بعد اتفاق سلام صعدة: هل ُطويت الحرب أم طُمرت تحت الرماد؟

حجم الخط
0

عادل امين

منذ اليوم الاول لنشوب الحرب الرابعة في صعدة مطلع العام الجاري واحزاب المعارضة تُدين العنف والارهاب واستخدام القوة كاسلوب غير حضاري لحل المشكلات، وطوال فترة الحرب ظلت المعارضة اللقاء المشترك تدعو الطرفين المتقاتلين للحوار والتفاهم وايجاد حل سلمي للازمة، لكن ماذا كان موقف السلطات تجاه دعوات المشترك تلك؟! بكل بساطة فقد اعتبر النظام ووسائل اعلامه الموجهة موقف المعارضة من تلك الحرب نوعا من التآمر علي الوطن واصطفافاً مع المتمردين الحوثيين في خندق واحد!! ورفض النظام كل دعاوي الحوار والحلول السلمية التي تبنتها المعارضة، وشن هجوما ظالماً عليها، واعادها مرة اخري الي مربع الانفصاليين وزاد عليها وصفهم بالارهابيين.

واليوم صار الحل السلمي عبر المفاوضات السرية والحوار الثنائي عبر وسطاء من الخارج هو الخيار الوطني المعبر عن تطلعات وآمال الشعب اليمني الذي رفض من البداية استمرار نزيف الدم في جبال صعدة في حين اصرت السلطات نفسها علي خيار الحسم العسكري وحل الازمة بالقوة!! هل كنا بحاجة الي خمسة اشهر من الاقتتال وازهاق الارواح وسفك الدماء وتدمير القري وتهجير السكان وتدمير البُني التحتية المتهالكة اصلاً لمدينة صعده لنكتشف ان كل ما جري كان نوعاً من العبث غير المبرر؟!

حرب صعدة كشفت ابتداء عن العقلية الاقصائية لدي نظام حكم يرفض مجرد السماع لصوت معارض ولو كان في مصلحته، ويري ان اية حلول تاتي من الداخل ومن المعارضة خصوصاً وان كانت في مصلحة البلد فلا وزن ولا قيمة ولا اعتبار لها، ولا تستحق الوقوف عندها فضلاً عن مناقشتها، هذه قاعدة اساسية لدي النظام لا يمكنه العدول عنها وبالاخص حينما يتعلق الامر بالمعارضة!! ومن جهة اخري فقد كشفت الحرب عن مدي تطلع النظام للحلول المستوردة ولهثه خلف الاطراف الخارجية التي طالما زايد عليها، فهو في العلن يرفض فكرة الوساطة الخارجية وتدخلها في حل قضاياه ويعد ذلك انتهاكاً للسيادة الوطنية، في الوقت الذي يعمل من خلف الكواليس علي استدعاء العامل الخارجي لمساعدته في حل مشكلاته الداخلية مع استمرار تعنته ورفضه لكل الحلول والمقترحات الآتية من الداخل!! يجدر بنا اولاً ان نشير هنا الي حقيقة ناصعة ربما غابت عن الكثيرين وهي ان المعارضة اللقاء المشترك ظلت الي آخر لحظة متمسكة بموقفها الوطني الثابت تجاه ازمة صعدة، المنبثق اساساً من المصلحة الوطنية الحريص علي رأب الصدع الداخلي وتسوية الازمة بين طرفي النزاع علي قاعدة لا غالب ولا مغلوب، وان الجميع شركاء في بناء هذا الوطن مهما تعددت مشاربهم واختلفت تصوراتهم، وبناءً علي ذلك لم تتمكن السلطة من جرّ المعارضة وراءها في هذه القضية، وبمعني آخر لم تسمح المعارضة لنفسها بان تنساق خلف رغبات السلطة وتوجهاتها رغم ما اصابها منها من حيف وجور واتهامات باطلة ومضللة بالوقوف ضد مصالح الشعب وخيانة قضاياه الوطنية، وفي حين تمكن النظام الحاكم من ممارسة ضغوطه وفرض توجهاته علي البرلمان وجمعية علماء اليمن ومشائخ القبائل وجموعهم ودفعهم للسير وراءه فيما عدّه حلاً وطنياً للازمة والمتمثل في تفويضه الكامل باستخدام القوة كطريق وحيد للحل، الا ان محاولاته المتعددة مع المعارضة وضغوطاته المتكررة عليها لاجبارها علي السير في نفس الاتجاه باءت جميعها بالفشل واصطدمت بالموقف الوطني الصلب لاحزاب المشترك الذي لم يتزحزح عن مساره من بداية انطلاق الازمة وحتي نهايتها، ليجد النظام نفسه آخر المطاف وقد وصل الي حيث دعته المعارضة من قبل.****الاتفاق الاخير بين السلطات والحوثيين والذي تم بوساطة قطرية ونص علي وقف العمليات القتالية والبدء في تنفيذ اشتراطات كل طرف اسمته السلطات وقفاً مشروطاً للعمليات العسكرية وعلقته بالتزام عبد الملك الحوثي ومن معه بما قيل انه شروط متفق عليها بين الجانبين، وردت في قرار مجلس الدفاع الوطني بجلسته المنعقدة بتاريخ 13 شباط (فبراير) 2007م، في حين يتحدث عبد الملك الحوثي في بيانه الصادر بتاريخ 16/6/2007م عن وقف الاقتتال والالتزام بالنظام الجمهوري والدستور والقوانين في البلاد وتنفيذ الشروط التي اتفقنا عليها في اطار المساعي التي بذلتها دولة قطر الشقيقة. ويبدو من خلال التصريحين ان كل طرف يتحدث عن شروط خاصة به يحاول فرضها علي الطرف الآخر، فالسلطة تعتبر قرارات مجلس الدفاع الوطني الصادرة بداية الازمة قاعدة اساسية للحل، وهي قرارات رفضها الحوثيون من قبل واستمروا في قتالهم للسلطة، فكيف صارت اليوم شروطاً لتعليق العمليات العسكرية؟! اما الحوثيون فيتحدثون عن شروط تم الاتفاق عليها برعاية الجانب القطري، وهي بلا شك ستختلف -ولو قليلاً- عما ورد في شروط وقرارات مجلس الدفاع الوطني، لكن تلك الشروط التي اتفق عليها الجانبان في اطار المساعي القطرية لم يتم الافصاح عنها حتي الآن!! الي جانب ان العمليات العسكرية نفسها لم تتوقف في بعض مديريات صعدة بحسب الاتفاق، اضف الي ذلك فقد تضاربت الانباء حول مغادرة القادة الاربعة يحيي وعبد الملك وعبد الكريم الحوثي، عبد الله الرزامي الي دولة قطر، وزاد الامر غموضاً الكيفية التي سيتم الاعلان من خلالها عن تاسيس حزب سياسي للحوثيين فيما يقبع قادتهم الكبار في الخارج بانتظار اوامر السلطات اليمنية باطلاق حرياتهم والسماح لهم بالمغادرة!! المؤشرات الظاهرة علي الساحة تُنبئ بوجود اتفاق هش بين طرفي الازمة ربما لن يتمكن من الصمود لفترة اطول، كما لن يكون من نتائجه وضع حل نهائي للمشكلة، فمن ناحية يبقي التكتم علي شروط الاتفاق الذي ُانجز برعاية قطرية سبباً في عدم التزام الاطراف المعنية بما ورد فيه، وسيُقدم كل طرف نفسه بصورة المنتصر الذي فرض شروطه علي الطرف الآخر في حين انهما يُعدان معاً خاسرين في تلك المعركة.

ومن ناحية اخري فان استمرار المعارك بين الجانبين يوحي بانهما لم يأخذا راي القيادات الميدانية في شروط الاتفاق، وربما يؤدي ذلك الي تمرد بعض قيادات الحوثي الميدانية وخروجها عن سيطرة قيادتها السياسية، والامر (استمرار المعارك) مؤشر كذلك علي نزوع السلطات نحو الحسم العسكري، وهذا ما يفسر اعلانها ما اسمته وقفاً مشروطاً للعمليات العسكرية متعلقا بالتزام الحوثي ومن معه بقرارات مجلس الدفاع الوطني لا بشروط الاتفاق المبرم برعاية دولة قطر، وبالتالي فان الحكومة اليمنية تسعي لاعطاء نفسها وقتاً اضافياً لانجاز الحسم العسكري، وهذا من جهة سيرضي بعض القادة العسكريين المتذمرين من شروط الاتفاق الصلح، وهو من جهة اخري يُعفي النظام الحاكم من تبعات الوساطة القطرية في حال تحقق النصر المنشود.

وما يزيد الامر غموضاً في هذا الاتفاق ان النظام الحاكم ما يزال يتحدث وكانه لم يتفق مع الحوثيين علي شيء، فوزير الخارجية اليمني د. ابو بكر القربي يصرح من لندن (في نفس يوم اعلان السلطات اليمنية تعليق العمليات العسكرية) ان الحكومة تتوقع استسلام المتمردين الحوثيين قريباً نتيجة الحصار المحكم الذي تفرضه القوات المسلحة عليهم، مضيفاً بان الحكومة تعتبر انصار الحوثي ضالين ومغررا بهم، موضحاً ـ لصحيفة الحياة ـ ان الحوثيين مجموعة ارهابية خرجت عن القانون والدستور دون مبرر، وهو هنا لا يتحدث عن اتفاق تم بين طرفين برعاية طرف ثالث بل عن استسلام طرف لطرف آخر، الامر الذي يُلقي بظلال من الشك حول مدي التزام الحكومة بما تم الاتفاق عليه اذا كان بالفعل قد حدث اتفاق!! المكاسب التي تحصلت عليها الحكومة يمكن رؤيتها من خلال: التزام دولة قطر باعادة اعمار المناطق المتضررة، وهو ثاني التزام تقدمه دولة خليجية الي جانب السعودية التي التزمت بنفس الشيء في الحرب السابقة، وربما ان هذا ايضاً من جملة اسباب رفض النظام للوساطة الداخلية التي كانت ستفضي حتماً الي تحمل الدولة منفردة لتكاليف اعادة اعمار المناطق المتضررة، الشيء الآخر فان مغادرة قادة التمرد الي قطر وفرض نوع من الحصار والعزلة السياسية حولهم يضمن للدولة عدم تجدد الصراع في مناطق صعدة، ويزرع من جانب آخر بذور الشك وسط جماعة الحوثي حول مستقبل الجماعة والامتيازات التي حصل عليها قادتها ومدي مصداقيتهم في ما قاتلوا لأجله، وفي نفس الوقت يُظهر الدولة في صورة المنتصر الذي فرض شروطه علي الطرف الآخر، علاوة علي ذلك فقد استثمرت الحكومة احداث صعدة خارجياً وحصلت علي مساعدات مالية وعسكرية من عديد اطراف، بالاضافة الي ذلك فقد استنفدت حرب صعدة المهام الداخلية التي قامت لاجلها وصار استمرارها اكثر من اللازم يمثل تهديداً لاستقرار النظام نفسه.

ويبدو ان الحكومة استطاعت ان تقطع الطريق علي احزاب المشترك والتي كانت حددت يوم الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) موعداً لاجتماع ما يقارب 120 شخصية وطنية يمنية لتدارس مشكلة صعدة والخروج بحل لها، هذا التوجه الجاد لاحزاب المشترك لحل الازمة بعد طول انتظار والقاء بالمسؤولية علي النظام دفع الاخير للبحث عن حلول سريعة حتي لا يكون للمعارضة فضل المساهمة في انهاء الازمة، وليتمكن النظام في وقت لاحق (مع حلول موعد الانتخابات النيابية القادمة) من توجيه اصابع الاتهام نحوها بتقديم دعم سياسي للتمرد، وبان النظام استطاع الوقوف امام مؤامرة الانقلاب علي النظام الجمهوري التي قادها الحوثيون في صعدة، ووقوف المعارضة منها موقفاً سلبيا بحسب ما سيتم تصويره.

الي جانب ذلك كله ينبغي الاخذ بعين الاعتبار تاثيرات الوضع الداخلي علي قضية الصلح هذه او الاتفاق بين طرفي الازمة، فالاوضاع المعيشية المتدهورة وبروز ما يشبه ظاهرة التمرد العسكري في ابين وتصاعد حدة السخط الشعبي في بعض المحافظات وعلي راسها محافظة الضالع، ونزول قيادات المشترك الي الشارع وتوجيه الجماهير وتوعيتها بحقوقها كل ذلك ضغط باتجاه تسريع الاتفاق لوقف الحرب.

اما المكاسب التي حققها الحوثيون فهي تعتمد علي طبيعة وشكل الاتفاق مع السلطة الذي تم برعاية القطريين، وبلا شك تبقي هناك بنود سرية غير قابلة للافصاح عنها ـ ربما تتسرب لاحقاً ـ تحقق نوعا من المكاسب للحوثيين الذين ظهروا وكانهم قدموا تنازلات للسلطة، فقد توارت مطالبهم السابقة التي قدموها الي لجنة العلماء والتي حاولت ان تجعل من محافظة صعده منطقة زيدية خالصة، او بمعني آخر ارادت ان تُعطي هذه المحافظة شكلاً من الحكم الذاتي غير المعلن يستفيد منه الحوثيون بطريقة او بأخري، ومهما بدا ان هناك مكاسب كبيرة حققها النظام علي حساب الحوثيين فان هؤلاء الاخيرين لا يمكن ان يكونوا قد خسروا كل شيء فهم لن يعدموا من جانبهم مكاسب خاصة تحققت لهم من وراء اتفاقهم مع السلطات.

لكن يبقي السؤال الاكثر اهمية هو: هل نستطيع القول ان هذا الاتفاق الاخير انهي والي الابد مشكلة الحوثيين في صعدة؟! وهل نطمئن الآن الي ان حرباً خامسة لن تشتعل مجدداً في صعدة او في غيرها؟ وهل سيبقي الشارع اليمني ومعارضته السياسية ُمغيبان دائماً عن هكذا احداث؟ لا شك ان هذه القضايا تعتمد الي حد كبير علي دور المعارضة وتنامي قوتها السياسية، وطريقة الحزب الحاكم في ادارة شؤون البلاد، فاذا ما بقي بنفس طريقته واساليبه المعروفة يمارس نفس سياسته الحالية فعلينا عندئذ الاّ نحلم كثيراً في اليمن بمستقبل مشرق وغد افضل مما هو عليه اليوم.ہ مدير تحرير صحيفة (العاصمة) اليمنية[email protected]8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية