مدريد ـ “القدس العربي” ـ من حسين مجدوبي: تعتقد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الاسبانية أن اسبانيا بدأت تتحول الي معقل رئيسي للحركات المتطرفة في منطقة المغربي العربي وخاصة المغاربة حيث يلجأ بعض المتطرفين الي هذا البلد سواء للتخطيط لبعض العمليات الارهابية أو هربا من المتابعة الأمنية، وتقدر عددهم بمئة مشتبه فيه، وتأتي الاعتقالات الأخيرة التي حصلت في مدينة برشلونة لتعزز من هذه الفرضية.
وكشفت صحيفة البيريوديكو دي كاتالونيا نتائج التحريات التي قامت بها المؤسسات الأمنية حول هذه الظاهرة مؤخرا، حيث نقلت عن مسؤول أمني رفيع قوله ان اسبانيا تحولت بالنسبة للحركات الاسلامية بمثابة فرنسا خلال الثمانينات لمنظمة إيتا الارهابية. وكانت فرنسا معقلا رئيسيا لمنظمة إيتا، حيث كانت تقيم هناك قيادتها السياسية والعسكرية وعدد من أفراد الكوماندوهات كما كانت تخطط من هناك لاستقطاب عناصر جديدة تطعم بهم المنظمة وتستقطب ممولين ماليين لبرامجها الارهابية. وهذه المقارنة التي قدمها المسؤول الأمني الاسباني تفيد أن الحركات الدينية المتطرفة المرتبطة أساسا بتنظيم القاعدة سواء عبر تنظيم القاعدة للمغرب الاسلامي أو عبر قنوات أخري في أوروبا بما في ذلك جماعات مستقلة تنظيميا ولكن تدور فكريا في فلك منظمة أسامة بن لادن اتخذت من اسبانيا معقلا لها مستفيدة من عدد من العوامل:
في المقام الأول، سهولة الوصول الي اسبانيا عبر الهجرة السرية انطلاقا من شواطئ المغرب وحتي الجزائر. فمدريد تعرب عن قلقها الشديد من الطريق الجديد للهجرة الذي ظهر انطلاقا من الجزائر نحو السواحل الشرقية الاسبانية، وأعلنت قرارها بوضع نظام الرصد الالكتروني في مجموع السواحل الأندلسية الشرقية. فالخبراء يعتقدون أن سياسة الجزائر خلال السنة والنصف الأخيرة بالإفراج عن الكثير من المعتقلين الاسلاميين لم تصب في صالح الأمن القومي الأوروبي وخاصة الاسباني. فبعض المعطيات تفيد أن بعض المتورطين في الارهاب سابقا والذين أعلنوا ثوبتهم واستفادوا من سياسة الوئام التي نهجها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد انتقلوا الي اسبانيا وباقي الدول الأوروبية عبر الهجرة السرية أساسا. ويري مسؤول أمني كبير ان السبب الرئيسي في وصول إرهابيين جدد الي اسبانيا هو الضغط البوليسي في المغرب وحملات التمشيط التي يقوم بها الجيش في الجزائر.
في المقام الثاني، أن جزءا من الهجرة المغاربية يعيش منغلقا علي نفسه وفي تجمعات أشبه بالغيتوات يصعب رصد أفرادها في بعض الأحيان، مما يوفر ملجأ بامتياز للإرهابيين الفارين من وجه العدالة والملاحقة الأمنية، كما أن نسبة المهاجرين السريين الذين لا يتوفرون علي بطاقة الاقامة مرتفع للغاية يزيد من صعوبة رصد هؤلاء المشتبه فيهم أو الارهابيين المفترضين. في الوقت نفسه تساعد الحدود المفتوحة بين دول الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية شينغن علي سهولة التنقل بين اسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
وعلاقة بالهجرة والارهاب، تري الشرطة الاسبانية أن مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين (شمال المغرب) قد تحولتا الي بوابة الارهاب نحو اسبانيا وأوروبا، فبمجرد تعرض إرهابي مفترض للملاحقة في المغرب مثلا يلجأ الي سبتة ومليلية مستغلا طريقة دخول المهربين، ويبقي هناك أياما قليلة في ضيافة شبكات لوجيستية تقدم الدعم للإرهابيين، ولاحقا يتم ترحيله بطريقة من الطرق الي اسبانيا وغالبا ما تكون علي ظهر سفينة النقل البحري بعدما يحصل علي أوراق هوية مزيفة.
الأجهزة الأمنية تعتقد أن التوزيع الجغرافي لأنصار القاعدة والمنتمين اليها تتوزع علي ثلاث أقاليم كبري، كاتالونيا شمال شرق البلاد وفالنسيا شرق البلاد والأندلس جنوب اسبانيا، وهي بالمناسبة تضم أكبر تجمعات الجالية المغاربية. وترسم الأجهزة الأمنية وفق جريدة البيريوديكو صورة الارهابي الجديد القادم من شمال افريقيا وخاصة المغرب والجزائر الارهابيون الفارين ليسوا بالنشطاء العاديين أو حطب الوقود بل هم زعماء خلايا يقومون بتأطير الآخرين أو استقطابهم بمعني أننا أمام نشطاء من عيار ثقيل.
وتنقل الجريدة عن مسؤول أمني آخر أغلب الارهابيين الوافدين الي اسبانيا من جنسية مغربية، فبعد تفجيرات الدار البيضاء خلال أبريل الماضي، فالقوات الأمنية المغربية تتحرك مثل الاعصار ضد الاسلاميين، إذ لا تريد ضربات إرهابية مفاجئة والانتخابات التشريعية علي الأبواب خلال شهر ايلول/سبتمبر المقبل.
والواقع أن فشل الأجهزة الأمنية المغربية في اعتقال عدد من المتابعين والمشتبه فيهم قد يفسر الصفة التي أصبحت لإسبانيا كمعقل رئيسي للفارين من المغرب العربي. في هذا الصدد، اعتقلت الشرطة الاسبانية خلال الأسبوع الماضي أربعة مشتبه فيهم في مدينة برشلونة كانت تبحث عنهم السلطات المغربية وأصدرت في حقهم مذكرة دولية. ويسود الاعتقاد أن مدينة برشلونة بإقليم كاتالونيا شمال شرق اسبانيا تضم أكبر عدد من المشتبه فيهم بالإرهاب أكثر بكثير من العاصمة مدريد.
وتعتقد المخابرات الاسبانية أن هناك تنسيقا دائما بين شبكات إرهابية في شمال المغرب وأخري في كاتالونيا وأن مجموعة من شباب مدينة تطوان شمال المغرب الذين انتقلوا الي العراق ونفذوا عمليات انتحارية تمكن البعض منهم الوصول الي العراق عبر دخول اسبانيا وأوروبا الشرقية ومرورا بسورية.
وتعتقد مختلف الأجهزة الأمنية أن الهدف الرئيسي الحالي لهذه الجماعات ليس تنفيذ عمليات إرهابية ضد مصالح اسبانيا بل استقطاب شباب مهاجر وخاصة من المغاربة لإرسالهم الي معسكرات التدريب في منطقة الساحل أو مباشرة الي العراق عبر سورية. وحسب جريدة الباييس الصادرة الأربعاء الماضي، فان الشرطة فككت منذ سنة 2005، ثلاث جماعات متخصصة في استقطاب المهاجرين المغاربة لإرسالهم الي العراق. وتبرز الشرطة أن طريقة عمل الوافدين الجدد لاستقطاب عناصر جديدة تتجلي في التسلل الي الجمعيات والجماعات الاسلامية المعتدلة.