إبراهيم الحجري
تأتينا متمهلة مجموعة الشاعر العُماني زهران القاسمي (أمسكنا الوعل من قرونه) الصادرة عن النادي الثقافي و مؤسسة الانتشار العربي 2006، ونأتي المجموعة لنجدها حافلة بمفردات البيئة المحيطة ابتداء من العنوان (الوعل ) كما في المجموعة ذاتها (الجحلة، الشاويّة، ثور العيد.. الخ) معجونة بمكانها ومنشئها لا كامتثال فارغ من معناه ومضمونه لكن بتقنيات حديثة كما في استخدام ثور العيد:(لا تصدقها / لقد خانتني ذات مساء مع بوذا / دلته علي شعري / ليقصه تنين كان نائماً منذ قرون / واستيقظ علي نحيبي / هل هو موعدك الأول معها؟ / هل جلبت لها ياسمينة؟ / أم جلبت لها ثور العيد / لتلحس منخريه نيابةً عنك)هل جلبت لها ثور العيد ص 53. في النص الذي اقتبسناه تنعكس عدة مؤشرات موجودة علي امتداد المجموعة فمثلاً استخدام الصورة الصادمة نجده في نصوص المجموعة بكثرة: (موسيقي تشبه رأساً علي وشك القطع) أمسكنا الوعل من قرونه ص 25، وتعمد استخدام الإغراب مستمر: (الأرض.. ياسمينة مقطوفة من عين متسول) أو في:(يا حظي الجميل / رسمتكَ ذات طفولة سنبلة / فأكلتك النعاج / إذا عدتَ جميلاً كما وعدتك / سوف أرفع كأسي برغوته / سوف نسرّح النعاج / نعقد صداقة بينها وبين ذئب الجبل / ليس انتقاماً لك منها / لكنها شمعة أخيرة في وجه الحشد القادم من الموت / أنا أهدر جزءاً من الموت / كلما وقفتُ علي حافةِ صمتك) ص 75 علقوني كجحلةٍ جريحة.
مجموعة الوعل متورطة كما أشرنا في مساءلة مفردات المكان: مكانها، وفي البحث عن مغزي للوجود في ذات المكان كما في النص المعنون للمجموعة (أمسكنا الوعل من قرونه) والذي يتكون من وحدات داخلية بعناوين خاصة، فكأن النص ذاته متشظٍ في وجوده فضلاً عن تعمد الشاعر لكسر الزجاج أكثر، كمساءلة الإرث (إصعد يا ولدي / تلك القمة تحلم بك / صعدنا.. / كافحنا وقاتلنا الرياح والمطر / صرخنا في وجه الجنيات / أطلقنا عواءنا مع الذئاب / أمسكنا الوعل من قرونه / صعدنا.. / وزعنا أجزاءنا علي القمم / وعُدنا بالحنين) ، ولا يكتفي النص بذلك بل أيضاً يعمد لفضح الجميع بالتركيز علي خسران الجميع، المُغيّب (لم يكن لك أي صلة بعوالمهم لذلك أكلوا كل من معك وانسحبوا)، الحطاب (احمل وجعك واحمل عليك.. بفأسك)، الحرية (ابتعدي قليلاً دعيني أحرر نفسي التوّاقة)، البدوي (من يطحن هذا الضجيج ليقدمه دقيقاً لأطفال البدوي الذي ذهب بعيداً ولن يعود)، وهكذا تتراكم الأشياء والمحمولات لتقطع طريق الخروج ولا يبقي إلا التملص (إملاص: عربةُ أسعاف تلتهم وعورة الطريق / ليلة ٌ صيفية متوهجة / تترقب صراخه / ذيل غبار متصاعد / إلي فضاءات أنين. / لم يكد يحتفل بسفره / حتي غطاه الدم) !! لا تكتفي المجموعة بسؤال المكان علي مستوي واحد رمزي ذي دلالة معاصرة، بل تسأل علي كل المستويات، كالسياسي منها كما في نص هدير مُصدر لأجرام بعيدة الذي يبدأ بالحذاء (حذائي الحبيب الذي حملني عاماً كاملاً / قبّلتهُ أخيراً علي حافة المزبلة) لكنها مجرد بداية فالأحذية ستكبر وتصير أطفالاً يصرخون ويتبولون حتي نصل للدولة (يُصادرون الأحاسيس / فهي من ممتلكات الدولة) و (يحق لكل مواطن أن ينطق بعشر كلمات فقط طيلة حياته وليس من بينها كلمة.. القانون)، وأخيراً مع ختام النص تكتمل ربطة الحذاء (الصمت / التميمة المباركة / الأحذية تعلب هديرها / تصدّره لأجرام بعيدة). هكذا هي مجموعة الشاعر زهران القاسمي تحرك عامدةً الجرح المفتوح بسكين (مُري هذه الجبال التي أرزح تحتها / أن تصير أثقل / ربما استطعت أن أبعث من محاجري الحجرية / دمعةً يتيمة) لكنها لا تخلو رغم كل الألم من الحب (أحبكِ لأنني كلما سقطت بحثت عن أصابعك)، حب المتألمين ولا شك، يبحث في الحب عن يدٍ تمتد لحظة السقوط، تبحث عن مساعدة لتخفيف الاغتراب والألم والفخار المكسور المتفتت الذي صار رغبة عنف (لقد أحرقت لعبهم وأحلامهم / جمعتهم واحداً واحداً / أطفالاً وشبابا وعجائز / شويتهم علي الفحم / وعلبتهم أغذية جاهزة / تقتات عليها الكلاب) تحاول المجموعة شق الصمت وتحطيم السور بالإيغال في الإغراب، ولعل هذا ما يميز تجربة الشاعر ككل في هذه المجموعة، أنّهُ تمكنَ من استخدام تلك الصور دونما غرق في نحيب العجز كما ينتشر في كثير من المجموعات الشعرية الحديثة التي لا تزال متأثرة بروح السلبية الموروثة من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية: الروح التشاؤمية، بل بروحٍ يتبدي واضحاً قرفها من العجز ورغبتها الصادقة في الخروج من الدائرة العابثة والإرث المتقرطع، دونما انتقاص من قيمة أي وجود بدائي وحقه في الحياة، وفي الشعر، (من يُشعلُ لهباً للتعاويذ / من يوصي بوطن لبلطة وحيدة). يبقي أن نشير أن المجموعة لم تكن بَصَلَة الصيام، فبعد انتظار طويل لتأخر الشاعر في إصدار مجموعته الأولي، كانت (أمسكنا الوعل من قرونه) مجموعة تستحق الانتظار، رغم أنها قد تتمنع، خاصة علي أصحاب قراءة الإطلالة السريعة، ربما لأن المجموعة اعتمدت في تركيبة القصائد علي لصق الشظايا، مما يفقد القصيدة الواحدة وحدتها الظاهرية، لكن كل الروابط تظهر جلية مع القراءة المتمهلة كما يجب أن تُقرأ القصائد، كتأمل، لا كالتهام: كاستهلاك.
كاتب من عمان