محمود بوناب: قبل ان نفكر فيما نعرض لأطفالنا يجب ان نحميهم من غزو برامج العنف والجنس

حجم الخط
0

لقاء الجزيرة للاطفال مع صحافيين عرب… وتمرين علي حروب اهلية صغيرة حول الدين واللغة والبيئة

لندن ـ “القدس العربي” ـ من حسام الدين محمد: عندما يلتقي محمود بوناب، مدير قناة الجزيرة للاطفال، مع بعض كبار المسؤولين العرب يفاجئه شكرهم له علي هذا النزول الذي تجشّم عناءه لكي يعمل للأطفال، وهو يلخّصها بأقوال يسمعها منهم مثل: انتو الجزيرة الصغيرين انتو كويسين! . اكثر من ذلك ـ يقول بوناب ـ فيما تتلامح علي وجهه ابتسامة تحاول تلخيص الحالة الكاريكاتورية العربية ـ انه عندما يجتمع هؤلاء المسؤولون معه رفقة زملاء له في قناة الجزيرة فان الحديث السياسي يوجّه اليهم فيما يتمّ تجاوزه باعتباره مديرا لـ قناة اطفال!

ولكي لا يظلم المسؤولين العرب في طريقة تفكيرهم هذه ربما، يذكر بوناب انه حينما أخبر والدته عن وظيفته الجديدة الكبيرة كمدير تنفيذي لقناة فضائية اولي في بابها، انها سألته ما هي هذه القناة، وحين علمت انها قناة للأطفال قالت: كنت اعلم دائما ان عقلك صغير!

في لقاء طاولة مستديرة ضمّ بوناب مع جبهة اركانه: مليكة علوان مديرة التسويق والاتصال، وخالد ادنون مدير البرامج والانتاج، اضافة لكريستيان سالم مسؤولة العلاقات العامة، وبحضور جمع من الصحافيين العرب من لبنان ومصر وسورية وتونس والسودان والعراق، بدا لي بوناب (وهذه المرة الثانية التي التقيه فيها) من بين القليلين القادرين علي تقبّل الرأي الآخر بل وانتقاد الذات والسخرية منها احيانا، دون افتئات علي الجهد الكبير والانجازات التي تقوم بها الفضائية التي يديرها.

ولعلّ هذه السخرية السوداء نابعة من خطّين (غير متوازيين): التطوّر الكبير الذي تشهده القناة من جهة، ومرارة الانتقادات والمواجهات التي لم ينطفيء نارها بعد، من جهة اخري.

قناة معقمة في بابل الاعلام الفضائي العربي الذي بلغ 043 قناة فضائية اعتبر بوناب ان عدد القنوات المهتمة بالطفل قليل جدا مقابل ما هب ودبّ من قنوات تهتم بالسحر والشعوذة والفضائح والوساطة بين الشباب والفتيات والـSMS والعقارات وقنوات التطبيع مع الاسرائيليين والتبويق للامريكيين. الطفل العربي ليس لديه شيء. هناك 7 قنوات بمضمون مدبلج عادي لا يتضمن انتاجا، فهل ينتظر العالم العربي عشرات السنوات لانتاج عمل مثل كليلة ودمنة؟ وهو عمل يصفه بوناب بأنه عمل جبار، واتفق اغلب حاضري الجلسة علي اهميته وقدرته علي الامتاع والتعليم بالوقت نفسه.

حول دعوة الزميلة خولة الاماراتية (التي أصرّت علي الاحتجاب عن بقية الصحافيين خلال الفترة القصيرة التي قضيناها في قطر) لخلجنة الجزيرة للاطفال كونها قناة خليجية ردّ بوناب انها قناة عربية وخليجية معا وقال: درسنا شخصية الطفل العربي الذي عمره 8 سنوات وسألنا ماذا يريد الطفل في غزة وفي قطر وفي العراق؟ هل يريد 03 قناة محاصصة بين الدول العربية؟ هل هي حسينيات فضائية؟ ردا علي هذه الأسئلة يري بوناب جانبا مهما لهذه القناة وهو التوجه الي 52 مليون عربي في اوروبا منتهكين في ثقافتهم وهويتهم ولغتهم. نحاول الوصول اليهم.

وردا علي اقتراح البعض علي ادخال اللهجات العامية قال ان لا مشكلة باللهجات في برنامج حواري اما في البرامج غير الحوارية فالالتزام بالفصحي ضروري، اما بالنسبة للغة الاجنبية فسأل: هل الطفل العربي متمكن من اللغة العربية أساسا؟ الطفل العربي يتكلم الانكليزية افضل من العربية، واللغة هي اهم عنصر بالهوية، فلا دين ولا حضارة ولا ثقافة من دون اللغة، وتابع قائلا: اتمني لو تحدث الطفل العربي 7 لغات لكنه لن يتحدثها جيدا اذا لم يتعلم لغته جيدا. احيانا، يقول بوناب، يدخل الاطفال عندي فأسألهم: ماذا تشاهدون وما رأيكم بالجزيرة للاطفال فيضعونها في المرتبة الثالثة او الرابعة. السبب برأيهم انها قناة معقمة وبعيدة عن الكشخات الكبيرة!

هل تجعل هذه الآراء الادارة تتراجع؟ لا يبدو الأمر كذلك والسبب يتجاوز الآراء الحالية ويتجه الي تفكير استراتيجي: نحاول مخاطبة الوجدان والهوية. نرجع لمكونات الهوية: اللغة الدين المضمون، مع ذلك فان الأمور ليست بالأسود والابيض والتوجيه ليس متزمتا: نحن فخورون بالعربية لكننا لسنا متزمتين، فاللغة العامية واللهجات موجودة في اكثر من برنامج. لدينا 0021 تقرير اخباري خلال العام وبالتأكيد فان الكثير منها بالعامية.

العولمي والاسلاميخلال لقاءاتنا لم يخف بعض الزملاء الصحافيين اختلافهم مع الرؤية العامة التي توجه الجزيرة للاطفال، وآراؤهم كانت تأتي من تيّار عام مؤيد للعولمة (وحتي للأمركة) التي تعني انفتاحا واستهلاكا لكل ما يهب علينا. لكن التيّار الآخر اطلّ برأسه خلال الطاولة المستديرة حيث لم يكفه تركيز القناة علي الهوية العربية للطفل ولغته وقيمه العامة المشتركة فهاجم القناة لعدم وجود جانب ديني اسلامي فيها ومن ذلك مثلا في البرامج العلمية انها لا تنبّه الطفل دائما الي وجود الخالق.

استمع بوناب للرأي الاخير واكد ان الاسلام جزء من الهوية ووعد بالتركيز علي هذا الجانب (رغم احتجاج بعض من حضروا من ان ذلك فيه تمييز ضد المسيحيين)، واعاد الامر لكون القناة لم تجد توازنها الوسطي رابطا ذلك بالواقع الحاد من طرفين: اناس يموتون بالفقر واناس بالطفرة.

وجهة نظر بوناب حول موضوع نشرة الاخبار للاطفال ـ وكنت في الجلسة من المؤيدين لها ـ ترتكز علي ابعاد الطفل العربي عن الألم وعن الحقد والمجازر والعنف اذا كانت هذه نشرة الاخبار فهذا ليس النموذج الذي ارغب بتقديمه اليه. لقد عشنا علي احلام عديدة اسلامية وقومية وماركسية فما هو الحلم الذي يعيش عليه اطفالنا؟.

لا يقتصر الامر في رأي بوناب علي الاحداث العنيفة التي نعيشها فهو يفكر ايضا في الطريقة لجسر الفوارق الكبيرة بين الاطفال العرب، فـ اذا حاولنا استبقاءهم خارج العناصر المادية فهل انسي هذا الطفل في موريتانيا او السودان الذي يعيش اهله علي دخل اقل من 0001 دولار سنويا وكيف اقارنه بالطفل القطري او الاماراتي؟ الاستنتاج الذي توصل اليه بوناب ضمن مشواره كصحافي ميداني ان الطفل العربي معرض لكل اصناف الاختراق الثقافي، هذا قد يكون ايجابيا لو كانت شخصية الطفل ثابتة ومتماسكة، لكن في وضعه الحالي فان ذلك شديد الخطورة.

أثيرت في الجلسة من العديدين قضية اللغة واللهجات (وهو الأمر الذي حصل في الاجتماع الاول قبل اشهر عديدة) وتطرّق البعض الي وعورة اللغة في مسلسل كليلة ودمنة. رد بوناب علي ذلك انه كان هناك حلان للتعامل مع هذا المسلسل، اما استخدام اللغة العصرية التي نتخاطب بها، او استخدام اللغة المستندة الي نص ابن المقفع. برأي بوناب ان كل طفل هو زي الكومبيوتر فيه هارد ديسك لتجميع المعلومات. لغة التواصل تتمثل بمجموعة من الكلمات. الرصيد قبل 01 سنوات كان 0072 الي 0003 كلمة، اما الآن فرصيد الطفل العربي في الهارد ديسك عنده كلمات اجنبية اكثر من العربية، واذا ظل رصيد العربية يتناقص فبعد 52 سنة سنقول للغة العربية: السلام عليكم! . حول ذلك قرّر اجتماع لدراسة مسلسل ابن المقفع قبل انتاجه التزام لغة النص القديمة، وبرأي بوناب ان هناك اجماعا لدي الاطفال بأنهم يتابعون كليلة ودمنة للتعلم من لغته. الطفل صار عندما يقابل كلمة جديدة يفتّش ويسأل حتي يفهم معناها.

مشاريع قادمةوفيما يشبه جردة حساب للماضي والمستقبل قال بوناب: قلنا لكم اعطونا 3 سنوات ثم حاسبونا. لقد مرّ 02 شهرا، وسندعوكم في الذكري الثالثة لتروا حقيقة ما انجزناه.

في شرحه لآلية عمل القناة اشارة بوناب الي انها الفضائية الوحيدة التي تنتج وتقدم 8 مجلات تلفزيونية، وانها تقوم بـ0051 ساعة دبلجة سنويا، كما يقوم قسم تدقيق لغوي يضم 8 متفرغين اضافة لعدد من غير المتفرغين بمراجعة كل التقارير التي تصل القناة حيث يتم التدقيق فيها والعمل عليها، كما ان مردود الاستوديوهات في القناة هو 57% وهو رقم كبير لأنها تحتاج الي 52% علي الأقل لأعمال الصيانة، وتنتج القناة اعمالا وبرامج في المغرب ولبنان وسورية والاردن واوروبا وكندا وامريكا، وكان آخر اعمالها الاتفاق مع شركة ماليزية ضخمة علي انتاج مسلسل عن صلاح الدين الايوبي. السبب في هذا التعاون يعود لكون ماليزيا كانت عمليا متخلفة عن كل الدول العربية والآن لديها 9 مخططات لبنية متكاملة منها بناء الاعلام والاتصال حيث وضعت الحكومة الماليزية 02 مليون دولار لتطوير الانتاج الثلاثي الابعاد وذلك لاستقطاب الاسواق الكورية واليابانية والصينية.

وردا علي اقتراح من الصحافية مي الياس (ايلاف ـ لبنان) حول استخدام المشاهير في اعمال واغان للاطفال قال: القصور السياسي الذي نعرفه هو عنصر يتكامل مع قصور اجتماعي وترد ثقافي وفني. 09% من الانتاج الموسيقي العربي مملوك من مجموعة او مجموعتين رأسماليتين واذا اردت ان انتج عشرة اغنيات فربما ستقترب فاتورتنا من 3 او 5 ملايين دولار بسبب العقود الاحتكارية للمؤسسات الانتاجية.

فكرة القناة كانت بدل التفتيش عن مشاهير هي محاولة اكتشافهم، ومن ذلك ما حصل مع صبي عراقي من الموصل كان لا يعرف الفرق، بحسب بوناب، بين الكاسيت والسي دي. شفته في التلفزيون التونسي يعزف علي العود وساعدناه علي القدوم لقطر هو وعائلته. باختصار نحن غير قادرين علي تحمل فاتورة المشاهير (اعاد بوناب استذكار الفتي العراقي عندما التقيناه علي مائدة العشاء حيث ذكر انه اخذه للعزف في سهرة رسمية قطرية حضرها الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون. الفتي صافح كلينتون لكنه حين علم من هو قال لبوناب: لو عرفت من هو لما صافحته! ). فيضان البورنو!

الموضوع العراقي أحد المواضيع المؤلمة التي حضرت في الاجتماع لكن أكثر ما لفتني ضمن هذا الاطار ما ذكره بوناب (الذي اقام في العراق كصحافي بين 9791ـ 0891) عن فيلم وثائقي قامت به القناة لـ53 طفلا لتحليل مشاهداتهم واهتماماتهم الاعلامية وقد فوجيء القائمون علي الفيلم ان جميع الاطفال قاموا بتنزيل download لعملية اعدام صدام حسين علي موبايلاتهم. سألناهم، قال بوناب، من شاهد منكم صور اعدام صدام؟ فقال الجميع نعم، والبعض منهم قال بعثتها لاصدقائي. ما هو التلفزيون الذي تريدون ان تشاهدوا برامجه؟ اجابوا: كل شيء! . ما هي أفضل قناة اطفال؟: ام بي سي 3! . يعلّق بوناب علي ذلك بنوع من المكابرة: ما عندي مانع. كل سوق وله أهله! . لكنه من ناحية ثانية يبدي احتجاجه: انهم يعرضون افلاما موجهة للاطفال وحين ترد كلمة فاضحة مثل f*** فانه يترجمونها تبّا لك! ، كما يتطرّق الي موضوع يؤرق تفكيره متسائلا: هل يعقل ان تسمح مؤسسة عربية مثل Nile Sat ببيع مساحة فضائية لقنوات تبث برامج الجنس والعنف؟ هذه المسألة يعتبرها بوناب مركزية فالاهم من التفكير في ماذا نعرض علي اطفالنا يجب ان نحميهم من بث المواد العنيفة والاباحية الآتية الينا من الخارج. لدينا رسالة تتعلق بأطفالنا بقطع النظر عن المحظة والبرامج والمضمون. معظمنا عندنا اطفال ومعظمنا عندنا ريسيفر واقمار اصطناعية. اذا قمت باعادة برمجة للقنوات فانك تتلقي 0052 قناة بينها 005 قناة جنس وبورنو وعنف موجهة للعالم العربي. ما العمل؟: العالمان اللذان يحيطاننا واللذان نتلقي منهما برامجنا هما اوروبا وامريكا. في اوروبا قوانين للقنوات العابرة للفضاء تنص علي منع اي بث يمس بحقوق الطفل ويجعله عرضة للعنف او البورنو الا بعد ساعات معينة، وفي امريكا هناك قانون Children TV Act الذي ينظم هذه المسائل. امريكا كتلة قانونية واحدة واوروبا توصلت لاتفاقيات لكن هذه الاتفاقيات لم تشملنا لأننا ضمن في مجموعة من الدولة تضمها هياكل اتحادية ضعيفة او معدومة التأثير. اتحاد الاذاعات ينسق بين الهيئات الرسمية، ولا يوجد قانون واحد لتنظيم البث الفضائي.

يستنتج بوناب ان لا حل دون اتفاق الدول العربية علي التحرك بشكل جماعي لكي تسمع اوروبا صوتها. وقد قامت قطر بمنح الجزيرة للاطفال استشراف آلية قانون يحمي الاطفال العرب. ونتيجة اتصالات بوناب مع مسؤولين اوروبيين مثل دومينيك اوديس رئيس مجلس الرقابة في فرنسا نصحوه بالقول: الامكانية موجودة لكن يجب ان تتقدموا كطرف واحد.

يختتم بوناب حديثه بالقول: لا يجب ان نسمح للقنوات الاوروبية بغزونا وتهديد هويتنا وثوابتنا واذا استطعنا ايقاف هذا المدّ فان هذا اهم ضمان لمستقبلنا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية