الفنان صادق طعمة في معرضة الجديد تكريم الماضي : هيمنة الملامح السومرية والحروفيات والأساطير الدينية

حجم الخط
0

لندن ـ “القدس العربي” ـ من عدنان حسين أحمد: أقام الفنان صادق طعمة معرضاً شخصياً في صالة جيرسي الواقعة في أوسترلي بارك للمدة من 2 ايار (مايو) الجاري ولغاية الثالث عشر منه. وقد ضم المعرض خمسين لوحة فنية مختلفة الأحجام، متنوعة الثيمات، غطت مساحة زمنية طويلة تمتد من أواسط الثمانينات من القرن الماضي وحتي الآن.

تستمد لوحة الفنان صادق طعمة بعض قوتها من المزاوجة بين التقنيات القديمة والحديثة. ورغم أهمية الموضوع في لوحته، إلا أن الأسلوب، والمعالجة الفنية، وطريقة التعاطي مع العمل الفني هي التي تشكّل في النهاية المقترب الأساسي الذي نستطيع بواسطته أن نفلسف عمله الفني، ونقرأه قراءة فنية تكشف لنا ما تنطوي عليه الطبقات البنائية من جماليات بصرية تجمع بين رصانة التصميم، وصرامة الإنشاء الغرافيكي، ومجمل معطيات التشكيل من خط ولون وحركة وبنية عميقة تؤسس لشبكة العلاقات الداخلية التي تتكشف رويداً رويداً للمتلقي الذي يمتلك بعض القدرة علي تحليل الخطاب البصري الذي يتبلور في أشكال فنية متعددة كاللوحة والعمل الغرافيكي والمنحوتة وما الي ذلك. تجدر الإشارة الي ان الفنان صادق طعمة قد درس التصميم إضافة الي الفن التشكيلي، كما أنجز العديد من الأعمال الغرافيكية، والرسوم التوضيحية أو التزيينية Illustrations لعدد غير قليل من الإصدارات والمطبوعات العراقية خلال السنوات المحصورة بين تخرجه من معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1974 وحتي مغادرته العراق الي لندن عام 1978 ولا يزال يقيم ويعمل فيها متفرغاً لتكريس تجربته الفنية التي أسفرت حتي الآن عن 42 معرضاً شخصياً وجماعياً. ولعل ما يلفت الانتباه في المنجز الفني لصادق طعمة هو ولعه بالملامح السومرية الموغلة في القِدم، بل ان الثيمات والموضوعات القديمة تجد في نفسه صديً خاصاً ومُحَبباً. ولو توقفنا عند بعض أعماله الغرافيكية فسنجد الشخصية السومرية تهيمن علي السطح التصويري مثل لوحة بين أشجار النخيل أو غرافيكياته الأُخَر التي تتسيّد فيها المرأة ذات الملامح السومرية والتي تأتي دائماً مترافقة مع النخلة العراقية التي باتت أيقونة لأكرم أنواع الشجر في العراق. يمكن القول إن هذا الولع الغرافيكي قد تكرّس في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وتحديداً منذ عام 1987، غير أن المتتبع لتجربة صادق الفنية سيجد من دون عناء كبير أن هذا الفنان كان مولعاً بتوظيف الحروفية في لوحته الفنية منذ عام 1986، وقد استمر هذا الافتتنان بقوة الحرف العربي وجماليته حتي يومنا هذا. وقد ضمَّ معرضه الأخير تكريم للماضي عدداً غير قليل من اللوحات الحروفية التي انضوت تحت عناوين وتسميات شتي من بينها قصيدة حب و قصيدة غزل وفي عدد من لوحات ألواح طينية. والمدقق لهذه اللوحات الحروفية سيجد أن الحرف العربي يتحرك في كل الاتجاهات علي قماشة الكانفاس، غير أن هذه الحركة الفنية تأخذنا حتماً الي أشكال النوتة الموسيقية، كما أن اللوحات الأخر تذكرنا بأن مفردات الإنسان والطبيعة قد اشتقها الفنان من الأحرف العربية. فالحرف هو الحاضنة بينما تأخذ التفاصيل البشرية والحيوانية والنباتية والجمادية شكل الحرف العربي، غير أن الفنان صادق طعمة يجرِّد هذه الأحرف من دلالاتها المعنوية مكتفياً بقوة الشحن الكامنة في بعدها الموسيقي الذي نتعرف عليه في النوتة الموسيقية فقط. وهذا المقترب هو مهم من مشروعه التجريدي، حيث تتلاقح في لوحته مدرستان أساسيتان هما التشخيصية والتجريدية، كما ينوّع بين أوان وآخر علي محمولاته الفنتازية التي تخترق عمله الفني بوعي أو من دون وعي. ورغم إدعاء صادق طعمة بميله الي التجريد الحروفي إلا أن بعض لوحاته تحتفي بالقصيدة كثيمة ومضمون خصوصاً إذا استطاع المتلقي أن يفكك ديباجة النص الشعري، ويخلِّصه من تشابكاته وتداخلاته مثل مقصورة الجواهري المشهورة التي يقول فيها: سلام علي عاطرات الحقول تناثر من حولهن القري كلانـا يكابــد مُـرَّ الفـراق علي كبدينا ولذع النوي يري صادق بأن هذه الأبيات قد كتبت بخطوط مختلفة منها الكوفي الهندسي علي شكل صندوق مكعب له دلالات كثيرة في طرائق التعبير الروحية والنفسية والصوفية ربما. فالتعلّق الروحي هنا يخرج من مداه الشكلاني الخارجي ليلامس في نهاية المطاف أقانيم النفس الداخلية التي تتمثل المعطيات الجمالية بطريقة روحية خالصة هي أقرب الي التجليات والرؤية الصوفية منها الي التمثلات الواقعية الملموسة التي نراها بالعين المجردة.

الذات والموضوعيترجّح صادق طعمة بين ثنائية الذات والموضوع في مجمل أعماله الفنية. فهناك لوحات تتحدث عن الذات المفردة كما في لوحة بورتريه أو قيلولة أو وحدة، وربما تمتد الي مساحة أوسع من الذات الواحدة لتشمل ثنائية العاشق والمعشوق كما في لوحة حب فوق السطوح أو في الغابة وربما تأخذ بُعداً جمعياً كما في الزوبعة أو في لوحات أخر مثل سلسلة نساء من الملح حيث سعي صادق الي توظيف الميثولوجيا الدينية التي وردت في قصة سيدنا لوط ع. ورغم بُعد المنحي الدلالي الذي تنطوي عليه قصة النبي لوط، وهي قصة معروفة للجميع مفادها أن الله سبحانه وتعالي غضب علي قوم لوط الذين أرادوا أن يواقعوا الملَكَين اللذين هبطا الي الأرض بهيئة بشرية جميلة فأفناهم الله عن بكرة أبيهم بحجارة من سجّيل منضود، وبضمنهم زوجته التي التفتت الي الوراء لتري الدمار الذي حلَّ بسدوم وعامورة. أما محنة العراق الراهنة فأسبابها معروفة هي الأخري، غير أن صادقاً انتقي منها لحظتها التراجيدية التي تقارب بين السجّيل السماوي الذي ضرب سدوم وعامورة وبين الصواعق والقنابل الذكية التي دمرّت العراق وقوّضت بناه التحتية. فلوحة نساء من الملح الأولي التي تتضمن امرأة واحدة غطت عينيها بيديها الاثنتين لتتفادي حجم الخراب الذي فتك بالبلاد والعباد في إشارة ذكية الي الخراب الذي يشهده العراق حالياً حيث تفتك به المفخخات والأحزمة الناسفة والقنابل العمياء التي تأتي من أمكنة مجهولة وغير متعينة لتسقط علي التجمعات البشرية وتلتهمها. ولو أمعنا النظر الي جسد المرأة من الناحية السفلي لوجدناها قد تفتتت وذابت كفص الملح في إشارة الي تفتت زوجة لوط وأهل سدوم وعامورة التي نجا منها النبي وأهله باستثناء زوجته التي أرهبتها الصيحة السماوية ولم تمتثل للأمر الإلهي فماتت شر ميتة. أما اللوحة الثانية التي تحمل العنوان نفسه نساء من الملح والتي تم اختيارها لتزيّن الغلاف الخلفي لدليل المعرض فهي عبارة عن مجموعة من النساء الثاكلات المنكسرات اللواتي يبدأن بالذوبان والتلاشي مثل فتات الملح أيضاً إثر تساقط شهب السجيل من شاهق السماء الغضبي، غير أن خلفية اللوحة تظهر فيها زقورة عراقية شامخة تستنكر بصوت عال ما يقع للعراقيين من حروب طائفية، وانقسامات حادة، وتطهير عرقي قد يفضي بالبلاد الي دمار مروّع لا يختلف كثيراً عما حلّ بسدوم وعامورة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية