جسم الأمة تنخره التناقضات المفبركة والوهمية، داخل البلد الواحد، داخل القطاع الواحد أهداف متباينة، صراعات من اجل التحقيق الذاتي الآني علي حساب الآمال العريضة للدولة وللشعب. لا يختلف في ذلك أحيانا كثيرة الحاكم والمعارض.
وفي ظل واقع تهافت علي السلطة وليس علي إقرار العدل والحقوق، يخاف الحاكم علي منصبه من انتقام المعارضة البائعة أحيانا والتي يكون زعماؤها مستعجلين متلهفين علي الحكم وفي ضيق من أمرهم في هذا العمر القصير: مسألة بشرية خالصة!
الحاكم يقسو علي معارضيه حتي أقصي الحدود، متعديا كل الأعراف والقوانين، مدركا أن أولئك الذين يرفعون أصواتهم إنما يفعلون ذلك لحاجتهم الذاتية في السلطة بغية الانتقام يوما ما منه، لذا عليه أن يتغذي بهم قبل أن يتعشوا منهم.
وهؤلاء الذين طال انتظار نضالهم أصبحت كل الطرق تؤدي إلي التغيير والحكم، إلي حد الاستقواء بالخصوم والغرباء ولو علي حساب ثوابت الأمة ـ الأرض ـ الدين ـ الهوية ـ الأعراف.. فلا غرو أن نراها تستقدم الجيوش، تساهم في الحملات الإعلامية وتبارك القرارات الدولية علي بلدانها وهي فيها ما يكفيها. ماذا نري في لبنان، سورية وفلسطين؟
فلسطين إخوة السلاح بالأمس يتعاركون اليوم اشد العراك، منظر خيالي يُصدق بالكاد أو نكاد نتناسي أو يغيب عنا التفسير والبيان.
لعل من أبناء فلسطين ككل أبناء العالم من لا يستهويه أن يعيش طول عمره متأهبا للحرب ضد الخصم المتروك للعنان، فهو يريد أن يعيش كما يعيش الآخرون، أموال، أملاك، سيارات فارهة، فيلات وكلاب حراسة، هناء واستقرار. حاجيات الإنسان الأولية ككل البشر ولو في ظل الاحتلال الخانق.
ولعل الفلسطينيين ضاقوا مكانيا في ذلك الجحر المسمي قطاع غزة، بما فيه من حصار مالي وإنساني من العالم القريب والبعيد وطلعات جوية حربية ممثلة الإرهاب الممنهج الدائم، وظلم ذوي القربي وتخلي العرب وعدم الوفاء بأبسط التزاماتهم ـ لذلك علي هؤلاء العرب أن يصمتوا في نظر الفلسطينيين ففرص الكلام لديهم متاحة في أوقات كثيرة، وحركاتهم هاته معروفة أسبابها ولها قصتها أيضا، انها بكل بساطة التعويض عن العجز أمام الغرب وصناعته ـ إسرائيل ـ فاضعف الإيمان أنهم قاموا بمبادرات الصلح واتفاقيات مكة المكرمة، رمز المسلمين في العالم ووحدتهم. سورية، لبنان، كانا واحدا، انقسما ثم من انقسام إلي انقسام.
وبينهما الآن شقاق وصراع، كل المآسي، كل المصائب حسب بعض اللبنانيين تأتي من سورية، وهذا ما تقوله الدوائر الغربية ويردده الأتباع. وهذا ما يمثل الأسباب الخارجية لاضطراباتنا.
التحريض الذي يأتينا من الغرب ليس ساذجا بالمرة، ولكنه شيطانيا، مدروسا بعناية إلي حد ضمان فرص كبيرة لنجاحه.
درسوا مكونات شخصياتنا، راهنوا علي بعض المعارضين الذين تربوا وتشبعوا بمبادئهم، والذين يسيرون وفق تلك الشعارات البراقة، حقوق، ديمقراطية، مساواة، إلي آخر تلك القائمة التي يراد بها تفكيك الشعوب العربية والإسلامية. والأسباب كائنة ومجتمعة، ينقص العدل، لا تتحقق المساواة، بعيدون عن لغة التحضر والحوار، ولكن الإصلاح وفق رؤية الغرب ملغوم وخادع.
مصطفي شكيب [email protected]