ناجي الخشناوي
عندما تطوي الصفحة 170 من رواية عبد الجبار العش الجديدة محاكمة كلب التي صدرت مؤخرا عن دار الجنوب ضمن سلسلتها عيون المعاصرة وقدم لها الدكتور محمد القاضي، ستضم وجعك ومحنتك التي تتفنن في مواراتها ودسها بين أضلعك وتطلق حنجرتك للعواء لتتقيأ حمم النباح وشلالات اللعاب الكامنة فيك منذ ولادتك… فخيوط السرد التي نسجتها تفاصيل الحياة الكلبية التي عاشها، وما يزال، عرّوب الفالت /عبد الجبار العش / أنا/ أنت/كل حي… لن تترك لك مجالا إلا لتمتحن مدي وفائك لظلمة صدرك… وغبش جرأتك… في السنة الفارطة، وبمناسبة ملتقي الشعراء النقابيين الذي التأم بمدينة القيروان، أخبرني الشاعر والروائي عبد الجبار العش بأنه يضع اللمسات الأخيرة علي مخطوط روايته الجديدة محاكمة كلب… أخبرني أنها سيرة ذاتية لحياته بكل تفاصيلها التي لم تخرج عن الأوجاع… وروي لي بعضا من الحقائق والوقائع التي تخصه والتي سيسردها ضمن نصه الجديد بكل تجرد… احتفظت بسره داخل صندوق اللحم الذي يحملني حتي نسيتها مع مرور الأيام… إلي أن أفشي هو أسراره بقلمه ونباحه ولعابه وجرأته وبوفائه الكلبي الذي مكنه من تحويل الفواجع إلي وجود خلاق وشعلة من الإبداع والنزوع الدافع إلي المثل الإنسانية النبيلة فارتفع بنصه وصدقه إلي مرتبة الكلاب الخالدة مثل محمد شكري وجان جونيه ومكسيم غوركي وادغار ألان وجون جاك روسو وميشال راكاناتي… فهؤلاء جميعهم ومعهم التونسي عبد الجبار العش بروايته محاكمة كلب يظلون وحدهم قنـــــاديل مشعة علي أرصفة سيرنا الحياتي لأنهم ببساطة يؤكدون لنا بأن فعل الكتابة هو فعل لفظ الحجر العالق بالحنجرة… وبأن الكلب الحقيقي هو الذي يمضغ نباحه ويلعق لعابه في أتون ظلمته وداخل سجنه وفمه المكمم بعناية وفقا لفنون الكذب والمواراة والأقنعة المستعارة من الأروقة التي تقذفنا إليها الحياة… وما أكثر هذه الكلاب يا عبد الجبار… فرادة رواية عبد الجبار العش محاكمة كلب لم تأت من كونها رواية هامش ومهمشين… بل جاءت من حاشيتها الأخيرة ـ وهي أيضا تقنية سردية مهمـشة إلي حد ما ـ فعند إتمام أي قارئ لسرد محاكمة عرّوب الفالت سيصنف هذه الرواية ضمن السرد التخييلي الملتبس بالواقع في بعض من أحداثه، ويصنف عبد الجبار العش كروائي تتغذي مقدرته السردية نصا بعد آخر ورواية بعد أخري، غير أنه سيعدل عن ذلك بمجرد أن يواصل قراءة الحاشية التوضيحية التي ذيل بها الروائي متنه السردي فحسم العش إضافة الحاشية التي تضمنت رأي المحامي زبير الوحيشي جعلت من محاكمة كلب تنتقل من الدرجة الصفر للسرد إلي الدرجة اللانهائية من التمرئي… ولكن السؤال الحقيقي يتمثل في حقيقة وقوع القارئ في الفخ الذي نصبه عبد الجبار العش؟ في قدرته علي تلبيس الحقيقة بالخيال… هل السارد هو الكاتب؟ وهل الأحداث هي فعلا حقائق؟ هل عروب الفالت هو عبد الجبار العش؟ أذكر هنا كلمة الروائي المغربي محمد شكري في كتابه غواية الشحرور الأبيض التي قال فيها: من اخترع المرآة، ليس ضروريا أن يكون نرجسيا. ربما اخترعها ليتشفي من الذين يتهربون من رؤية وجوههم فيها. إذا كانت المرايا تسوركم فأين ستولون وجوهكم؟ هذا إذا لم تكن المرآة قد اخترعت نفسها لنفسها.
كما أن فرادة هذا المنجز السردي الجديد لعبد الجبار العش يأخذ فتنته وفرادته من الإيغال بعــــيدا في الإيهام بوجـود شخصية مادية حقيقية تتلقي رسائل بطله ونباحه المحموم وتقتفي أحداث حياته العجيبة في إنصات وصمت مقدسين إلي حدود الصفحة 155 حتي أنها جعلتني أتحاشي مجرد تذكر بعض من الحقائق التي قالها لي عبد الجبار عن حياته الشخصية في القيروان منذ سنة وظللت أتابع الأحداث وألاحق صفحات الرواية مستبعدا أية علاقة بين الكاتب ونصه… ورغم أن فطنتي أسعفتني منذ البـــــدء بأن نزيل عروب الفالت في زنزانة السجن ما هو إلا شخصية هلامية من اختراع الكاتب، إلا أني لم اطمئن للفكرة ولم أثق تماما بمحسوسية الشخصية إلي أن أسعفنا العش علي لسان أحد حراس السجن وهو يقول لبطله إحقاقا للحق فانك تتمتع بذكاء نادر إذ لأول مرة أري سجينا يوضع في الحبس الانفرادي ويحكي قصة كاملة لنفسه، إنها حيلة ذكية لكسر وحشة العزلة.
رواية محاكمة كلب لعبد الجبار العش لا تترك لقارئها مجالا إلا لينبش كالكلب في أعماق أعماقه عن أسباب حياته مدي الحياة أسيرا لحياة كلبية عله يتعلم كيف يكسر وحشة نباحه الذي يتوهمه سيلا من الموسيقي.. كاتب من تونس