ابو ظبي ـ “القدس العربي” من محمد يوسف ديوب: باسم الإبداع، رسما ولحنا وكلمة، أفتتح معكم هذا المعرض الفني، معرض السبعة. والسبعة رقم مقدس في الأساطير العالمية والعربية، وهو رمز الكمال. وإذا كانت الملحمة البابلية تبدأ بوصف جلجاميش بأنه هو الذي رأي… فإن الفنان المبدع في عصرنا هو الذي يري ويقرن المحبة بالجمال ليمنحنا المتعة والفائدة. وأذكر في هذا اللقاء قصيدة جون كيتس الجرة الإغريقية وهو يمجد فيها خلود الفن بقوله: إن أوراق هذه الشجرة لن تسقط أبدا، وهذا العاشق الذي يطارد حبيبته لن تنطفئ لوعته، كما أن حبيبته لن يذوي جمالها أبدا. إن الفن رسالة تتجلي في أن تجعل الحياة أجمل وأشد بهجة واستبشارا. وأنا إذ أدعوكم لمشاهدة لوحات هذه الكوكبة الشابة من المبدعين والمبدعات والاستمتاع بتأملها، أود التأكيد علي أن العمل الجماعي يحمل قيمة فنية وجمالية إضافية سنراها في أكثر من لوحة ونعيش التجربة معهم من جديد. بهذه العبارات المختزلة لمعان كبيرة افتتح الشاعر علي كنعان معرض السبعة في غاليري قباب في حركة غير تقليدية، كسر المألوف كالأعمال المقدمة التي تفيض بالثورية والخروج عن الواقع بالتجربة وجرأة التقنية وخواص الخيال. كان وراء فكرة هذا الافتتاح مرشد المجموعة صلاح حيثاني الذي أوحي بتتويج عرض أعمال السبعة غير التقليديين بهذا الافتتاح غير التقليدي، وصلاح صاحب تجربة تشكيلية خاصة، وإن كان قد خاض بمواد فنية بمتناول الجميع ولكن لم يقع في متاهة التكرار وإن كان يعرّف عن نفسه كمتخصص باللهجات وليس كتشكيلي فقط وتري ذلك واضح المعالم في أعماله من خلال إدخال نوع من الحروفية وإن بشكل لا يطغي ولا يغيّر من خواص عمله الفني فتبقي روح العمل الفني المجرد موجودة دون أن يحمل العمل أعباءً فكرية، وتجربته الفنية يصقلها سفره الدائم وخاصة بين مكان إقامته في هولندا وبين أبو ظبي، ويتخذ من خلال ورشات العمل في المرسم الحر مكاناً مهماً لإخراج أعماله. وهنا لا بد من التعريف بأفراد مجموعة السبعة التي يشكل صلاح مرشدها وأحد أفرادها المشاركين في هذا المعرض. حسنة وفايزة وفائزة مبارك ثلاث أخوات من الإمارات مواهب تعد الحركة الفنية بالكثير من العطاء وتعمل بنفس منحي المواد ولكن لكل واحدة خصوصية تجمعهن تقنيات الحداثة وغرابة المادة وتتميزن عن بعضهن بخطوط فكرية مختلفة، وتحملن حماساً كبيراً باتجاه هذا المشــــروع الفني وتعدن بمزيد من العطاء والبحث، وكل واحدة تمتلك بالإضافة للعمل ضمن المجموعة مشـــــــروعها الخاص الذي تعد به، المادة تبقي هاجس فايزة وهي تميل إلي البعد الثالث أكثر باقتراب نحتي لتخرج مـــن إطار اللوحة إلي حواف مترامية الأطراف فتلـــــغي رتابة الخط المستقــــيم إلي منحيات أكثر حيوية وحسـنة تأخذنا عبر جغرافيتها الخاصة لنرحل في تضاريس اللوحة وأحياناً تشعرنا بمتعة المتاهة وكأننا عبر كثبان لونية تعانق بها لون التراب، أما فائزة فيؤرقها حماس اللون واكتشاف المجهول وتريد الخوض بغمار الرقم إلي متواليات شكلية تنصهر في غمار المساحات لتتمكن من التحليق باللوحة بحرية مطلقة وهنا لا بد لنا من إسقاط الضوء علي ولادة مشاريع فنية أنثوية من الإمارات نشاهد بوادرها في صالات العرض في دبي ومختلف الإمارات تلقي الدعم والتشجيع والاهتمام الإعلامي الكبير. فاطمة فنانة تشكيلية أيضاً من الإمارات وهي تستعد لعرض مشروع تخرجها من كلية الفنون في نفس الصالة بعد معرض السبعة مباشرة، هاجسها الفكرة وروح المادة قبل خواصها التقنية، يقلقها ما تحمله من أفكار كثيرة والروح تسمو للكثير من الإبداع، حماسها يتصف بحرارة متفاقمة وثورية خاصة، وهي وإن كانت تصيغ الأعمال من خلال سياق التقنيات التي تستخدمها المجموعة ولكن تدخل حرارة اللون مع بعض الرموز والإشارات تارة من خلال الخط وتارة من خلال التأثير بالأحمر لتأخذ النظر نحو عمق المجهول. سمر الحسيني من القدس، فلسطين – وهي تأخذ بأصالة الفن من زمن عصر النهضة وتعيد صياغة العمل مروراً بتقنية الكولاج خارجة بعمل فني متكامل يحمل ما تريد من رسالة للعالم بدم خاص، وإن ما عرضته من أعمال هنا تحمل تجربتين مختلفتين بالتقنيات ولكن خرجت من بوتقة واحدة، وهنا لا بد من الإشارة الي النضوج في تجربتها بالإضافة لوجود نوع من الحذر المدروس في العمل وخاصة عندما اختارت المساحات المناسبة للّوحة لأنها تستخدم تقنيات الكولاج بمساحات صغيرة مع اختيار الخلفية لها بنوع من الدقة المتناهية، وقد وفقّت بذلك مستفيدة من تجربتها الفنية الطويلة. إياد منذر عباس من بغداد العراق وهو مهندس إنتاج يحمل من الفكر والثقافة ما يؤهله لأن يكون أكثر من فنان وهو صاحب خبرة مميزة بالحياة والفن، وتجربته مع المنظمات الإنسانية والخيرية صقلت تجربته الفنية التي يجعلها ضمن نفس المسار ويوظفها ضمن نفس السياق، والفن لديه له وظيفة إنسانية كبيرة ومهمة ويخرجه من نطاق الجدار، فلم يعد العمل الفني مجرد لوحة محددة بل خرج إلي التجربة الإنسانية الجماعية، وأما في هذا المعرض فقد عرض تجربته الخاصة مع المجموعة مخصصاً مجالاً موحداً للعرض ليبقي ضمن المعزوفة الواحدة، أي بمعني ألا يكون هناك نوع من التشويش أو الخروج عن عمل الورشة الفنية هذه بشكل عام. وإن كنت قد تأخرت عن الافتتاح بعد أن أُخبرت عن موعده ومكانه، وكنت لأول مرة آتي إلي الصالة كونها حديثة العهد وبعد هواتف متلاحقة مع الأصدقاء وأنا علي الطريق لأجد نفسي بعد ساعة من البحث في المنطقة خلت نفسي قد تأخرت وفاتني الافتتاح.. ولكن..! فــوجئـــــت أنني أمام حشد من الأعمال كحشد الحضـــــور وهذا شيء ملفت للنظر في صالة عرض حديثة العهد بأبو ظبي، واللوحات لم تكن غريبة عني فقد شاهدت معرض صلاح في المجمع قبل سنوات ثم معرض طلابه بعد فترة وكنت قد تحاورت معه عن تلك التجربة فــي وقتها ولكن لم أفاجأ بالتقنية والمادة فقد استــــخدمت من قبل فنانـين وإن بصور مختلفة ولكن المهم في الموضـوع أسلوب استخدام هذه التقنيات وتوظيفها، ولا أخفي حماسي لهذا النوع من البحث، فشهادتي لا تقبل لتحيزي نحو هذه التجارب والأساليب، ولا بأس من الخوض في غمار الفكرة قبل الولوج للتقنيات والمواد. وكما أسلفنا من خلال الحوار مع الفنانين كل علي حدة كانت هناك أشياء مشتركة تجمع المجموعة، وإن اختلف كل فنان بشخصيته عن الآخر مع الرابط الجامع للمجموعة ككل ومع أن هذا المعرض الجماعي وبهذا الرقم ليس الأول فقد سبقته معارض كثيرة بنفس العدد ولكن الخصوصية بهذا المعرض هي انتماء الجميع لمدرسة واحدة مفرداتها المادة والمعالجة الفنية الخاصة. وإذا كان اعتماد المجموعة من خلال هذا العرض علي نتاج ورشات فنية مشتركة وحدتها التقنيات وإن أراد كل فرد إدخال مشروعه الفكري الخاص ضمن هذا المشروع الكبير المتكامل للمجموعة وهنا المميز بهذا المعرض الذي لا يمكننا أن نقول أنه معرض جماعي لعدة فنانين وحسب بل هو نتاج ورشة فنية خرجت من نطاق الشخص إلي أفق أرحب تتعمق في مكنوناته المجموعة.