انسحاب مندوب سورية من اجتماع وزراء خارجية الدول العربية الذي انعقد في مقر الجامعة، تحت شعار تفعيل مبادرة السلام العربية، لم يكن مفاجئا، لان السلطات السورية لم تكن مرتاحة لهيمنة الولايات المتحدة علي القرار العربي، وتقسيمها الدول العربية الي معتدلة و متطرفة، تقرب الاولي وتعزل الثانية.
سورية بدأت تشعر ان هناك توجها عربيا رسميا للتطبيع مع الدولة العبرية بصورة مجانية، وتفعيل مبادرة السلام العربية وفق الشروط الاسرائيلية، ولهذا قررت ان تنأي بنفسها عن اجتماعات وزراء الخارجية العرب، حتي لا تكون طرفا في طبخة يجري اعدادها في واشنطن وتل ابيب، لا تحقق الحد الادني من المطالب العربية في سلام عادل وشامل. وهذا ما يفسر غياب السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري عن اللقاء الاخير لوزراء الخارجية العرب في القاهرة.
فاللافت ان الادارة الامريكية تستبعد سورية كليا من تحركها الدبلوماسي الحالي في المنطقة وبطريقة استفزازية متعمدة، فالمسؤولون الامريكيون الذين يزورون المنطقة يتجاهلون المحطة الدمشقية، ويفضلون التعامل مع دول عربية معتدلة، تنفذ التوجهات الامريكية في المنطقة دون تردد. فجولات السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية المتعددة في المنطقة اقتصرت علي دول مثل الاردن ومصر والمملكة العربية السعودية دون غيرها من الدول العربية، وباتت اجتماعاتها مع وزراء خارجية دول اللجنة الرباعية العربية المكونة من هذه الدول علاوة علي دولة الامارات العربية المتحدة روتينية وشبه دورية.
ومن المفارقة ان الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش حرص علي دعوة ما سماها بالدول العربية المعتدلة الي مؤتمر السلام الذي ينوي عقده في واشنطن او نيويورك قبل نهاية العام، في استبعاد متعمد لسورية، ولا نعرف كيف سيكون مؤتمرا للسلام دون مشاركة هذه الدولة المحورية في عملية السلام او الحرب في المنطقة العربية.
ومن المؤسف ان الدول العربية الحليفة لواشنطن لم تعترض علي عملية العزل المتعمدة لسورية، وهي تعرف المخاطر التي يمكن ان تترتب علي مثل هذه الخطوة الاستفزازية. ونحن نتــحدث هــنا عــن الممــلكة العربية الســعودية، ومصر علي وجــه التحـديــد، الدولتين اللتين كانتا شريكتين لسورية في ادارة شــؤون المنــطقة طــوال الثــلاثين عاما الماضية علي الاقل.
سورية تتعرض للعزل من قبل واشنطن وبعض حلفائها العرب لانها تمسكت بالثوابت العربية، ورفضت ان تكون عضوا في التحالف الذي غزا العراق ومزق وحدته الوطنية، وحوله الي فوضي دموية عارمة، وقتل مليونا من ابنائه وشرد خمسة ملايين آخرين في حرب غير شرعية وغير اخلاقية. فلو قبلت الحكومة السورية ان تكون شريكا في هذه الحرب وتوظف اجهزتها الامنية في خدمة قوات الاحتلال الامريكي في التصدي للمقاومة العراقية ولمنظماتها لكانت الدولة المفضلة لدي واشنطن، والاقرب الي قلبها، تصول وتجول في لبنان كما تشاء.