وسوي الروم …

حجم الخط
0

الياس خوري

نحن ادري وقد حللنا بنجدٍاطويلٌ طريقنا ام يطولُوسوي الروم خلف ظهرك رومٌفعلي ايّ جانبيك تميلُ وجدت نفسي طوال اليوم وانا اردد هذين البيتين للمتنبي، كأن الشعر يعطي فسحة فريدة للتأمل، والخروج من الأسي. انه العبث المطلق الذي يعزّي، ويطلق الروح في متاهات تأويل الكون، واعادة ترتيبه، عبر اعطائه مدي يتجاوز المعني. كأن هذا الشاعر الذي احاطت به كراهية معاصريه من كل جانب استطاع، بحدس اللغة التي اندغمت بموسيقي الكلمات، ان يصل الي المعجز، دافعا المعري الي كتابة معجز احمد، في سياق الصراع الكبير بين الشعر والدين، علي امارة الكلمات وامارة اللغة.

جاءني المتنبي في لحظة الأسي، اخذني الي سحر الحب، ولعبة الجوي في مطلع قصيدته: ما لنا كلنا جوٍ يا رسولُانا اهوي وقلبك المتبولُكلّما عاد من بعثتُ اليهاغار مني وخان فيما تقولُ ثم انعطف بي الي عبثية الحياة وعدم ديمومتها وتغير احوالها، حيث كل شيء معرض للزوال، لأن الحياة ابنة الموت، ووجهه الآخر: زودينا من حسن وجهك ما دامَفحسنُ الوجوهِ حالٌ تحولُ وصلينا نصلك في هذه الدنيا فإن المقامَ فيها قليلُ لكنني في الحال التي لا تحول، وتساءلت لماذا لا تتغير حال هذه البلاد المنكوبة بحروب الفرنجة والمغول، والتي صارت اليوم اسيرة العته الذي احتل كلام العقل، لأن العقلاء خرجوا من ساحة المعركة، او اجبروا علي الخروج منها، تاركين البلاد للعماء والخوف، بحيث صار الفتي العربي، غريب الوجه واليد واللسان.

طريق طويل ام يطول؟ كأن لا نهاية لهذا المدي الدموي الذي يغرق فلسطين والعراق ولبنان. طريق من الألم الذي تصنعه خيانة الكلمات وانتقام السماء من الأرض، ورغبة جامحة في الانتحار. هل اعادت الغزوة الصهيونية بلاد العرب الي شجون المتاهة التي لا مخرج منها. ثم جاء النفط ومشيخاته ليعلن موت الثقافة في سياق انتحار اجتماعي لا سابق له في تاريخ الأمم المهزومة؟

لست ادري، لكنني عاجز عن تصديق عيوني، اهكذا تنتهي الثورات؟ هل من اجل ان نصل الي ما وصلنا اليه اليوم، ذهبنا الي الثورة مؤمنين بأن موتنا يصنع الحياة الجديدة؟ هل قاتلنا وقتلنا من اجل ان يأخذنا فاسد الي الهوان، او يستولي معتوه علي القضية؟

انفجار الشاعرية الفذة التي لا تتكرر بحسب ابن الأثير، الذي اعتبر المتنبي خاتم الشعراء، كان انتقاما مبكرا من الهوان. يسحرنا ايقاع البحر الخفيف في هذه القصيدة، لأنه يأخذنا الي سحر الموسيقي في مواجهة عبث الموت، وجنون اللامعني.

صحيح ان المتنبي مدح في هذه القصيدة سيف الدولة، وكعادته كان يتماهي مع الأمير الحمداني، جاعلا الكلمة اقوي من السيف، لكنه هنا كان يعلم ان المدح لن يقوده الي مكان. سئم الشاعر من عجز الشعر عن ان يتحول سلطة، واكتفي بنبوءة الشعر التي تصل بصاحبها الي الموت، لذا تصير حلب مكانا لا يمكن الوصول اليه، ويصير الطريق طويلا لأنه يطول، ويصير سبيل الشاعر بلا امل.0 كلما رحبت بنا الروضُ قلنا حلبٌ قصدنا وانت السبيلُ وسوي الروم… صارت القصيدة باباً للتأمل في الزمن، فالشاعر الذي كان اول من تنبأ شعرا، وجد نفسه محاصرا بحرب لا نهاية لها، ووجد سيفه في مواجهة الروم وسواهم، فلم يعد يدري الي اي جانبيه يميل، صار وسط الحراب التي تتوالي، ولم يعد يجد سوي طريق لا نهاية لها.

اتساءل هل يحق لي ان اجعل من هذه القصيدة بابا يعبّر عن الأسي الذي يلف روحي، وانا اري ايضاً كيف يحاصرني الروم من كل جانب، فلا اجد لنفسي مكاناً، وسط امكنة بلادي التي يحتلها الموت؟

الأدب صنع من اجل هذه اللحظة. ما يميز النص الأدبي عن اي نص آخر هو قدرته علي خلع زمنه ومؤلفه. يشعر القارئ انه لا يقرأ كي يفهم، بل يقرأ كي يعبّر عن دخيلته، ويعبر بالكلمات الي ذاته، ويستجمع روحه.

وحين يخلع النص مؤلفه، فإنه يصير لباسا لمن يريد، جاعلا من الذاكرة الأدبية مدخلا للاكتشاف وليس التذكر.

استطاع المتنبي ان يصل الي هذه المرتبة لا لأنه مدح او هجا او افتخر، ولا بسبب قدرته علي التلاعب بأوزان الشعر وقوافيه، بل لأنه عرف كيف يمزج الموسيقي بالمعني كي يعلن احتجاجه علي لا معني الحياة ووحشية التاريخ وعبثيته.

هذا الامتزاج جعل من الشعر ديوان العرب، وهذا ما يستحق الدراسة، حين نستعيد المتنبي، ونعيد قراءته. اقرأ القصيدة، ولا اجد ما هو اكثر قدرة علي ان يعبر عن ارواحنا المضطربة غير بيت من الشعر قيل منذ اكثر من عشرة قرون: وسوي الروم خلف ظهرك روم ٌ فعلي اي جانبيك تميلُ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية