القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني: تحت عنوان نازك الملائكة شاعرة العرب الكبري عقدت لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة ما أسمته احتفالية توديعية للشاعرة حيث كان علي رأس الحضور فيها ابنها الوحيد البراق والشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي رئيس لجنة الشعر، والشاعر فاروق شوشة الذي أدار الندوة.
وقد اكتظت قاعة المجلس الأعلي للثقافة بحضور عراقي كبير وحضور مصر نسبي، وكلا الحضورين لم يترك مكانا لقدم في القاعة لدرجة دفعت الشاعر فاروق شوشة الي توجيه لوم قاس إلي مصوري الفضائيات الذين ساهموا في إشاعة الكثير من الفوضي مع بداية الندوة.
وقد حاول الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي في كلمته التقديمية التوديعية أن يتخلص من شعوره بالتقصير تجاه الراحلة التي كانت تعيش بين ظهرانينا منذ منتصف الثمانينيات، ثم تذكرتها الدنيا بأسرها بعد أن رحلت، وفي هذا السياق أشار حجازي إلي تلك الملابسات التي تسببت في عدم ذهاب جائزة الشعر العربي ـ التي بدأت أولي دوراتها في أوائل هذا العام ـ إلي نازك الملائكة، وتحدث عن دوره في تأييد حصول نازك علي الجائزة وتأسف ـ في الوقت نفسه ـ علي فشل هذه المساعي، وإن كان البعض يوعز توجهات حجازي إلي صراعه مع الدكتور جابر عصفور الأمين العام السابق للجائزة الذي كان مؤيدا قويا لذهاب الجائزة إلي الشاعر محمود درويش، إلا أن الرجل أكد صدق نواياه وجدية موقف من شاعرة في حجم نازك الملائكة، فقد خصص زاويته الأربعائية بجريدة الأهرام ـ الأوسع انتشارا ـ لتناول مشروع نازك الملائكة ودورها التأصيلي والتأسيسي.
حاول حجازي في مقالاته الأربع استعراض العديد من نقاط التقائه مع نازك، بداية من المقالة الأولي التي حاول فيها الكشف عن الجذر المصري للشاعر منذ قصيدتها الشهيرة الكوليرا في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، ثم حاول في مقالاته التالية الكشف عن ريادة نازك الشعرية والنقدية، وعلاقتها بالرومانسية المصرية، لا سيما فيما كتبته عن الشاعر علي محمود حلة، علي أن كتابها قضايا الشعر الحر ظل هو الطرف الأساسي في معادلة شديدة الثراء كشفت ـ فيما بعد ـ عن قوة خلاقة لتلك الشعرية، وما قدمته للشعرية العربية في عمومها منذ بداية الخمسينيات وحتي هذه اللحظة.
كان من المقرر أن يشارك لفيف من الشعراء المصريين والعراقيين، لا سيما من جيل الشباب، في قراءات من شعر نازك الملائكة، ولا نعرف ما الذي تغير في خارطة البرنامج حتي تخرج علينا أول شاعرة عراقية مشاركة اسمها ريم قيس كبة لتلقي مع مسامع الحاضرين، بدرجة من الافتعال، قصائدها التي تراها خيطا ممتدا من نازك الملائكة، باعتبارها ـ كما تقول ـ احدي التلميذات اللائي تعلمن منها.
ولا شك أن تيار الحداثة الشعرية في ثقافتنا العربية ارتبط أوثق الروابط بالدولة القومية في العالم الحديث، الذي تكون علي أنقاض حر بين ضروسين أودت بما يجاوز السبعين مليون إنسان، وقد كانت الثقافة العربية في أشد حاجاتها إلي تجاوز المرجعية البدهية التي تأسست علي تعاظم علوم الفقه واللغة والشعر، علي نفقة العلوم العقلية من فلسفة ومنطق ورياضيات ومناهج علمية.
وان كانت التجربة المصرية الحديثة التي نشأت وترعرعت في ظلال الدولة العلوية قد أنجز الشيء الكثير في بناء المجتمع الحديث، فقد تم تتويج تلك الاندفاعة بنهوض ثورات التحرر بالجانب الأعظم من تمهيد التربة العربية حتي في تلك البقاع التي لم تتغير فيها أنظمة الحكم.
كان مفهوم التجاوز والانطلاق شديد الالتصاق بالفنون منذ نشأتها، إلا أن ذلك المفهوم يكتسب أهمية في الشعرية العربية نظرا لتقاليدها الأسرة، التي فرضت حضورها في صياغات وصلت حد القداسة، لما كان للشعر من شأن في علوم القرآن والحديث والكثير من المرجعيات الفقهية التي نزلت منزلا رفيعا في هذه الثقافة، لذلك لم يكن غريبا، أن تتهم محاولات التحديث بالمروق والهرطقة حينا، وبالعمالة والصهينة أحيانا أخري.
لقد لعبت القشابة اللغوية في شعريتنا الكلاسيكية دورا مؤثرا، إلا أن الحداثة نهجت نهجا مغايرا تراه نازك الملائكة في سياق كونه تحريرا لتلك اللغة بالإضافة لكونه تحريرا للعقل في الوقت نفسه، وهو ما أشارت إليه وعالجته بشكل موسع في كتابها قضايا الشعر الحر، وقد كان مؤثرا وفاعلا رفض واستبعاد مفهوم الكمال الذي كان يوشي المسير الشعري العربي، فقد كانت شعرية الغرض امتحانا مكررا ومكرسا من قبل تاريخ امتلك من القوة ما مكنه من سحقه خصومه المغالين في التجاوز، والتدمير، ومن ثم كان لابد للخطة الاكتمال أن تتحقق، رغم تلك القوة المفرطة للماضي، وإن تتحقق معها ـ في الوقت نفسه ـ الكثير من الرطنة التي استغلقت علي كثيرين من عموم القراء، مما عرض المشروع منذ بدايته لتهديد صارم بالزوال والتلاشي، غير أن القوة الواعية والمسؤولة تاريخيا عن مصير ثقافة بأسرها كانت كفيلة بتصحيح المسارات داخل وخارج النص.
لقد كان السؤال الأول حول محاكمة الذات وإعادة الوعي بها باعتبارها نمطا متكررا داخل الزمن عاملا مهما في تدقيق الكثير من الأوصاف المطلقة التي أطلقتها الثقافة العربية علي معارفها المنجزة، لذلك نشأت مبكرا تلك الفجوة بين ماضي الثقافة وحاضرها، وتجذرت الفجوة عبر الكثير من رطانات نقاد الأصالة والمعاصرة اللتين لم يُحسم أمرهما حتي هذه اللحظة، فقد تحدث كلا الطرفين ـ في الأغلب ـ عن حقيقة مطلقة يسعيان خلفها، في الوقت الذي انهار فيه معبد الحقيقة علي رؤوس أصحاب البني المقدسة وبائعي صكوك الغفران.
لقد تجاوزت قصيدة نازل الملائكة الوعي بالغرض الشعري، محققة ـ منذ نهاية الأربعينيات ـ وطنا آخر في اللغة الشبقية الآسرة التي ابتكرت قواميس لم تمتد إليها يد السدنة، لذلك يعد الكثير من النقاد قصيدتها الكوليرا بناء كاتدرئيا جديدا، لكنه بناء لم تلحقه يد القداسة أو معتقداتها الإطلاقية. وقد كانت الحداثة العربية في عمومها مشهدا أكد الخروج المطلق علي التقاليد والوعي البرجوازيين في وجهها السياسي، وكان الوعي المبكر بتغير وظيفة الفن عاملا أساسيا في تدمير وتجاوز فكرة الغرض الشعري، وبدت الصياغات الواعية لمفاهيم ملتبسة مثل الهوية أكثر ميلا إلي فتح حوارات شتي مع الآخر، وقد بلغت التأثرات الفرانكفونية في نازك والسياب مبلغا لا يمكن تجاهله، وهو طريق بدأ مبكرا، ربما منذ المدرسة الرمزية، التي قدمت للشعرية العربية راقدا مؤثرا بدا أثره جليا لدي شعراء الحقبة الرومانسية، ولم يكن التمسك بغياب الدور الاجتماعي في بداية حقبة الحداثة إلا لكونه نوعا من التأكيد علي التمرد وسرعان ما عاد مفهوم الوظيفة في ظلال الدولة الشمولية التي بدأت كنموذج وطني يطمح للعمل خارج مظلة التبعية.
وكان السعي الدؤوب لتلك الشعرية خلف إحكام الوعي الجمالي ومنحه الأولية خطوة مهمة في سياق التأكيد علي جدارة الأبنية الجديدة، لدرجة دفعت في بعض الأحيان إلي الكثير من العنف والمجانية تجاه الشكل، وقد كانت الكثير من التجارب التي لجأت الي التعمية والغموض نموذجا علي ذلك.
وتبدو الروافد التي تركتها تجربة نازك الملائكة في إطار الكثير من التجدد برهانا علي القدرة الفائقة ومحاولات الاستفادة من كافة الإمكانات التي أتاحتها التراثات التقليدية للشعر في الثقافات العالمية، وفي الشعر العربي علي وجه الخصوص، وقد كانت محاولات نازك اختراق البحور الصافية والكتابة لأول مرة علي بحر البسيط والمساهمة في انجاز مفهوم الدائرة العروضية شكلا من أشكال توسيع رئة الشعرية الحداثية، وإن ظلت التجربة أسيرة الأبحر السبعة الصافية: الكامل، الوافر، الرجز، الطويل، المتقارب، المتدارك، وأخيرا البسيط الذي كتبت منه نازك العديد من القصائد.
لقد كانت حياة نازك الملائكة ومنجزها ـ في الإجمال ـ أكبر من تلك الاحتفالية المتواضعة التي أقامتها لجنة الشعر علي مدار ساعتين، وسكب فيها الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي الكثير من دموع الندم، علي رحيل تلك الشاعرة الكبيرة، التي اعتبرت مصر وطنها الثاني، لكنها لاقت من الجحود أكثر ما لاقت من الإحسان.
وبالقطع لم يكن حجازي والكثير من شعراء مصر هم المخطئون فرادي وجماعات، بل يضاف إلي خطئهم غياب الشفافية عن الحقل الثقافي برمته، وغياب الدور المصري عموما، وتقليصه الي أدني حضور ممكن.
ولن يشفع لحجازي ـ باعتباره واحدا من جيل الرواد المؤثرين في المشهد ـ تلك الكلمات التي رقت وعذبت ونبهت إلي دور نازك بعد رحيلها، ولا تلك الكلمات الغاضبة التي أطلقها في حق المتشاعرين الصغار الذين ملأوا الدنيا ضجيجا، وعقدوا الصفقة تلو الصفقة، واشتروا مكانة ليست لهم بقوة المصالح المشبوهة، وهم ـ في كل الأحوال ـ الأدني عما تبوأوا من مراتب في سلم الشعر.