مزادات سوذبيز: صيف الانطباعيين وفن الاستشراق احتفاء بسوسن مونيه ونساء ماتيس.. واضاءة علي رينوار وحلاق اسطنبول والحياة اليومية في السوق

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

انشغل بيت المزادات المعروف في لندن سوذبيز في الاسبوعين الاخيرين من شهر حزيران ( يونيو) الماضي بسلسلة من المزادات احتفت بالحركة الانطباعية والفن الحديث وكان من اهم مبيعات المزاد لوحة رسمها الفنان الفرنسي المعروف كلود مونيه لحوض من ازهار السوسن غرسه في بيته في جيفرني. واللوحة التي كانت في مركز المعرض هي جزء من سلسلة من الاعمال التي احتفي بها المزاد. وتمثل اللوحة وغيرها من اهم اعمال الانطباعيين ذروة هذا الفن اذ ان حوض السوسن يعبر عن اهتمامات مونيه في اثر الجو علي الانفعالات اللونية. وقد بيعت اللوحة باكثر من 18 مليون جنيه استرليني. وقدم المعرض الذي اقيم علي هامش المزاد صورة عن اتجاهات الفن الانطباعي في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد اعتبر منظمو التظاهرة لوحة حوض السوسن من اهم الاعمال الايقونية التي تقدم اضخم معرض عن الفن الانطباعي في العالم. وتظهر ان هناك اقبالا علي الفن الانطباعي وان الذائقة لهذا الفن لم تتراجع. ومع مونيه ورينوار في لوحته او بورتريه انفعالات وهي اللوحة التي تثبت قمة ما وصل اليه الفن الانطباعي وتظهر التفاصيل الجمالية في وجه السيدة، نضارته ولونه العاجي، حيث تشير الي مدي تأثر رينوار باعمال الاساتذة من ممثلي هذا الاتجاه في القرن الثامن عشر. يأخذك المعرض قي رحلة مع اعمال اهم الانطباعيين مثل بودين ولوحاته التي قدمها حول حركة المصطافين علي شاطئ تروفيل. فقد قدم بودين في لوحاته حركة كرنفالية لنساء في ملابس زاهية بدلا من رسم الامواج والسفن والقوارب. وفي هذا النوع من اللوحات او سلسلة الاعمال التي قدمها عن الشاطئ، تظهر اهتمام الفنان كمراقب لطباع الناس وتقلبات الجو. وبنفس السياق يقدم المعرض عددا من لوحات هنري دي تولوز لوتريك عن الاطار الداخلي والجو العام في مواخير باريس والتي تمثل المرحلة الاخيرة من حياته وفيها يقدم تفاصيل العالم الداخلي الذي يقبع في اعماق موضوعاته، مثل لوحة مدام بوبول التي قدمها في اكثر من عمل منذ عام 1897 حتي وفاته عام 1901. اذا كان تولوز لوتريك اهتم برسم تفاصيل الانثي وانفعالاتها النفسية فان ادغار ديغاس اهتم بالتقاط الحركة وتفاعلها مع الجو. وقد اهتم ديغاس برسم سلسلة من اللوحات لنساء يحضرن لاخذ حمام او بعد خروجهن منه، حيث حاول من خلالها استكشاف جسد المرأة ومن اكثر من زاوية او وضع، ولم يتعب ديغاس من متابعة هذا الموضوع حيث عاد اليه في اكثر من مناسبة. وتعكس سلسلة لوحاته عن راقصات الباليه اهتماما بهذا الفن حيث اهتم في شبابه بفن الباليه وراقصاته. وحضر في فترة الستينات من القرن التاسع عشر عددا من العروض وبشكل منظم. وتمثل العديد من اللوحات الطريقة التي اضفي من خلالها ديغاس خياله وتأملاته علي عالم الراقصات خاصة تلك اللوحة التي تصور راقصة باليه في ثوبها الابيض وهي تمد ذراعها وكأنها تحاول اختراق الغيوم. وفي لوحات ديغاس دائما هناك اهتمام بوقفة البالارينا، وتفاعل الثوب مع الحركة المسرحية. هنري ماتيس قام هو الاخر بمحاولة الامساك بموضوعه وهي هنا عارضة في نفس الثوب والجلسة. ونفس النظرة وهي تحدق بالمشاهد كتعبير عن الوحدة والثقة بالنفس. كما حافظ ماتيس الذي انقطع عن العالم الخارجي عام 1937 علي موضوعاته، وركز علي تقديم محتويات غرفته في فندق ريجينا. ولانه كان مهتما بالتصميم الداخلي فقد قام بتحويل غرفته او شقته في نيس، ستائرها ومراياها وجدرانها الي ارضية او مسرح يقدم من خلالها عارضاته في اكثر من وضع.

الحياة والوجوه في مونتابرناس الفرنسية قام بتوثيقها اميدو موديغالياني. بول غوغان ايضا حضر في هذا المعرض الانطباعي من خلال عدد من الاعمال خاصة المشاهد الثابتة قوارير الزهور. فقد قدم في هذه الاعمال التي انشغل فيها في المرحلة الاخيرة من حياته، نضارة الزهور وتوزيعها اللوني الجميل، وقد انجز عددا من اللوحات التي تنتمي الي هذه الفترة بعد عودته الي باريس من رحلة قام بها الي مقاطعة بريتاني بعد ان غادر العاصمة في رحلته للبحث عن المشاهد الطازجة والعذراء التي لم تصل اليها العين. وقد مثلت هذه المقاطعة لغوغان وعدد من معاصريه ارضا عذراء لم تتشوه بعد بالتقدم وحافظت علي اصالتها. فجمالية مناظرها وطريقة حياة سكانها التقليدية. وقد عكس الفنان في لوحاته ميلا للبحث عن المناظر البدائية. رينوار ولوحته قرية بون كورت، وهي القرية التي تقع في منطقة شامبين – اردين. وقد كان رينوار شغوفا ومنجذبا نحو العالم الطبيعي. وفي قرية بون كورت اكتشف رينوار الطبيعة باعتبارها جنة لا نهائية. وقد انعكس هذا في معاملته الكريمة مع حقول شقائق النعمان والتي تقود عين الناظر الي بيوت القرية في وسط اللوحة. وعلي خلاف معاصره مونيه لم يكن رينوار مهتما بالطبيعة الجغرافية للمكان بقدر اهتمامه بالعلاقة بين المكان والفضاء المحيط به. وكان يرسم الطبيعة من خلال مشاهد حلمية او تقديم المكان كمكان جميل للحلم. ومن هنا كان رينوار قادرا علي ان يخلق عبر فرشاة مفعمة بالحياة جوا من الدفء الذي مزجه بمشاعر انطباعية تحتفل بالحياة.

يعيدا عن اعمال الانطياعيين الاوروبيين كان هناك الاسبوع الماضي احتفاء بمزاد لاعمال الفنانين ذات الموضوعات الاستشراقية. وقدم المزاد سلسلة من اللوحات التي رسمها فنانون اتخذوا من الشرق، سكانه، واماكنه مركزا لتجريب الوانهم وعكس مشاعرهم الانطباعية. وتتعدد اللوحات وموضوعاتها من الابتعاد عن المشاهد الغرائبية والتركيز علي السحر الانثوي ومشاهد الحمام او سوق الرقيق الي تسجيل مشاهد الحياة اليومية والنشاط الاجتماعي امام المسجد او السوق او في الساحات العامة. وهنا تبدو لوحات اوتو فون روبرت ( ولد عام 1841) العامة عن مدينة استنبول. حيث يبدو الخليج والجامع الازرق، ولوحة المدرسة الدانماركية لمسجد نصريث في توب هاي واعمال الفرنسي اميدي روسر.. وفيتزجيرالد وغوريغ ماكو وبول باوم وكلها تصور مشاهد عامة لمدينة استنبول، خاصة خليجها وقرنها الذهبي. والسفن الشراعية تمخر فيهل. ولوحة كارلو بوسولي التي قدم فيها منظرا لمدينة اسطنبول في ضوء القمر. معظم هذه اللوحات تعكس اهتمام الفنان بالفضاء ومعالمه الرئيسية. القصور والمساجد والعربة الملكية، كما في لوحة ميشيل فرانسة بريلو القرن الذهبي وبحر مرمرة كما يبدوان من مرتفعات اوسكودار. ولكن لوحة جوليوس غاسبارد ستارك تقدم ملمحا مختلفا عن الحياة اليومية في المجتمع العثماني، فالفنان البلجيكي اختار موضوعه السوق ليصور مشهدا دافئا ومليئا بالحركة في دكان حلاق تركي. وقد اتم ستارك اللوحة في عام 1850. وتصور اللوحة العادة المتبعة في ذلك الوقت وهو حلق الرأس كاملا والابقاء علي الشارب واللحية، حيث تتم تغطية الرأس المحلوق/ الاقرع فيما بعد بالعمامة او الطربوش. وتظهر اللوحة الحلاق او المزين في ابهي حلته وقد اعتني بنفسه وشذب لحيته، فيما يظهر مساعده وهو يغسل يديه في المغسلة. اما المساعد الثاني وهو اصغر فينتظر واقفا اوامر معلمه الحلاق. واختيار الحلاق ليكون موضوعا للوحة هذه له دلالاته فقد كان الحلاق يقوم باكثر من مهمة في المجتمع العثماني منها قلع الاسنان وليس غريبا ان يتحول محله لنقطة التقاء كما يظهر من الحديث الجانبي الذي يدور علي هامش اللوحة والجالسون في حالة تشبه القيلولة وفي ايديهم ما يشبه الغليون الطويل، وعلي طرف اللوحة خزانة الفوط وقوارير العطور ويبدو الحلاق مشغولا بموس حلاقته، اما زبونه فيبدو انه رجل ذو مكانة اجتماعية، ويبدو مثل حلاقه تعود ان يكون في مركز الانتباه. وكان ستارك قد درس في البداية في اكاديمية بروكسل وكان فرانسوا نافيز هو اول من قدمه للموضوعات الشرقية وصور شمال افريقيا وعزز هذا الاهتمام هوراس فيرنيه. وضمن هذا الاهتمام فان تحولا جري داخل الفن الاستشراقي في نهاية القرن التاسع عشر حيث بدأ الفنان يخرج للفضاء المحلي ناقلا نبض الشارع، كما يبدو في لوحة جون فارلي لاحد شوارع القاهرة (1880) او لوحة الامريكي جون هنري هول في السوق والتي تظهر حركة وانتظار حمال وبائع السجاد، وهنا ايضا تبدو اهمية اعمال الفنان الامريكي فردريك آرثر بريجمان، حيث بدأ الاهتمام بالشرق او الموضوعات الشرقية عندما انتقل لجنوب فرنسا قرب جبال البيرانيز عام 1872 ومن خلالها قدم لعالم الفن والمعمار العربي والاندلسي. ومنها سافر عبر مضيق جبل طارق الي المغرب والجزائر وتونس والتي تركت رحلاته فيها اكبر الاثر علي اعماله وفي الجزائر وضع عائلته في فندق واستعان بدليل هو بلقاسم من اجل ان يدخل علي بيوت الجزائريين ويصور ملامحها الداخلية، وضمن اعماله الكثيرة التي اقامها علي اسكتشات اولية تبدو لوحته خارج المسجد، لوحة الجزائريات (1920) وتصور نساء علي المقبرة وتعكس اللوحة اهتمام الفنان بتأكيد بعد انثوي علي اللباس. ويظهر هذا ايضا في لوحة الفنان النمساوي فرانز خافيير كوسل، حث تظهر نماذج بشرية تحمل سعف نخيل في مقبرة خارج القاهرة. وبالعودة لبريجمان فانه بعد عودته من رحلة الي الجزائر ومصر حول انتباهه الي موضوعات من شمال افريقيا كما اظهر تأثرا باعمال استاذه ليون جيروم الذي تحضر اعماله في هذا المزاد. تجربة بريجمان قادته عام 1888 لاصدار سلسلة مصورة عن اقامته في الجزائر، كما اصدر كتابا عن تجربته شتاءات في الجزائر.

وتبدو لوحة بيرجمان صمت المساء في الجزائر كمحاولة لدراسة العلاقة بين اللون والضوء وتحتفي بعازفات، حيث تبدو النساء وهن يستحممن في اشعة الشمس الغاربة وتبدو المدينة بمبانيها البيضاء من الشرفة المفتوحة، فيما تبدو التلال الزرقاء من البعيد وهي تمنح بعدا غرائبيا ساحرا ينتمي الي عالم متخيل رسمه الفنان في خياله لانه لم يكن عالم الحريم متاحا لاي فنان غربي ولهذا نجد ان فنانا مثل ايمانويل كامينسكي، وهو روسي يرسم حارس الحريم بلباسه الابيض الجميل، فيما زنر خصره بعدد من الخناجر. ويبدو ساعده الاسمر المفتول وهو يحمل سيفا. رودلف ارنيست الفنان النمساوي، نقل صورة عما كان يجري في الخانات والنزل، حيث كانت هذه الاماكن مثل الاسواق نافذة للتعرف علي ملامح الحياة الاجتماعية. وقد قام ارنست بجمع الكثير من المواد التي التقطها واشتراها من الاسواق حيث رتبها في مرسمه بحيث صارت خلفية لعدد من لوحاته ولعل لوحة صاحب الببغاء وهو يتأمل ببغاءه تظهر اعتناء ارنست بدقة التفاصيل وأناقة اللون، حيث الثوب الحريري للرجل ووقفته ووضع الببغاء في يده ولون الاعمدة وحوض الورود كلها ترسم وجها جميلا وبارعا عن عالم الشرق، كما ان حوض الزهور والنمور البارزة منه تذكر بساحة الاسود في الحمراء، بغرناطة، وتظهر نفس الاناقة في لوحته قاريء القرآن، حيث الوجه الخاشع والجلسة المتأملة وهي تحتضن المصحف الكبير وقد خفف من ظلمة المكان الخفيفة الرخام الملون علي الجدران. ليون جيروم اهتم هو الاخر بالبعد الصوفي والديني وهو في لوحة له يقدم لنا مشهدا من مقبرة السلطان. ويعود اهتمامه اثناء رحلته الطويلة التي قضاها في القاهرة. وفي لوحة مقبرة السلطان يقدم المشهد من خلال رحلة له لمزار في الوادي الكبير خارج مدينة الجزائر. وقد اضاف ملامح اخري قد تكون من اسكتشات رسمها اثناء اقامته في القاهرة. ويحتفل جيروم بوقفة المصلي ومن ثم السجود. ومقارنة مع لوحة الدعاء للبلجيكي كارل اومز فن جيروم يبدو اقرب للجو الصوفي من اومز. كذلك اهتم جيروم برسم الحمير النوبية التي كانت تعتبر جزءا من مشهد الحياة في القاهرة، حيث قدم سلسلة من اللوحات عن الحمير واصحابها وتبدو الحمير جميلة ومتأنقة. تصور اللوحات في مزاد سوذبيز صورة الشرق كما تخيله الفنان، وسواء كان الموضوع حالج قطن في القاهرة او محاربين شرقيين او خيالة عائدين فهي لوحات تحتفي بالضوء وسحره كما تحاول وترسم الشرق كمكان للراحة، مثلا لوحة البئر للفرنسي جوزيف غارود. وعلي الرغم من مرور زمن طويل علي ظاهرة الفن الاستشراقي الا الاقبال علي اقتناء لوحاتهم لا زال كبيرا واسعار اللوحات التي وضعت في المزاد تشير لهذا.

ناقد من اسرة “القدس العربي”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية