عزالدين اللواج
أمريكا التي نحب و أبجدية الرمل، عنوانان اختارهما الكاتب والصحافي محمود البوسيفي ليوسم بهما إصدارين متميزين صدرا منذ أيام عن دار الكتابة الأخري بالعاصمة المصرية القاهرة، ويتناول محمود البوسيفي من خلال مادة الكتابين العديد من القضايا المحلية والإقليمية والدولية التي كتبت بحرفية راقية هي في الواقع نتاج لمسيرة صحافية وإعلامية وارفة تمتد لأكثر من ربع قرن، فالبوسيفي الذي عمل في بداية حياته مراسلاً صحافيا في القاهرة ودمشق وأبوظبي والكويت ثم انتقل ليتولي إدارة المركز الثقافي الليبي بتركيا وكذلك وظيفة المستشار الإعلامي للسفارة الليبية في لبنان، يشغل حالياً منصب الأمين المساعد لاتحاد الصحافيين العرب، وكذلك رئاسة تحرير مجلة المؤتمر الليبية. ومن خلال تقديمه لكتاب أمريكا التي نحب يصف الكاتب والصحافي المصري صلاح الدين حافظ مؤلف الكتاب محمود البوسيفي بالقول بأنه كاتب ينتمي لجيل الوسط في مجال الصحافة والكتابة العربية، تحب أن توافقه وتخالفه وفي الحالتين لا يسعك إلا أن تحترمه… وتحبه…. وعن أبرز سمات النصوص الواردة في كتاب أمريكا التي نحب يشير صلاح الدين حافظ الي أن البوسيفي يهوم في مجموعة أفكاره المطروحة بين دفتي هذا الكتاب، في اّفاق بعيدة، منطلقا من بيئة ثقافية سياسية اجتماعية حاكمة قابضة وفي أحيان كثيرة قاسية غاضبة، فلقد نضج في ظل ثورة ليبيا وجماهيريتهــــا الشعبية، حتي الآن التزم بقانونها وطاوع نهجها علي أمل، لكن امتداد آفاقها الفكرية، جنباً إلي جنب مع بعض خيبات الأمل السياسية، دفعه إلي تأمل ما وراء الحدود بكل الرحابة والعمق والاتساع.
وأحسب أن هذا ما زرع فيه روح التمرد علي الوقائع والأوضاع، وحين أبدي ملامح تمرده قوبل بالصدود، فضلاً عن عدم استحسان آرائه المعادية للشمولية في الحياة عموماً، وفي أساليب الحكم خصوصا، فهو الذي يقول ـ لم يعد بالإمكان تجاهل حرية التعبير، خصوصا وأن العالم تمكن عبر سلسلة من الأحداث، من دفن الأنظمة الشمولية، التي كانت تحجر بطبيعة فكر الوصاية الذي تحمله علي هذه الحرية، وهنا تبرز المفارقة المثيرة للدهشة، فحرية التعبير التي هي من صميم حقوق الإنسان تتحول إلي أداة قهر لتلك الحقوق.
وفي نصه المعنون بـ أمريكا التي نحب يؤكد الكاتب الليبي محمود البوسيفي علي أن أمريكا التي نحبها كعرب هي تلك التي تعترف بالآخر ولا تحاول أن تلغيه من خلال سلبه إرادته الثقافية والسياسية وكذلك ثروته وحقه في أن يعيش حياة هانئة ومستقرة…. ففي مقدمة ذلك النص يقول البوسيفي يتهمني أصدقاء ليبيون وعرب بأنني لا أري في أمريكا سوي الوجه القبيح، وأن الموضوعية تحوز كتاباتي عن تلك البلاد والتي استطاعت في ثلاثة قرون، فقط أن تصبح أقوي دولة اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً وثقافياً، وأن تفرض هيمنتها علي نطاق واسع بما في ذلك علي منظمة الأمم المتحدة، وكانت المناقشات مع الأصدقاء تتمحور دائما فيما يخص هذا الأمر، حول من يصفونهم بالكتاب المناوئين لأمريكا الذين يستبعدون في موضوعاتهم أية قيمة ايجابية، والتركيز فقط علي السلبيات التي لا تكاد تخلو منها سياسات الدول بشكل عام، خاصة تلك التي تمتلك مصالح واسعة.. وأعترف بانني كنت أستمع مندهشا لتلك الأطروحات المثيرة ليس فقط للدهشة ولكن للحنق، فالوجه القبيح لأمريكا لم يصنعه أحد غيرها كما يقول الكاتب الأمريكي نعوم تشومسكي.
البوسيفي عبر المقالات التي تضمنها كتاب أمريكا التي نحب يقدم للقارئ وبأسلوب مقالي سلس روزنامة تحليلية مليئة بقضايا تتعلق بالشأن المحلي الليبي بشكل خاص والشأن الإقليمي والدولي بشكل عام، ففي كتاب أمريكا التي نحب نقرأ العديد من النصوص التي تتناول قضايا مختلفة مثل حرية الصحافة وحرية التعبير وكوارث المحافظين الجدد في أمريكا، هذا فضلاً عن رؤية البوسيفي لبعض من أسباب تخلف العرب والمسلمين.
أبجدية الرمل تحت هذا العنوان يواصل الكاتب والصحافي الليبي محمود البوسيفي سبره في أغوار العديد من المسائل السياسية والثقافية الهامة، فنجد البوسيفي وفي سياق تناوله لظاهرة الفساد في العالم العربي يتحدث عن تداعيات تلك الظاهرة قائلا: الفساد السياسي والمالي في هذا الوطن العربي من الأمور المألوفة التي لا تستدعي الدهشة وتقلب المعايير ومنظومة القيم صارت بمذاق الأشياء المستساغة، دول هذا الوطن محكومة بقوانين استثنائية، قبائل تتنافس علي الغنيمة، تحكمها عقلية ريعية، ذهنيات مفارقة لا تفلح إلا في إعادة إنتاج البؤس……….. السؤال ليس عن حقيقة الاحتقان الذي يعصف بهذا الوطن ولكن ماذا بعد كل هذا؟ ومتي يتم الانفجار؟ وعن تجربة توليه رئاسة رابطة الصحافيين الليبيين لفترتين متتاليتين يتحدث البوسيفي بروح متسامحة تسمو فوق مستوي مفردات ذلك القاموس الذي لا يعرف إلا مفردات التخوين والإقصاء والدسائس عن تلك التجربة، متناولاً وفاء أصدقائه في نص عنونه بــ وحشة حيث يقول البوسيفي في هذا الصدد: أصدقاء وزملاء من الداخل والخارج عبروا في فيوضات أخجلتني عن تعاضد آسر.. شديد الفتنة والعذوبة.. تبادلنا الضحكات والأمنيات الطيبات كان قلبي في كل مرة ملاذا للحنين.. وكنت مغتبطاً وأنا أرمق لهفتي تتمطي في رضا، وهي تصنع للثرثرة إطارا من دانتيلا مزروعة بالفراشات والعصافير… كان قلبي عاشقاً وأنا أستغرق في اقتصاد وحشة الأصدقاء يا الله كم يعاني من يعوزه دفء الأصدقاء… يا الله كم يتعذب من يفتقد حزمة الود التي لا يوفرها إلا الأصدقاء… وكم هي قاسية ومروعة شرنقة غيابهم وكم هي مريرة…. كنت دائماً أتجنب الوحدة كنت أخشي حد الفجيعة ولوعة أن تكون وحيداً مقروراً في كهف عزلتك البارد… وكنت كمن يركض في سهوب شاسعة بحثا عن ظل يصنعه تساند الأصدقاء أتعثر أحيانا ويلفحني القيظ أحيانا، لكنني كنت مطمئنا دائما لوجود الأصدقاء الذين دثروا قلبي من سطوة الغبار، كانوا يدركون تضوري للمصافحة والرحيل إلي المرافيء الودودة بعد خروجي الدرامي من الرابطة العامة للصحافيين التي صار اسمها الآن رابطة الصحافيين والإعلاميين.
وعبر نصوص ذات مضامين مختلفة ومتباينة يقف البوسيفي في محطات سياسية وثقافية عدة ليرصد تجليات مرتبطة بالمشهد المحلي والإقليمي والدولي، وذلك من خلال زاويا مختلفة، ومن بين تلك المحطات التي يقف فيها قطار أبجدية الرمل محطة بعنوان أم الخسائر يتطرق فيها البوسيفي للوضع السياسي الراهن الذي يمر به العالم العربي فيقول: أمريكا الآن تحتل العراق وتضغط علي سورية وتدس أنفها في لبنان، وتلوح بالعصا للسودان وتفتش علانية في سلوكيات مصر والسعودية. هذه الدولة التي يتوهم البعض معرفتها بما يجري في غرف النوم تعجز عن تحديد موعد لإجلاء قواتها وقواعدها من العراق وتعجز بنفس الدرجة عن ملاحقة من تصفهم بالإرهابيين في كل شبر من أراضي بلاد الرافدين وتعجز عن حماية عساكرها وقواعدها وتعجز عن حماية عملائها، أمريكا ليست بعبعا، أمريكا مفضوحة. كيان ضخم متورم، لم يعد ثالوث التاجر والراهب والجندي سكيناً ينغرز في قوالب الزبدة، صار السكين مثلوماً وتصخرت القوالب وما عاد بمقدور هذه الدولة الظالمة الانسلاخ عن روحها الدموية وهو ما يبشر بقرب تجريدها من القدرة علي سطوة الاستبداد وذلك بانتقال حالات العداء العالمية ضد أمريكا إلي مرحلة التحالف الجبهوي وإعلان المواجهة الحاسمة. فإن النصوص التي قدمها الكاتب والصحافي الليبي محمود البوسيفي عبر الكتابين المشار إليهما آنفاً، تندرج ضمن نمط نصي تنويري تمكن من خلاله المؤلف من تلمس تفاصيل عدة تتعلق بالمشهد المحلي الليبي، كما نجح باقتدار من خلال آرائه المتعلقة بالحقل السياسي العربي في تقديم إجابات مقنعة عن أسئلة المحنة العربية الراهنة، وللكاتب والصحافي الليبي القدير والمخضرم محمود البوسيفي التحية والتقدير علي ذلك العطاء الدفاق والمثمر فكرياً ومعرفياً.
كاتب وباحث ليبي