يحيي بن الوليد
لا تكشف المجموعة الثانية اذهبوا قليلا إلي السينما (2005)، لصاحبها الشاعر المغربي جلال الحكماوي، عن كبير مسافة، لكي لا نقول قطيعة، مع المجموعة الأولي شهادة عزوبة (1997). فهو يتحرك في الدائرة ذاتها، دائرة السعي إلي تعميق شرط قصيدة النثر وسواء من ناحية التشظي (تشظي الذات) أو من ناحية التقشف البلاغي الذي يتم الاستناد إليه في تدبر دلالات هذا التشظي. إنه يواصل تجربة الشكل/ إرادة القول الذي كان قد اجترحه من قبل، غير أن ذلك لا يحول دون الإشارة إلي بعض الفروق ما بين المجموعتين. هذا بالإضافة إلي أن الشاعر لا يخفي نزوعه نحو تعضيد خطابه أخذا بمبدأ الوعي بالحوار بين العناصر التكوينية التي تصل ما بين الأداة والماهية والمهمة والتي تقع في أساس العمل الإبداعي. وهو وعي كثيرا ما ينزلق نحو مضمونية الشعر، وهذا المأخذ ينسحب علي تجربة الجيل بأكمله ولا سيما من ناحية الكلمات ــ الأشياء أو الكلمات التي تنصرف فورا إلي الأشياء دونما إيلاء كبير أهمية للغة وإشراكها في صوغ دلالات القول الشعري.
ولعل أهم ما يمكن التشديد عليه فيما يتعلق بنظرة الشاعر في المجموعة الثانية صورة الشاعر ذاته وما آل إليه هذا الأخير في ظل التبدلات التي مست المفهوم ذاته: مفهوم الشعر والشاعر، وقبل ذلك الإنسان والعالم الذي يحيط بهذا الأخير. ونص شاعر شاب بسروال جينز، يعكس، وبعنوانه ابتداء، صورة هذا الشاعر في مفتتح الألفية الثالثة؛ الشاعر غير المسكون بـ وحوش النظرية و الشعرية الباذخة أو تقمص دور الناقد العدائي والمعادي وعلي شاكلة الإسكافي الذي لا يري له ما هو أعلي من الحذاء أخذا بالمثل الروماني. فالصورة التي يرسمها الشاعر للشاعر تنأي عن عمليات المفهمة (Conceptualisation) أو الهاجس التنظيري الذي كثيرا ما يفضي إلي الزج بالشعري في دوائر الفكر المجرد ودونما وعي بتماس المعرفي والأنطولوجي الكامن في الوعي النصوصي، ومن ثم منشأ الشحوب الذي يطال النبض ويحول بين الشعر و التأسيس لـ المعرفي والـ الوجودي في آن واحد.
والشاعر السابق شاعر شاب. وهو شاب لا بـ المنطق العمري الذي كثيرا ما يتم الاحتكام إليه في التسمية سيئة السمعة أدب الشباب، وإنما هو شاب بـ المنطق الثقافي للعصر الذي لم يعد فيه مجال لـ المفاهيم العضوية. ومن ثم فإن هذا الشاعر لا يرغب في أي نوع من الزعامة أو الملحمية أو البطولة أو غير ذلك من الأشكال الدعائية التي كانت تحفز عليها الإيديولوجيا القومية السافرة في فترات الحضور الحدي للشاعر/ المثقف الإيديولوجي. ومن المفهوم أن يحرص هذا الشاعر علي أن يظل شابا ينأي بقصيدته، أو بالأحري تنأي به، عن غواية الشاعر الملهم أو الشاعر الزعيم الذي لا يتواني عن تقديم ذاته قربانا بسبب من التباسه بـ الأنساق المفصلية الساعية إلي توجيه التاريخ والمجتمع والناس ودونما أي وعي بـ الشروخ و الفلول الكامنة في هذه الأنساق.
وبالنظر إلي الانهمام السافر بالتحرر من عنف الإيديولوجيا لا يبدو نشازا أن يحرص الشاعر الشاب علي الانغراس في الوجود. والمدخل، مدخله إلي الوجود، هو سروال الجينز ومن حيث هو، وعلاوة علي أنه نسق موضة (بتعبير بارث) أو نسق ثقافة، عين تسعف الشاعر علي الرؤية وــ بالتالي ــ التواصل و الانتشار. إنه بدوره دال ينصرف إلي مدلول الحداثة المشهدية. غير أن الشاعر، وهو يرتدي سروال الجينز، وهو ممزق عند الركبة (ص 22)، وعلي إيقاع الفرح المتسرب في النص، لا يبدو أنه في وضع مريح؛ ومن ثم، بل وبدافع من ذات الاختيار الذي تؤدي دلالته رمزية الجينز ضمن نسق ثقافي أوسع، منشأ الإفلاس و التبعثر. يقول: لأن/ سروال الجينز/ حذاء آندي وارول/ عمامة أدونيس/ ويسكي درويش/ نظرية سوزان برنار/ لن يعيدوا لك المفاتيح التي ضيعتها البارحة في بار طنجة (ص 22). وشاعر من هذا النوع، وهو شاعر ملعون، لا يمكنه أن يؤسس لوجوده المفلس والساخر والعبثي… من خارج دائرة قصيدة النثر بمعناها المشار إليه من قبل. وشعراء هذه القصيدة ــ المعشوقة، وكما في نص شعراء قصيدة النثر ـ الدمية إياها، يتعاركون وفي نزهة حسان (فضاء عمومي بالعاصمة المغربية) وليس في صالونات الأدب المغلقة أو المجلات الثقافية التي تمولها الحكومات السخية أو المؤسسات المدعومة… و يتعاركون بالسكاكين ـ السلاسل في آخر الليل كما يقول الشاعر (ص 35)، وكل ذلك يحصل في معركة لا مجال فيها للبطولة حيث يسقط الجرحي تباعا/ أنسي الحاج/ سركون بولص/ الماغوط/ إبراهيم نادل بار طنجة أيضا (ص 35) في إشارة إلي التباس الشعري بـ اليومي الذي يؤدي معناه ــ وعلي مستوي العلاقة التي تصل ما بين الدال والمدلول ــ اسم إبراهيم نادل الحانة الشعبية بالعاصمة التي يقطن بها الشاعر. ثم إن هذا الالتباس، أو القيامة الأرضية التي سنتحدث عنها بعد حين، لا وجود له خارج أسوار ذات الشاعر أو خارج لحمه كما في ورد في نص لحم الأخ الذي هو لحم الشاعر الذي تنهشه أو تهبره قصيدة النثر: تأكل/ قصيدة النثر/ لحمي/ حيا/ ميتا (ص 25). إنه الوجه الآخر لـ الكتابة الجارفة أو الكتابة بالسكين التي كان قد تحدث عنها محمد الماغوط، بل وجسدها في أعماله وأيامه. الكتابة التي هي جديرة بأن تعكس حرقة الأسئلة والتي هي نمط وجود و علامة هوية. إلا أن الاحتفاء بأنسي الحاج وسركون بولص ومحمد الماغوط، وفي كراسات الشاعر أو دفاتره التي هي دفاتر الخسران إذا جاز عنوان أحمد بركات، يوازيه، وعكسيا، هذه المرة، نوع من الإصرار علي قتل الأب أو ــ بلغة النقد الثقافي ــ تدمير النسق الشعري/ الثقافي الموروث؛ وهو قتل غير تقليدي طالما أنه لا يتم بـ أدوات الأب، وإنما بقصيدة النثر وفي قصيدة النثر ولقصيدة النثر. هذا المولود الذي صار، ورغم النقد الذي وجه له ولا سيما من ناحية اللغة/ التشكيل، أكثر قابلية للتفاعل مع المتغيرات الناجمة عن تفكك المجتمع والدولة المركزية لفائدة نوع من المواطن المتعدد والمتشظي ولفائدة نوع من اللغة المهجنة. ومن ثم فإن هذا الشاعر، وفي إشارة إلي القتل الرمزي، لم يتعود علي ركوب/ ناقة طرفة بن العبد (ص 21) و عنترة بن شداد (ص 24)، وبارحته تقضم المعلقات السبع (ص 24)… وهو القتل الذي تتضاعف وتائره حين يضحي الشاعر بشاعر العربية الأكبر المتنبي من أجل مشاهدة فيلم Mulholand Drive/ في سينما النهضة (ص 33). ولا يبدو ما سلف مجرد موقف متفرد للشاعر؛ وإنما هو حال شعراء قصيدة النثر ككل، وكـ إخوة و ميليشيات، وخصوصا حين يغسلون الخنساء/ يكفنون/ زوجها/ اسمها/ السابع (ص 36). ودال الجينز قرين دال آخر لا يعلو عليه وسواء من ناحية القيمة أو الأهمية، وهو دال الموبيليت علي نحو ما نجد في نص موبيليت أحمد بركات الذي يتصدر نصوص المجموعة. وأحمد بركات (1961 ــ 1994) (وقد سلفت الإشارة إليه) أحد أبناء الجيل الذي ينتمي إليه جلال الحكماوي، وهو صاحب أبدا لن أساعد الزلزال (1991) و دفاتر الخسران (1994) الذي ظهر بعد وفاته المباغتة. وهو، هنا، الوجه الآخر لذات الشاعر أو هو المرآة التي تنظر فيها الذات إلي ذاتها عبر الأشياء التي تستدعيها للرؤية ذاتها. والشاعر لا يكتفي بالتواصل معه عبر البريد الإلكتروني الذي صار علامة علي زماننا الذي فارقه بركات غير آسف عليه، بل يدرجه إلي هذا الزمان ليواصل حياته. ومن ثم يمتطي الموبيلت في إشارة دالة إلي الشاعر من حيث هو كائن يومي مشدود إلي طواحين الدار البيضاء المدينة النثرية كما ينعتها أحد أبنائها من الأدباء الكتاب الساخر إدريس الخوري. وهي ذات الموبيليت التي تطير (ص 10) ببركات، ومن هوامش البيضاء المتدافقة والمتكاثرة، وفي زمن العولمة، إلي أمريكا الجنوبية. يقول الشاعر: موبيليت حمراء/ يجوب بها/ أحمد خريطة أمريكا الجنوبية/ يتوقف في مقاهيها/ في أسواقها/ في حاناتها/ يصافح فيها/ بابلو/ خورخي/ جبران/ علي… (ص 8). والشاعر لا يملك عصا ساحر أو قلب نبي، ولا هو متنبئ أو عراف. إنه كائن مديني كما أسلفنا وبسيط كما يمكن أن نضيف وواحد من كائناتها المنهكة، ولا شيء يميزه عن سائر البسطاء من غير عينه التي يلتقط بها المشاهد والأشياء. كائن يواجه ما نعته الشاعر نفسه سكين المدينة (ص 18)، ويندس ــ وكـ قنفد ماكر ــ في فضاءاتها وبدءا من فضاء المقهي أو مقهاه الذي هو مقهي العهد الجديد وانتهاء بالمرقص الليلي الذي يُوَقع فيه علي كأسه الأخيرة مرورا بالحانة التي تفتح فخذيها (ص 54) والتي يسعد فيها حيث البيرة والدخان… والسعادة كما قال قائل هذا وإن كان الشاعر يُضيع فيها مفاتيحه/ بوصلته، بل إنه لا معني للانتساب لهذا العالم ما لم يكلل بالإفلاس والجنون والضياع. إن الشاعر يضعنا بإزاء أمكنة متجانسة أو مصفوفة مكانية. ذلك هو المكان الذي نحس به ونحمل بدواخلنا؛ المكان الذي يتماوج، وعلي أكثر من مستوي، بهذه الدواخل.
غير أن الفضاء ــ البطل الذي يخلد إليه الشاعر من أجل صياغة المعني الإجمالي للذات في مسالك الوجود ودوائر المعرفة هو فضاء السينما الذي آثر أن يُعنون به نص المجموعة سعيا منه إلي توجيه القراءة نحو الرحم أو الحاضنة التي تنبثق منها الدلالة. وعنوان اذهبوا قليلا إلي السينما ساخر ومفارق وخادع ومدمر، ويشدد علي السينما بقدر ما يفارقها. وهو، وبصيغته التركيبية، لا يستجيب لا لـ الوظيفة التأثيرية في الترسيمة التواصلية الياكبسونية ولا لـ الوظيفة الإقناعية في الخطاطة التداولية. فالسينما، هنا، دال ينصرف إلي مدلول تمجيد فضاء العين والرؤية. وهي مجال للمطلق والإبهاج والإشباع والتنفيس ومن خارج دائرة الصراع الأبدي بين الخير والشر ومن خارج ازدواج التماهي مع شخصيات ومعاداة أخري. وهي الحياة في أبعادها المرئية أو التحتية لا الميتافيزيقية أو الشبحية. وهي الشعر ذاته، شعر الدنيا الحديثة. إنها الجسر الذي يفضي بالشاعر إلي الانخراط في نادي الحداثة المشهدية.
غير أن المدينة، ورغم دبيب الفرح الذي يبديه الشاعر، تفقد الإنسان إنسانيته وتجعل منه شيئا مسطحا و بعدا واحدا. وهي المواضيع التي عالجتها، وبإسهاب، وفي سياق النقد الثقافي للحضارة، مدرسة فرانكفورت الألمانية الشهيرة وسواء في مراحل التشكل الأولي أو في مراحل الامتداد التي لا تزال متواصلة إلي يومنا هذا بالنظر إلي التسليع أو التشييء الذي تزايدت وتائره ــ وبأشكال متصاعدة ــ في ظل العولمة الكاسحة وسياسة الفسيفساء وتهشيم العقل وتفكيك الهوية… وتخريب الثقافة ذاتها. وفي هذا السياق أمكننا فهم الإنسان الجديد الذي يشير إليه الشاعر في مواضع معدودة، و الدمية التي توازي هذا الإنسان الجديد والتي يشير إليها في مواضيع عديدة، موازاة مع التمزق المجتمعي و المَسْكنية الشائهة اللذين يعرض لهما، ومن خارج أي مس أو لوثة إصلاحية، في نص أجمل بلد في العالم. هذا إذا ما لم نتحدث عن نوع من القيامة الأرضية (Apocalypse) التي تعرض لها المجموعة من أولها إلي آخرها، بل إن الشاعر يتصور أنه جاء إلي الأرض من أجل هذه القيامة. يقول في نص أنف آل باتْشينُو: جئت إلي هذه الأرض المدلهمةبأنف آل باتشينو(آل باتشينو الحقيقي ينظر إلي أعلي)لأري آباءها يرقصون علي دفوف القيامةويشقون ملابسهم ليخرجوا ليخرجوا منها (ص 30). غير أن الشاعر لا يعني بالقيامة من منظور الفرجة أو الشماتة، إنه بدوره ينخرط فيها بل ويتلذذ بها ويستدعي لها الشعراء وغير الشعراء. كل شيء يتحول إلي قيامة: التلفزيون والسينما والمدينة… والقيامة ذاتها.
وعلي مستوي آخر فالشاعر لا يرغب في السفر إلي خارج بلده ليعيش، وكمئات المنفيين والمشردين والمنشقين من الكتاب والمبدعين، في المنفي ــ المفردة التي صارت، ومن وجوه عديدة، مبتذلة. وبالنظر إلي مزاجه الفرنسي لا يبدو غريبا أن يقر قرار الشاعر علي كندا وأن يقول بالتالي: لا أريد الهجرة إلي كندا (ص 56). هذا بالإضافة إلي أن المجموعة تحفل بعشرات الإشارات إلي الأمكنة التي تعكس التحام الشاعر بأمشاج بلده وسريانه فيها كسريان النار في الحلفاء أو السم في الأحشاء. وجميع هذه الإشارات ذات صلة بالعاصمة (الرباط) التي يقيم بها الشاعر، وهي إشارات يمكن تأطيرها ضمن ما ينعت في النقد الثقافي بـ الجغرافيا الثقافية أو الإقليم الثقافي الذي هو جدير بأن يعكس اختلاف الثقافات والعوالم الممكنة. إلا أن الفضاء/ فضاء الدلالة أبعد ما يكون عن الصفاء الجغرافي طالما أنه متخثر بمعجم عولمي بارز حيث سروال الجينز و قهوة لا فازا و Ray Ban و مالبورو لايْتْ و البيكيني و المانيكانات و الكوكاكولا و الهاتف المحمول و البريد الإلكتروني… جنبا إلي جنب عشرات الأعلام من نجوم السينما والكتاب ممن يصعب حصرهم. علي أن العولمة لا تتحدد، وفي نصوص المجموعة دائما، من خلال المعجم فقط، بل تتحدد أيضا ــ وبشكل أكثر حدية ــ من خلال الخيال الذي يصل ما بين العناصر المتباعدة وفي إطار من وحدة تبدو بدورها متصدعة. وفي هذا السياق أمكننا فهم شارون ستون ذات الأقراط المراكشية (ص 37) و الفقهاء المغاربة الذين تكاثروا/ علي أرائك الرفيق ريجيس دوبريه الوثيرة (ص 52) وغيرهما من الصور المتناثرة في فضاء الدلالة وعلي النحو الذي لا يفارق دلالات الخيال المُعَوْلَمْ في سعيه إلي المضي إلي ما هو أبعد علي مستوي الكهربة بين الفواصل والحدود سعيا منه إلي خلق صور صادمة ومتنافرة.
وكما تتمظهر العولمة من خلال النظرة التي تحفل بـ التهجين (Hybridation) الذي يعد إحدي العلامات الدالة علي الفضاءات المعولمة، وتتمظهر أيضا من خلال اللغة المكسرة والمهجنة بدورها بسبب من المفردات السالفة التي تحد من السيولة اللغوية. ومن هذه الناحية فالشاعر لا يشكك في التهجين، وخصوصا في المنظور الذي بموجبه يتم الاستناد إلي السند الثقافي في تدبر دلالات الشعر، مما لا يجعل من هذا الأخير مجالا أثيرا لدعاوي التسييج الحضاري أو استراتيجيا الممانعة. ونتيجة الاعتقاد في جدوي التهجين ينخرط الشاعر في معني العصر، ويسهم بالتالي في نمطه الثقافي الاستهلاكي دون أدني شعور بأي نوع من التصادم الهوياتي أو عقدة الخواجة. ولذلك نراه يفضل أغنية بختة لمغني الراي الشهير الشاب خالد علي أغاني كوكب الشرق و سيدة الطرب العربي أم كلثوم (ص 59)، الشاب خالد الذي لا تخلو لغته/ أغانيه بدورها من تهجين مكنه، ومن خارج دائرة الأوديب الأسود أو الفلكلور المبتذل، من تمثيل فرنسا (التي يقيم فيها) في حفلات موسيقية عالمية في إشارة دالة إلي أهمية الموسيقي ومكانتها في تواصل الشعوب والحضارات والثقافات وبغير المعني الإعلامي الغربي التسويقي لـ التواصل. من الجلي، إذا، أن الشاعر، شاعرنا، يؤثر، وبدافع من التمرد، الموسيقي التي ندعوها، عادة، هابطة علي الموسيقي الكلاسيكية التطريبية؛ وهو تمييز متسرع، إضافة إلي أنه لا يلتفت، وفي حال الموسيقي الهابطة تعيينا، وبسبب من مفهوم التمثيل الذي يسندها، إلي استجابتها لـ الانفجار الثقافي. وكما أن الخيال سالف الذكر قرين نوع من السخرية اللاذعة التي تطبع العديد من المشاهد داخل فضاء الدلالة، وتتعضد هذه السخرية أكثر بالنظر إلي الكتابية التي يستند إليها الشاعر في تدبر دلالات اللحظة العابرة والتي هي مؤثرة بسبب من أنها عابرة أو وجيزة. وقد تفسر الكلمات المُمَططة في أحيان والبارزة أو المضغوطة في أحيان كثيرة، موازاة مع استبدال الواو العاطفة ــ وعلي مدار المجموعة بأكملها ــ بـرمز & ، الرغبة في تعميق شرط الكتابة ولفت الانتباه إلي ضرورة إشراك العين في فعل القراءة. ثم إن قصيدة النثر، وفي جانب أهم منها، هي لـ القراءة الهادئة وليس لـ الإنشاد الهادر… وهي لـ الهوامش المقموعة وليس لـ المركز القامع؛ إنها الوجه الآخر لما ينعته جابر عصفور بـ بلاغة المقموعين.
وللحق، وحتي نعود للسخرية، فالشاعر يسخر من كل شيء، وقبل ذلك يسخر من ذاته كما في نص أنف آل باتشيو (وقد سلفت الإشارة إليه). وكان بإمكان هذه السخرية أن تثمر أكثر لو أن الشاعر، وقد يكون هذا اختياره، سرب النبرة السوريالية في استطراد الدلالة لا في المقاطع المتناثرة. والسخرية وإلي جانب فاعلية الخيال وسند الحلم وعكازة الجنون وحريق الرغبة وملمح الكتابة الميكانيكية أو الأوتوماتيكية… من الركائز الأساسية للسوريالية؛ وهي عناصر لا نعدمها في اذهبوا قليلا إلي السينما. لكن دون أن نتغافل، وعلي صعيد الرغبة سالفة الذكر، أن النظرة الناظمة للمجموعة تنأي عن العري الفاضح أو الجنس الفاحش عدا بعض المقاطع كتلك التي يقول فيها الشاعر: بما أنني لا أحب الحياة الزوجيةلا البيجامات المخططةالتي تسمع أغاني أم كلثومبعد كل مشادة عاطفية، أضع الممثلة العصبية علي بطنها أتقمص روح ميكانيكي أعمي يغنيبووم، بووم، بووم… أفككها إلي مليون قطعة لا تنتميبالضرورة إلي أي لوبي جنسيأشتغل كمحرك حشاشتحاصره المانيكات النظيفةفي فيلم ملوث (ص 64). وصفوة القول: تجربة جلال الحكماوي، وإن بنصوصها المعدودة، دالة علي قصيدة النثر، وبتحولاتها اللاحقة، في الشعر المعاصر بالمغرب جنبا إلي جنب تجارب أخري موازية كتجربة عزيز أزغاي وعبد الإله الصالحي ومحمود عبد الغني… إلخ. وجميع هذه التجارب تسعي، وبتفاوت، إلي الانخراط في أفق هذه القصيدة، الملعونة، شأن شعرائها الملاعين، وسواء من ناحية عناصرها التكوينية المتمثلة في نثرية الدلالة وتشظي الكائن المديني علي مستوي النظرة، أو من ناحية التقشف البلاغي علي مستوي الأداة أو اللغة المنشقة. تلك الأداة التي تضيف، وكما في حالة الحكماوي، وفي إشارة دالة علي الحداثة المشهدية، تقنية الفيديو أو تقنية المونتاج السريع… إلخ.
ناقد وباحث من المغرب