة تهم تتعلق بتلك النزاهة ذاتها التي يقول الاستاذ ان بعض الوسائل الاعلامية تشكك فيها! او عن علاقتها بمكتب شؤون الشرق الادني في وزارة الخارجية الامريكية الذي تراسه ليز تشيني ابنة نائب الرئيس الامريكي، وعن علاقتها بـ صندوق من اجل المستقبل الامريكي ومهمته دعم وتقوية الحرية والاتجاهات والممارسات الديمقراطية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا بتمويل امريكي مبدئي هو 35 مليون دولار مع وعود بـ 20 مليون دولار اخري في الطريق… وضمن ذلك النشاط تحديداً، نظمت شاها رضا في 2004 مؤتمراً في بيروت لمجموعات ما يسمي بـ الشرق الاوسط وشمال افريقيا لدعم الحريات والاصلاح علي الطريقة الامريكية، وكانت فكرة المؤتمر الرئيسية كما هو واضح من عناوينها، هي الترويج لفكرة المحافظين الجدد بان زرع الديمقراطية في العراق من شأنه التأثير علي كامل المنطقة وفقاً لنظرية الدومينو بمعني ان سائر الانظمة غير المرضي عن ديمقراطيتها من قبل الحكومة الامريكية ستنهار – او يجب ان تنهار – بعد ان انهار النظام العراقي، وكان شبلي ملاط استاذ القانون اللبناني واحداً من اعمدة مؤتمر بيروت، وسبق لـ شاها ان قدمته الي كل من بول وولفويتز واليزابيث تشيني، كما اقر بذلك هو نفسه، وكانت شاها رضا هي التي اسند اليها المصرف الدولي مهمة ملفتة عقب الاحتلال: ملف اعادة اعمار العراق!
اخبرني احد اصدقائي في القاهرة منذ شهر، انه قبل سنوات في مستهل عمله كباحث اعلامي قـــد تلقي عرضا مــــــن الصندوق سالف الذكر لتمويلــه للقيام بابحـــاث ودراسات، وان هذه الـ شاها التي تلقي منها العرض آنذاك اكتشف انها احدي اخطر الكوادر التي تعمل بشكل فعال وباخلاص شديد لصالح المشاريع الامريكية في الوطن العربي… شاها رضا التي درست في مدارس داخلية كاثوليكية في انكلترا ومالطا، والتي بدأ جيرانها في واشنطن عام 2005 يشتكون الي الصحافة هناك من الاجراءات الامنية الليلية النهارية التي تربكهم وتتسبب بها زيارات بول وولفويتز الي شقتها والاصوات العالية المزعجة التي تصدر منها، حيث يصبح الحي الذي تقطنه خلالها محمية امنية يصعب الدخول اليها او الخروج منها، هي نفسها كانت المادة المفضلة لصحف الفضائح البريطانية في ذلك العام وفي مقدمتها صحيفة ديلي ميرور، وكشفت تلك الصحف دورها في اسقاط نظام الرئيس الشهيد صدام حسين من خلال علاقتها وعملها مع احمد الجلبي في مؤسسة ريغان لنشر الديمقراطية، ورغم ان شاها قد تم نقلها الي الخارجية الامريكية من المصرف الدولي بزيادات قررها لها وولفويتز في راتبها بلغت واحداً وستين الف دولار، ليصل في مجموعه الي 193.5 الفاً، الا انها ظلت تشتكي من ان ذلك النقل كان ضد مصلحتها!! الاستاذ يقفز فوق الدور الواضح غير المستتر الذي تلعبه شاها وياخذ عليها كيف انها لم تفعل شيئاً لتليين الموقف الامريكي من ليبيا، ويناشدها بحق الوطن والرحم وصلة القربي و حقوق الاهل ان تفعل شيئاً اليس هذا ما يفعله كل الامريكيين الذين يتحدرون من اصول اثنية وعرقية غير امريكية وينشئون جماعات للضغط او اللوبي التي تعمل للفائدة المشتركة بين وطن الاصل ووطن المهجر؟ يتساءل الاستاذ! لا ادري شكل الضغط الذي يتصور الاستاذ الفقيه ان تمارســـه واحــدة مثل شاها تدفئ لـ بول فراشه في بعض ليالي واشنطن الباردة؟! لا يلبث الاستاذ ان يخلع السموكنغ ويرتدي قلنسوة القاضي، فيقول انه لا يريد ان يصدر حكماً اخلاقياً علي شاها! غير انه بعد ان يتلمس لها الاعذار ويفخّم من مكانتها السامية، يصدر حكماً سياسياً بان من حق امثال اولئك المنسلخين عن مجتمعهم ودينهم وامتهم وقيمهم علينا ان نأمل منهم خيراً، مهما خانوا، مهما تورّطوا مهما ناصبوا العروبة والاسلام العداء باسم الاصلاح والديمقراطية، فاذا هم لـم يوافــونا بالخــير الــذي نأمله منهم فان تهمتهم الوحــيدة عند الاســــتاذ هــي العقوق والنكــران! والاصلاح الذي تبشرنا به الادارة الامريكية ويدعونا اليه بول وولفويتز ويستخدم في تنفيذه عندنا امثال شاها رضا واحمد الجلبي وجورج عبد النور وكنعان مكيه وفؤاد عجمي وليث كبة ونبيل خوري (احد مديري الادارات في الخارجية الامريكية) وفريد الغادري رئيس ما يسمي بحزب الاصلاح السوري في واشنطن، والتابع الامريكي الصريح الذي ادي قبل ايام زيارة ملفتة الي الكيان الصهيوني للادلاء بنصائحه امام لجنة الامن في الكنيست الصهيوني والتي يحظر دخولها الا لفئة محدودة من اعضاء الكنيست، نصائح كان من ضمنها حث الارهابي اولمرت علي عدم الانسحاب من مرتفعات الجولان العربية السورية المحتلة، لان مثل ذلك الانسحاب قد يعزّز النظام السوري، هذا التابع الصريح ما كان لأحد بان يصفه بالوصف الملائم الذي يستحقه الا احمد الطيبي الذي تلقاه خارجاً من اجتماع لجنة الامن بالكنيست ليصرخ في وجهه: يا سافل!
هؤلاء وسواهم من النماذج الاصلاحية المعروفة، هو اصلاح شديد الارتباط بالفساد، ليس الفساد الذي مارسه المحافظون الجدد في العراق عقب الاحتلال وعبر شركات المقاولات العملاقة، وانما بالفساد الذي مارسوه تحديداً في امريكا، مثل ذلك الذي ادين به بول وولفويتز نفسه في المصرف الدولي، بعد ان انتدب عشيقته شاها للعمل تحت ليزا تشيني في الخارجية الامريكية براتب يفوق راتب الآنسة كـــــوندي، فـــي مخـالفة صــريحة لقوانين المصـــرف الدولي نفســــه الـذي يوزّع التهم بالفســـاد علي دول العالم الثالث! لقد كان هم بول وولفويتز كما قالت صحيفتا نيويورك تايمز الامريكية و فايننشال تايمز البريطانية منصباً علي اتخاذ القرارات المتعلقة بتجميد القروض الي الدول الفقيرة بذريعة تورطها في الفساد، والتي كانت مجرد ذريعة لتشويه تلك الدول المعروفة بمعارضتها لسياسات الولايات المتحدة الامريكية، وما حدث من تجاوز مع شاها في المصرف الدولي لم يكن فريداً من نوعه، فقد احتج مديرو المصرف كذلك علي قيام وولفويتز بمحاباة اثنين آخرين رفع رواتبهما الي ارقام فلكية قياساً بقوانين المصرف، وهما روبن كليفلاند وكيفين كيلمز وكلاهما من زملائه ومعاونيه ابان منصبه السابق في البنتاغون!
ما كان بودي ان يجانب التوفيق الاستاذ الي هذا الحد لا في عباءة المؤرخ ولا في سموكينغ الكاتب ولا في قلنسوة القاضي، ما كان بودي ان اصطدم برؤيته للاشياء علي غير ما هي عليه، فواحدة من بنات عبد الله بن جحش بدلت وطنها وغيرت جلدها واختارت طوعاً العمل بين صفوف اعداء بلدها وامتها لا يتم تبرير ذلك لها، ولماذا يعجز بوش عن تبرير فساد بول وولفويتز وهو الذي اجلسه علي راس المصرف الدولي، ويتطوع منا من يبرر فساد عشيقة بول وولفويتز ويخترع لها نسباً عظيماً ولعائلتها مجداً عريقاً، ويدعونا بعد ذلك الي ان نأمل منها خيراً؟! قد عرفت هذه الــ شاها يوماً عندما طرقت باب مكتبي في اتحاد طلبة الجماهيرية – فرع بريطانيا سنة 1978 – 1979 تطلب الحصول علي بطاقة عضوية الاتحاد، اخبرتني حينها انها ليبية تدرس في اوكسفورد واسرتها مقيمة في تونس، ولم يخطر ببالي آنذاك ان تلك الشقراء النحيلة التي تتحدث العربية بركاكة جعلتني اظنها انكليزية لاول وهلة، قبل ان تصحح لي بانها ليبية واسمها شاها خالد القرقني، لم يخطر ببالي انها ستصبح محط آمال اثنين: بول وولفويتز في استخدامها ضد قومها، واحمد ابراهيم الفقيه في استخدامها لصالحهم!ہ كاتب وباحث سياسي من ليبيا[email protected]