توفيق رباحي
خذوا هذا الخبر كما ورد صباح الاربعاء بشريط الاخبار في تلفزيون المستقبل اللبناني، بينما كان احد الشيفات المهرة يتفنن في طهي ما لذّ وطاب من اطباق الطعام والحلويات الانيقة: مصافحة ومحادثة بين مندوبي سورية واسرائيل في مرحاض مجلس الامن الدولي.
اذا كان من وصف يليق بهذا الخبر، فهو يعبّر عن حقيقة مستوي الممارسات الاعلامية والدبلوماسية بين دول ومجموعات توحّد بينها الازمات والمشاكل: مستوي مرحاض. قبل ان امضي افتح قوسا لاقول ان كلام المصافحات بين مسؤولين سوريين واسرائيليين فقد ذوقه واهميته، لانه في كل مرة يتكرر، وفي كل مرة يظهر انه فارغ واصحابه فارغون، علاوة علي انه لم يعد يسبب ذلك الحرج الذي كان يسببه في السبعينات. ماذا سيضر سورية لو قيل، مثلا، ان سفيرها بالارجنتين كان مسافرا من بريتوريا الي بكين في طائرة هندية وكان سفير اسرائيل لدي كندا في نفس الرحلة فجلس خلفه او قبالته؟ هل هو تطبيع؟ هل هي نهاية العداء بين البلدين؟ لو كنت مسؤولا سورياً لما تهربت من مصافحة ان حدثت ولما كلّفت نفسي عناء الرد علي الترويج لها طالما انها لا تغيّر من الواقع شيئا.
لم يذكر خبر المستقبل تاريخ المحادثات والمصافحة، ولا مضمونها طبعا، والاهم لم يتضمن اية اشارة الي مصدره (لاحقا فاحت رائحة التفاصيل ـ من المرحاض). لهذا اعتبره نموذجا للاخبار الكيدية من تيار المستقبل اللبناني (عائلة الحريري) باتجاه الحكومة السورية (في انتظار فرصة التلفزيون السوري ليرد الصاع لتيار المستقبل واقطابه بخبر مشابه ما دمنا في موسم الكيد والكيد المضاد). اية محادثات هذه التي تضيق بها الدنيا الا من مرحاض؟ ماذا يمكن ان يقول المندوب السوري لنظيره الاسرائيلي وهو يهم بقضاء حاجته الطبيعية.. رجعولنا الجولان يا ولاد.. وإلا اعملها فوقك، مثلا؟ وبماذا يمكن ان يرد السفير الاسرائيلي: نريد خالد مشعل والا اسكّر باب المرحاض واهرب بالمفتاح تاركا اياك تستنشق روائح كل المندوبين الذين سبقونا لهذا المكان؟
وبما ان المستقبل لم تشر الي مصدر خبرها، دعونا نبسّط الامر اكثر ونفترض ان احد السفيرين وصل مستعجلا الي المرحاض فوجد نظيره يشغل المقصورة فصاح مستنجدا: عجّل يا ابن الكذا مثانتي ستنفجر!
هذه كلها تكهنات، ما ليس تكهنا، هو انها ممارسات دبلوماسية غير سوية يختار لها اصحابها المراحيض. وممارسات اعلامية غير سوية يختار لها اصحابها برامج الطهي والارشادات الغذائية.
بربكم، هل تعرفون مرحاضا اكثر من هذا؟!
تضرّع قلت مرارا ان التلفزيون الجزائري يعيش في دنيا غير دنيا ايها الناس، وانه اخترع جزائر افتراضية لا وجود لها الا في نشرة اخبار الساعة الثامنة من مساء كل يوم، وهي لا تمت بصلة للجزائر الحقيقية. اليوم اقول انه قسّم البلد الي قسمين فاصبحت هناك جزائرهم وجزائرنا، ويمارس التمييز بين الواحدة والاخري: الاولي هي الجزائر التي يغطيها التلفزيون فتحظي بالحضور اليومي في شاشته الي حد الغثيان، والاخري مغيّبة تماما حتي تشتاق لها. جزائرهم هي جزائر صاحب الفخامة وثلة من الغمّاسين والمتنفعين من حوله وفي الحواشي. و جزائرنا هي جزائر ملايين المحرومين (كل انواع الحرمان) غير المتنفعين وفي الهوامش. الاولي هي التي تظهر في التلفزيون جنّة عدن أكمل من الكمال (بفضل مكرمات صاحب الفخامة بحسب كل المتحدثين).. لا جوع ولا بطالة ولا فقر ولا طفولة مشردة ولا اجرام ولا هم يحزنون. والثانية هي التي لا يجد فيها المواطن المسكين رطل البطاطس، وعندما يجده يفلت منه الحليب، وعندما يقبض علي كيس حليب يهرب منه بيدون الزيت.. الخ من المعارك اليومية التي لا تنتهي في بلد ينام علي احتياطي من 80 مليار دولار ويعجز حكامه عن التحكم في سوق الخردة بوادي كنيس علي حواف العاصمة. جزائرهم هي التي يتجرأ وزير، بقلة حياء غريبة، علي القول ان حكومته هي الوحيدة في العالم العربي والاسلامي التي توزع قفة رمضان علي المعوزين (هل يعلم ان الراقصة فيفي عبده وحدها تفطر نصف فقراء القاهرة من مالها الخاص 30 يوما في كل رمضان؟)، و جزائرنا هي التي لا يسمع اناسها عن قفة رمضان الا في تلفزيون جزائرهم اثناء ولائمهم الدعائية. جزائرنا هي التي اُصيب فيها مئات السكان بتسمم غذائي في مطعم بمدينة سيدي بلعباس (غرب)، و جزائرهم هي التي اهمل تلفزيونها هذا الخبر واستعاض عنه (الاثنين الماضي) بخبر ملتقي عن التسمم الغذائي نظمه وزراء وبيروقراطيون بربطات عنق في فندق فاخر مكيّف يطل علي شاطئ جميل. وعلي هامش الملتقي جاء وزير التجارة في بلد كله تهريب وتهرّب، ليقول في تلفزيونهم كيف ان الشغل الشاغل للدولة هو حماية صحة المواطن (بارك الله فيك علي هذا الاكتشاف وادامك ذخرا لدولتك) بينما تحدث حالات تسمم غذائي دوريا لم يسلم منها حتي الرياضيون الافارقة المشاركون بالالعاب الافريقية المنتهية الاسبوع الماضي) لتبرهن ان جزائرهم لا تحمي صحة المواطن.
امام هذا التمييز الفادح، لا احد يجرؤ علي الحلم بالمساواة بين الجزائرَيْن لان الامر يتعلق بتعتيم منظم وتضليل مقصود. لا نملك الا التضرع للسماء: الله ياخذ فيكم الحق.
الشرف المدنّس ارجو ان تنتهي الي ما فيه صلاح ومصلحة الامة المفاوضات بين المؤسسة المنظمة لـ ستار اكاديمي المغرب العربي وعائلة الفتاة المغربية الفائزة بها المسماة هاجر عدنان (لا يبدو لي هذا الاسم مغربيا لان اغلب اسماء العائلات المغربية، مثل الجزائرية، تبدأ بالباء (ابو او ابن) تنتهي بـ الياء المتطرفة وبينهما بعض الاسماء الغريبة والجارحة للحياء العام). ففي الاخبار ان والد الفتاة منع ابنته من المشاركة في جولة غنائية الي مدن مغاربية برمجتها مؤسسة كروي كروي التي تنظم المسابقة بداية الشهر المقبل، مما اضطر المؤسسة الي الاستنجاد باستشارات قانونية لاجبار الوالد علي الالتزام بالعقد الموقّع مع هاجر. يبدو ان الوالد اكتشف فجأة ان لديه دجاجة تبيض ذهبا فاشترط مليون يورو ليفرج عن دجاجته قبل ان تطير بجناحين فتفلت من سيطرته ويضيع عنه نصيبه من الذهب.
علي العموم، هذا الوالد اذكي من عائلة فتاة جزائرية، اسمها اميرة، شاركت قبل شهرين في برنامج قسمة ونصيب المخصص للزواج بقناة ال بي سي اللبنانية. فبحسب صحف جزائرية، تمردت الفتاة علي رغبة والديها واخوتها وخطيبها، وسافرت الي بيروت للمشاركة في البرنامج. واستغلت بعض الصحف الموضوع لتقيم مناحة كبري عن الشرف الجزائري الممرغ في بيروت، وتطالب بمقاضاة ال بي سي لانها حرّضت جزائريات علي تلطيخ شرفهن وشرف بلدهن في برنامج ساقط.
تعمدت هذه الصحف اهمال حقيقة ان الفتاة بالغة وواعية وذكية (وعندنا قالوا ان اللي عطا ز…. ـ والله لا يفكّو)، وتناست انها تمردت علي ذكورة مجتمع يجيد صناعة القهر والحرمان.
والاهم ان هذه الصحف اخترعت قضية عنوانها شرف الامة يدنّس في بيروت بطريقة تشبه حال المصريين الذين اقاموا الدنيا علي المذيعة هالة سرحان وبرنامجها عن بنات الليل قبل شهور، عندما اتهموها بالاساءة لشرف مصر لمجرد انها تحدثت عن وجود بائعات هوي بالقاهرة (وهل القاهرة يثرب المدينة المنورة حتي لا يكون فيها غانيات وزانيات؟). بين المغربية هاجر والجزائرية اميرة والمصريين قصة مجتـــــــمعات اختزلت الشرف في غير موضعه فاصبحت تري الغول في حركة كل فتاة. وطالما ظل الشرف مختزلا في تصرف امرأة (او بين فخذيها) ستكون هناك دائما من تصرخ في وجوهنا جميعا: هاوليكم شرفكم (مصحوبة بحركة جسدية اترككم تتخيلونها). كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]