د. يوسف موسي رزقة
تكليف لا تمثيل: وأخيراً وصل وفد مكلف من جامعة الدول العربية إلي القدس المحتلة لمقابلة رئيس الوزراء الإسرائيلي (أولمرت)، وغيره من المسؤولين بغرض تسويق المبادرة العربية بحسب قرارات قمة الرياض الأخيرة آذار (مارس) 2007م.
وصل الوفد بعد أن اجتازت الجامعة نقاشاً وجدالاً بين أعضائها حول (توصيف الوفد): هل هو (ممثل) لجامعة الدول العربية، أم أنه (مكلف) من الجامعة العربية بمهمة التسويق؟!! الفرق بين (التمثيل والتكليف) قضية تتجاوز اللغة إلي السياسة والمواقف، وهي تعكس انقسام أعضاء الجامعة إلي تيارين وموقفين. في (التمثيل) لابد أن يرتفع علم جامعة الدول العربية في أثناء زيارة الوفد (أحمد أبو الغيط ـ وعبد الإله الخطيب) إلي جانب علم إسرائيل، بحيث تخلّد الصور التذكارية هذا المشهد، وهو أمر تتشوق إليه القيادة الإسرائيلية فهو شكل من أشكال الاعتراف والتطبيع بالمجان!! لم يرتفع علم الجامعة العربية واقتصر الموقف علي علم مصر وعلم الأردن وعلم إسرائيل، وهو موقف يعني أن الجامعة العربية حسمت الجدال لصالح التيار الذي يري أن (التمثيل) عملية مبكرة، وأن في (التكليف) ما يغني ويكفي (؟!!). الجامعة العربية محبطة: (التكليف) بديلاً عن (التمثيل) هو شكل من أشكال الإحباط الذي تشعر به الجامعة العربية وأمينها العام السيد عمرو موسي من الموقف الإسرائيلي والدولي، وليس في هذا الشعور غرابة رغم الهرولة العربية باتجاه (المبادرة ـ والتسويق) ذلك أن الموقف الإسرائيلي لم يتعاط مع مبادرة التسوية بجدية، ولم يرحب بها بوصفها مبادرة (كل العرب). الموقف الإسرائيلي ما فتئ ينظر إلي (المبادرة) علي أنها تمثل الرؤية العربية أو الموقف العربي؟!! إنها تخلو من عناصر الرؤية الإسرائيلية، أو بلغة دبلوماسية أنها تفتقر إلي (التوازن). الأمين العام عمرو موسي توصل إلي قناعة غير عادية بأن إسرائيل تتهرب من التسوية، الموقف الإسرائيلي ـ في نظره ـ يبحث عن التطبيع!! بينما يبحث الموقف العربي عن السلام!! إسرائيل تضع العربة قبل الحصان لأنها لا تؤمن بالسلام ولا بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في حزيران (يونيو) 1967م.
المبادرة العربية تعرض (التطبيع) مقابل (السلام)، وهي بهذا أكثر من موقف وأكثر من رؤية، إنها مبادرة كبيرة فيها إقرار بمطالب إسرائيل الرئيسة (الاعتراف ـ والتطبيع ـ وإنهاء حالة الحرب) وفيها مطالب عربية هي الانسحاب إلي حدود عام 1967). المبادرة العربية نزلت بالسقف العربي من معادلة (الأرض مقابل السلام) بحسب ما جاء في مدريد إلي معادلة (الأرض مقابل سلام وتطبيع وإنهاء حالة الحرب)، ومع ذلك فإن إسرائيل تتهم المبادرة بفقدان التوازن؟!! الغرض من الزيارة: الغرض المباشر من زيارة ممثل الخارجية المصرية وممثل الخارجية الأردنية إلي القدس المحتلة بتكليف من (الكل العربي ـ الجامعة العربية) هو (تسويق) المبادرة العربية، والتسويق هنا يعني تشجيع إسرائيل علي شرائها لأن فيها ما يخدم المصالح الإسرائيلية، وهو ما أعلن عنه الوزيران كلاهما في المؤتمر الصحافي الذي انعقد في القدس بصحبة وزيرة الخارجية الإسرائيلية (ليفني) حيث قالا: ثمة فرصة تاريخية أمام إسرائيل إذا ما قبلت بالمبادرة العربية. القيادة الإسرائيلية (ليفني ـ أولمرت) رحبت بالوفد الزائر، ولم تقدم موقفاً جديداً من مبادرة الكل العربي، ولم تطور موقفها باتجاه إنجاح مهمة (التسويق)، وإنما استنسخت موقفاً قديماً وقف عنده براك في كامب ديفد الثانية حيث أعلن أولمرت أنه يعرض علي العرب الانسحاب من 90% من أراضي الضفة الغربية، مع أحداث تبادل أراضٍ وتعديلات في الحدود ونفق تواصل بين الضفة وغزة. ويبدو أن القيادة لم تنظر باحترام كافٍ لمقولة (الفرصة التاريخية) التي رددها وزيرا الخارجية العربيان!!!(الزيارة) لم تحدث اختراقاً في الموقف الإسرائيلي، ويبدو أن عملية التسويق تعاني من كساد في أسواق القدس، والإحباط سيد الموقف، وعلي جامعة الدول العربية مسؤولية البحث في الأسباب. الثمن الذي ستجنيه الجامعة من نجاح عملية التسويق لا يتجاوز الحدّ الأدني من سعر التكلفة؟! ولكن إسرائيل ليست في عجلة من أمرها، فإما أن تخفض الجامعة العربية السعر إلي ما دون الحد الأدني وإما أن تسلم المبادرة إلي الفساد والعفن؟! الرياض تعدل موقفها: يبدو أن ملامح الإحباط التي أشرنا إليها آنفاً ظهرت بتأثيراتها في الرياض بعيد القمة العربية بأيام قليلة، حيث لم تظفر المبادرة بالترحيب (الإسرائيلي ـ والدولي) الذي كان متوقعاً، وظهرت كتابات وتحليلات تتحدث عن تراجع (الرياض) عن عملية التسويق، وعن (تمثيل) الوفد للجامعة واكتفت (بالتكليف)، وتحدثت عن أسباب التراجع هذا وذكرت أسباباً عديدة منها: 1. ان إسرائيل لم تبد اهتماماً بالمبادرة يكشف عن قبول مبدئي بها، وانها ظلت تبحث عن التطبيع وعن لقاء الملك عبد الله بن عبد العزيز، ويبدو أن القيادة الإسرائيلية تراجعت عن وعود سرية قدمتها لشخصية سعودية مهمة في لقاءات خاصة (؟!!) مما ولد استياء لدي القيادة السعودية.2. ومهما تطور موقف بعض القيادة السعودية التي تقول بأن الظروف الدولية التي أنشأت المبادرة نفسها بعيد أحداث (11 ايلول/سبتمبر 2000م) لم تعد قائمة وأن العالم يشهد اليوم خروج (توني بلير) من الحكم، وقريباً ستشهد خروج (جورج بوش) من البيت الأبيض، وتطورات العراق وأفغانستان تتجه نحو مواقف مضادة للمصالح الأمريكية، مما يستدعي توازناً ما في الجزيرة العربية يستوعب هذه التغيرات ويخفف من تأثيراتها السلبية. 3. ومنها تعاظم نشاط (القاعدة) في الجزيرة العربية، والأقطار الأخري، بعد أن تمكنت القاعدة من الساحة العراقية. وحيث إن القاعدة ترفض المبادرة العربية، وتحمل السعودية مسؤولية خاصة، وحيث إن حفظ الجبهة الداخلية مقدم في السياسة السعودية علي الدبلوماسية الخارجية، فإن السعودية تكتفي بما قامت به، وليست في عجلة من أمرها لإضافة خطوات أخري أي أنها تتجه نحو الانتظار؟!4. ومنها توجه الخطاب الإيراني (احمدي نجاد) نحو الإسلامية الثورية، ورفض وجود إسرائيل، واستعداده للتعاون مع ما يسمي جدار الممانعة، ومن ثمّ الدفع باتجاه البحث عن بدائل المبادرة العربية والاتجاه نحو الانتظار؟!5. غير أن ما هو أهم من ذلك كله هو هرولة الرئيس محمود عباس إلي استباق المبادرة العربية واكتفي باستجابة غير مسبوقة لمقتضيات الرؤية الإسرائيلية ومراحل الحل، مستثمراً الخلاف مع حماس وأحداث غزة، والحماية الأمريكية له من النقد العربي.
في مؤتمر مدريد عرض العرب معادلة (الأرض مقابل السلام) غير أن هذه المعادلة ظلت (عربية بحتة) فلم تحظ بشراكة دولية حقيقية (؟) ظلت مقولة باهتة لسببين علي الأقل: الأول: أن العرب لا يملكون بديلاً لها عند رفضها؟! والآخر لأن إسرائيل تملك الأرض وتملك السلام معاً.
تمكنت إسرائيل من خلال الاستيطان، ومن خلال اجتياحات الأراضي الفلسطينية المتكررة من أن تجعل العرب يطالبون بمعادلة (السلام مقابل السلام)، وقف الصواريخ من غزة ومن جنوب لبنان في مقابل وقف إسرائيل للاجتياح وللقتل.
منذ مدريد وحتي اليوم لم يبلور العرب بديلاً عن الأرض مقابل السلام في حال رفض إسرائيل للسلام، وتعاظمت قوة الفعل الإسرائيلي المستند إلي التفوق العسكري والتأييد الأمريكي، وتنازعت الموقف العربي رؤية المعتدلين ورؤية المتشددين بحسب التصنيف الأمريكي. واقع الحال الإسرائيلي ـ الأمريكي يطرح علي قادة النظام العربي معادلة (السلام مقابل سلامتك). علي حد تعبير الصحافي المصري الكبير عبد الحي قنديل وهي المعادلة التي يمكن بها تفسير إجراءات الرئيس محمود عباس بعد أحداث غزة في حزيران (يونيو) 2007م.